هل جاء "الإسلاميون" من بين أوراق الأشعري أم من القرن 17؟

هل جاء "الإسلاميون" من بين أوراق الأشعري أم من القرن 17؟

هل جاء "الإسلاميون" من بين أوراق الأشعري أم من القرن 17؟


27/08/2019

من أين جاء الإسلاميون؟ سؤال يعني ما يقوله حقاً، وقبل أية محاولة لتقديم إجابة، سواء أكانت متوقعة أم غير متوقعة، يجب تقديم توطئة حول المفهوم التقابلي وهو "الإسلامية"، باعتبارها الجذر الاشتقاقي الدلالي للإسلاميين، وكلا المفهومين وصف توفيقي؛ الأول "الإسلاميون": وصف للفرد أو الأفراد، فيما وصف الإسلامية؛ وهو وصف للفكر والأفكار.

اقرأ أيضاً: مخاوف من اكتساح الشعبويين والإسلاميين السباق الرئاسي التونسي

والعودة للأصل الديني، المأخوذ نصّاً من القرآن الكريم، هو ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ وهو نصّ يقتضي التسليم به، دون أية محاولة للتحريف أو الاشتقاق منه، بحسب الغرض والهوى والأهداف التي ستظهر مع توالي العصور والأزمان، فلم ينقل أحد عن الأولين وعن السلف إعادة اشتقاق اسم للمسلمين، غير ما سمّاهم الله تعالى به، واستمرّ ذلك إلى عصر ما بعد الاستعمار، الذي كثرت فيه الفتن، وتغيّرت الأحوال وتبدّلت القيم، أو تعدّدت، وخاف البعض ذهاب الإسلام، كما لو أنّهم يشككون بحفظ الإسلام واكتماله وتشويهه، ما ألجأهم إلى اصطناع مفاهيم وتسميات وأوصاف لتثبيت الصفة الإسلامية بالأفراد والأفكار، ولم يقف الحال عند هذا الحدّ؛ بل رأى البعض في نحت مفاهيم جديدة مشتقة من الإسلام والمسلمين كوصف إلهي، لإعطاء نوع من القداسة والشرعية والتأصيل الشرعي لها، فتذهب مذهب الأصل في الاسم والوصف، فيخاف الناس مخالفتها أو نقدها أو تغييرها.

لم يعهد عن السلف أن سمّوا أنفسهم أو طائفة منهم باسم الإسلاميّ أو الإسلاميين

يقول الدكتور عبد الفتاح أفكوح، في مقال له بعنوان "مسلم أم إسلامي أم إسلاموي": "وإذا كانت كلمتا "المسلم" و"المسلمون" وصفاً إلهياً، فإنّ لفظتي "الإسلامي" و"الإسلاميون" وصف وضعي بشري"، لافتاً إلى أنّه لم يعهد عن السلف أن سمّوا أنفسهم، أو طائفة منهم، باسم الإسلامي أو الإسلاميين، لافتاً إلى شاهد واحد متعلق باسم الإسلاميين، ذكره أبو الحسن الأشعري، في كتابه "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين"، وقد قصد بالإسلاميين الفرق والطوائف المختلفة التي ظهرت كحالة جدلية في تاريخ الإسلام، ومنهم: الشيعة، والخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، تماماً كالحالة الجدلية التي رافقت استخدام وتوظيف مصطلح أو وصف الإسلاميين المعاصر، بدلالته المعاصرة المرتبطة تحديداً بالأفق السياسي، بدل أن نقول "الطموح السياسي"، لجماعات جديدة ومعاصرة.

اقرأ أيضاً: هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي

يذكر الباحث الدكتور صبري خيري، في دراسة حول مصطلح الإسلاميين؛ أنّه "لم يتم استخدام مصطلَحي "إسلامي وإسلاميين" بدلالاته الحديثة في المجتمعات المسلمة، إلا في العصور الحديثة، بعد ظهور الاستعمار، من هذه الدلالات؛ استخدام المصطلح الذي يقابله في اللغة الإنجليزية (islamist) في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر، في الموسوعة البريطانية، بمعنى "المستشرق"؛ أي الباحث الغربي المتخصص في دراسة المجتمعات الإسلامية، كما استخدم مصطلح (إسلامي) في المغرب، في بداية القرن التاسع عشر وأواخر القرن الثامن عشر، في مخطوطات بمدينة تطوان وشمال المغرب، لوصف اليهود الذين أتوا من إسبانيا ثم أسلموا، حتى يتم التفريق بين المسلم الأصلي، والمسلم الذي اعتنق الإسلام حديثاً (وهو ما ذكره الدكتور المهدي المنجرة في كتابه "الإهانة في عهد الميغا إمبريالية").

اقرأ أيضاً: الإسلاميون مشروع انقلاب دائم في السودان

لا نتقصد تسخيف المصطلح، ولا تشويهه، ولا محاولة نفي القداسة عنه، مع أهمية هذا النفي، لكنّ القصد المباشر هو في تعريض المصطلح أو المفهوم للنقد، وتتبّع مواطن وروده في النصوص أو المصنفات أو على الألسن، ابتداءً بأبي الحسن الأشعري، وليس انتهاء بالموسوعة البريطانية وعهد الميغا إمبريالية، كما أسلفنا سابقاً؛ فقد أخذ المصطلح بالنموّ التدريجي من إشارة الأشعري له على أنّه يمثل الفرق الإسلامية الناشئة، إلى أن أصبح صفة اختصاص وممارسة سياسية، وشكلاً من أشكال الحكم الذي يدفع به أصحابه إلى السلطة دفعاً، تحت غطاء الشرع والشرعية الدينية.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفق اليسار في المغرب رغم فشل الإسلاميين؟

لقد أصبح استخدام وتوظيف الصفة الإسلامية، سواء على مستوى الأفراد "إسلاميين"، أو على مستوى الأفكار "الإسلامية"، أصعب من أي وقت مضى، وعلى الإسلاميين أنفسهم أن يدركوا ذلك، ويستوعبوا القدر الكبير الذي يثيره المصطلح أو الصفة، من جدل وأزمات وإشكاليات على مستوى التنظير والممارسة، وهذا ما دفع باحثين كثيرين إلى تناول المصطلح والكشف عن دلالاته المتعددة، والحكم عليه تبعاً لدلالاته، باتفاقها أو عدم اتفاقها، مع الشرع وأحكام الدين.

أصبح استخدام وتوظيف الصفة الإسلامية أصعب من أي وقت مضى وعلى الإسلاميين أنفسهم أن يدركوا ذلك

إلا أنّ الدلالة الغالبة والأكثر توظيفاً هي الدلالة التي لا أصل لها في الشرع؛ فهي -كما يرى باحثون- تثير التعصب الطائفي والديني والمذهبي، وإثبات الصفة الإسلامية لجماعة معينة ومخصوصة، قد يعني نفيها عن آخرين، مما يدخل في سياق التكفير أو التجهيل، نسبة إلى فكرة "جاهلية المجتمعات"، كما أنّ الاختصاص بهذه الصفة قد يغري الكثيرين من الأتباع بتوظيفها كسلطة دينية مطلقة.

ووصولاً إلى الإجابة عن التساؤل: هل جاء الإسلاميون من بين أوراق الأشعري أم من القرن السابع عشر أم من عهد الميغا إمبريالية؟ كلّ ذلك غير مهم، الأكثر أهمية هو أنّهم وصلوا إلى مرحلة حرجة من تأزيم الموقف والعلاقة معهم جراء إمعانهم في إثبات الصفة الإسلامية لهم، ونفيها عمن سواهم، وإن حاولوا أن يقولوا غير ذلك، فإنّ الممارسة العملية للمصطلح تقول بذلك أكثر منهم

الصفحة الرئيسية