هل ثمّة تغير في نظرة المؤسسة الدينية الرسمية إلى ظاهرة الإلحاد؟

هل ثمّة تغير في نظرة المؤسسة الدينية الرسمية إلى ظاهرة الإلحاد؟

هل ثمّة تغير في نظرة المؤسسة الدينية الرسمية إلى ظاهرة الإلحاد؟


20/10/2025

 

أسهم الربيع العربي في إحداث العديد من التحولات في المجال الديني، وهذه التحولات تتميز بالتنوع والتناقض، حيث تعكس تغيرات في اتجاهات مختلفة وليس في اتجاه واحد، ومن بين هذه التحولات ما يتعلق بالموقف من الدين والاتجاه نحو التدين؛ ففي حين زاد الاتجاه نحو التدين في بعض الفترات بعد الربيع العربي، زاد أيضًا الاتجاه نحو الإلحاد، وفي حين كان الدين يتمتع بحضور قوي في بعض الفترات، فإنّ شريحة من المجتمع، على النقيض، قد خرجت عن إطار الدين.

وعلى الرغم من أنّ الإلحاد، كظاهرة، ليست جديدة على المجتمعات عمومًا، ومنها المجتمع الإسلامي، لكنّه في السنوات الأخيرة شهد تزايدًا ملحوظًا، أسهم فيه عدد من المتغيرات، منها ما يتعلق بالقدرة على التعبير عنه بشكل لم يكن موجودًا قبل الربيع العربي.

ومنذ فترة قليلة كانت ظاهرة الإلحاد من موضوعات الخطبة الموحدة التي تقوم وزارة الأوقاف بإعدادها وتوزيعها على أئمة المساجد، وما نريد طرحه هنا هو هل ثمّة تغير في نظرة المؤسسة الدينية الرسمية إلى ظاهرة الإلحاد؟ وكيف ترى أسبابه وصوره؟  

 

أسباب الظاهرة

من خلال هذه الخطبة يلاحظ وجود تغير في تناول القضية من جانب المؤسسة الدينية الرسمية من حيث النظر إلى الظاهرة وأسبابها والأفراد المعبّرين عنها، حيث تشير الخطبة إلى أنّ من أسباب ظاهرة الإلحاد غياب اليقين الناتج أحيانًا عمّا تصفه بـ "الأمّية الدينية" التي تجعل الكثير من المعلومات الدينية مجهولة أو غائبة عن الكثيرين، أو الناتج أحيانًا أخرى عن الأزمات والمشكلات والكوارث الإنسانية التي تحدث في العالم التي يرى فيها الفرد الكثير من القسوة وغياب العدل؛ ممّا يؤدي إلى حالة من الغضب والحزن والحيرة والشك أحيانًا في وجود الإله، ومن أسباب الظاهرة أيضًا، التي تشير إليها الخطبة، الخطاب الديني للتيارات السلفية والإخوانية وتنظيمي (القاعدة وداعش)، الذي يتسم بالتشدد والابتعاد عن المنهجية العلمية ومعاداة علوم الفلسفة والمنطق وغيرها من العلوم العقلية، وقد تسبب ذلك، في بعض الأحيان، في ردة فعل عنيفة لدى شريحة من المجتمع جعلت لديهم نفورًا من الدين ذاته، كذلك من الأسباب حالة التخلف الحضاري الذي تعيشه المجتمعات العربية، والتي تجعل لدى الكثيرين حالة من الانبهار بالغرب وأفكاره، وفي الوقت نفسه فقدان اليقين وضعف الثقة في الذات، كذلك تشير الخطبة إلى سبب آخر وهو أزمة الخطاب الديني العاجز عن الرد على التساؤلات التي تحمل شكوكًا في الأفكار والعقائد الدينية، وعدم القدرة على إشباع العقول التي أصبحت في هذا العصر عطشى للمعرفة، والتي لم تجد، حسب تعبيرها، سوى صمت يفضي بها إلى الضياع، خاصة في ظل تقدم تكنولوجي كبير ينتج سيولة في الأفكار وسهولة في تداولها، وقدرة على الحصول على إجابات دون الاعتماد على رجل الدين سواء الرسمي أو غير الرسمي.

 

حول صور الإلحاد

تتناول الخطبة كذلك أبرز صور الإلحاد، حيث تشير إلى أربع صور منها؛ الأولى تطلق عليها "أصحاب الإلحاد المطلق"، وهم الذين لديهم يقين بعدم وجود إله، ولديهم نظرة تفسيرية وحيدة للعالم وهي النظرة العلمية، ولا يرون سوى المكونات المادية الملموسة للعالم، وينكرون أيّ عوامل أو قوى غيبية، والصورة الثانية "الإلحاد الربوبي"، ويكون لدى الفرد في هذه الحالة يقين بوجود الإله، لكنّه غير مؤمن بالوحي أو بالرسل أو الشرائع، ويرى أنّ دور الإله توقف عند حدّ خلق الكون دون التدخل فيه بالرعاية أو التنظيم، والصورة الثالثة هي "اللّاأدرية"، وهي حالة تعكس حيرة وعدم يقين في وجود الإله، وفي نفي هذا الوجود كذلك، فهي حالة تتساوى فيها الأدلة في نظر الفرد ولا يستطيع الوصول إلى رأي أو يقين واضح، والصورة الرابعة يُطلق عليها "أصحاب الانفجار النفسي"، وهي الحالة الناتجة عن الغضب تجاه أزمة الشر في العالم وغياب العدل، وتشير الخطبة إلى أنّ هذه الصورة تضم أكبر عدد من الملحدين.

 

الفجوة بين الخطبة المكتوبة والخطبة الفعلية  

لمست الخطبة المكتوبة جانبًا كبيرًا من جوهر ظاهرة الإلحاد الآخذة في النمو، فجزء مهم من أسباب الظاهرة يعود إلى الخطاب الديني ذاته والفكر الذي ينطلق منه ويعبّر عنه، سواء الخطاب الرسمي أو غير الرسمي، فمن خلال إحدى الدراسات الميدانية التي أجرتها الباحثة غادة زغلول حول أثر العالم الافتراضي على انتشار الإلحاد في المجتمع المصري بعد الربيع العربي، وصلت فيها إلى بعض النتائج فيما يتعلق بأسباب الإلحاد، حيث قامت الباحثة بتحليل حوارات وأفكار واتجاهات وسمات عدد من الأفراد الشخصية، وقد خلصت إلى أنّ من الأسباب الرئيسية للاتجاه نحو الإلحاد عدم منطقية بعض الأحكام الدينية، وبعض القصص الواردة في القرآن، وعدم المساواة والعدالة بين الرجل والمرأة، ومعضلة الشر في الحياة، وأيضًا تعارض النص الديني مع بعض النظريات العلمية كنظرية التطور، وهي أسباب يتعلق الكثير منها بالخطاب الديني غير القادر على إزالة بعض التناقضات في النص الديني أو بين النصوص والنظريات العلمية، أو الذي يرسّخ أفكارًا تؤدي إلى غياب العدالة.

ورغم تطور الخطاب الديني الرسمي تجاه ظاهرة حساسة في المجتمع مثل ظاهرة الإلحاد، وتغير لغة الخطاب نحو فهم أعمق للظاهرة، ونظرة فيها قدر من التعاطف معها بسبب العوامل التي أدت إليها؛ إلا أنّ الأزمة تكمن في تلك الفجوة بين الخطبة المكتوبة والخطبة الفعلية على المنابر، حيث في كثير من الأحيان لا يلتزم الخطيب بما ورد في الخطبة من أفكار رئيسية، ولكنّه يأخذ العنوان والفكرة الأساسية ثم يتناولها بطريقته التقليدية ووفق منطلقاته الفكرية التي تتسم بأنّها أفكار سلفية لا تختلف كثيرًا عن الخطاب السلفي الموجود في المجتمع بصوره المختلفة، وهذا يجعل تأثير المحاولات التي تقوم بها المؤسسة الدينية الرسمية من أجل إحداث قدر من التجديد في الخطاب الديني غير مجدية بنسبة كبيرة.

 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية