هل تجتمع الخلاعة والتقوى في شخص المبدع؟

هل تجتمع الخلاعة والتقوى في شخص المبدع؟

مشاهدة

02/06/2021

منذ أن نادى أبيقور بالّلذة مدخلاً للسعادة،  ثم نادى زينون الرواقي بالفضيلة مدخلاً آخر للسعادة، والناس بين منحاز للمتع بأنواعها أو مناصر للقيم والأخلاق أو جامع بين الاثنين.  ولا ريب في أنّ اقتران الخلاعة بالتقوى لدى بعض المبدعين، قد مثّل أكثر الثنائيات الضدية التي تستثير المتخصصين في سيكولوجية الإبداع وتدهشهم. وعلى وفرة الشعراء والكتّاب العرب الذين اكتووا بهذا الديالكتيك المؤلم؛ لأنه يشبه التنقل الدائم بين النار والماء، فإنّ أبا العتاهية (130 - 211 هـ) يظل أكثر من اصطلى بهذه المراوحة الممضّة.

منذ أن نادى أبيقور بالّلذة مدخلاً للسعادة،  ثم نادى زينون الرواقي بالفضيلة مدخلاً آخر للسعادة، والناس بين منحاز للمتع بأنواعها أو مناصر للقيم والأخلاق أو جامع بين الاثنين

ولعل تجاربه المبكّرة في سني الطفولة والشباب، تمثل مدخلاً نفسياً جديراً بتفسير هذا التشرّخ الشديد الذي طال شخصيته وانعكس في سلوكه وإبداعه إلى حد بعيد. فقد ولد لأبوين نبطيين يعملان في الحجامة التي لم تتكفل على الأغلب بسد رمقهما، فانتقلا مع طفليهما من الأنبار إلى الكوفة. ويبدو أن نبطية الوالدين ومهنتهما قد تحالفتا مع دمامة صاحبنا وقبح منظره، إلى الحد الذي دفعه إلى الالتحاق بزمرة المخنّثين في سن مبكّرة جداً. ورغم أنّ أخاه قد نجح في إبعاده مؤقتاً عن هذه الزمرة وإجباره على العمل معه في صنع الجِرار الفخّاريّة، إلا أنه لم يعدم وسيلة للتسلّل من آن لآخر إلى مقاصفهم والخوض فيما يخوضون. ومن الملاحظ أنّ عمله في الجرار الفخارية قد أجرى لسانه بالشعر، حتى صار فتيان الكوفة يغشونه ويشترون جراره لقاء بيت أو بيتين من شعره الذي صار يزخرف به هذه الجرار!

اقرأ أيضاً: هل يجتمع الرفيع والوضيع في شخص المبدع؟

ومع أنه أخذ في التباعد عن المخنّثين وخلع الزي الذي كان يميّزهم، إلا أنه انخرط في بيئة الشعراء والمغنين الخلعاء وبيئة العلماء والمتكلمين في آن واحد، وقد تمخّض هذا الانخراط عن سطوع نجمه في الكوفة وتوطيد علاقته بالمغنّي إبراهيم الموصلي الذي كان نبطياً وما زال يشق طريقه أيضاً، فقصدا بغداد معاً وابتسم الحظ لإبراهيم وجانَب صاحبنا، فاحتال على ذلك بأن تعمّد التغزّل بسُعدى مولاة عبدالله بن معن بن زائدة، حتى أخرجه عن طوره وجلده مئة سوط؛ فاشتهر أمر أبي العتاهية وتحقّق له ما أراد، إذ لم يتأخر صديقه إبراهيم في استدعائه ثم قدمه للخليفة المهدي الذي طار به كما طار به من بعده الهادي والرّشيد. ومن الملاحظ أيضاً في هذه الحقبة من مسيرة صاحبنا، أنه واظب على النفخ في رماد أسطورته كشاعر عاشق، فتعمّد ثانية التغزّل بعُتبة جارية المهدي حتى أخرجه عن طوره وجلده مئة سوط تكفّلت بتأجيج صورته الشعرية، مع ضرورة التذكير بأنّ القدماء كادوا يجمعون على أن سُعدى وعُتبة قد كانتا تزدريانه لدمامته وقبحه وتواضع أصله وسوء سيرته، كما كادوا يجمعون على أنّ أبا العتاهية قد كان يتظاهر بحبه الشديد لهما حتى يظلّ الناس يلهجون باسمه. ولم يفت القدماء طبعاً الانتباه لتماوته الشديد في الغزل حتى شبهوا شعره بشعر النساء، وكأنهم أرادوا التعريض بتخنّثه القديم.

اقرأ أيضاً: كيف تجلد ذاتك وتجلد ذوات الآخرين باللغة؟.. أبو العلاء المعري نموذجاً

السنة الفاصلة في حياة أبي العتاهية، هي السنة التي بلغ فيها الخمسين من عمره، وكان قد شبع من الدنيا لهواً وشهرة ومالاً وحظوة، فإذا به ينصرف فجأة عن كل هذا ويقبل على حياة الزهد والتقشّف، رغم محاولات الرشيد المتكرّرة لاستعادته، وهي محاولات لم تنطو على الرغبة في منادمته فقط، بل انطوت أيضاً على إحساس الرشيد وبعض مثقفي الدولة العباسية، بأنّ أبا العتاهية قد جاوز في سلوكه وفي شعره، الحد المعهود في الزهد الإسلامي المعتدل، وبأنّه قد صار أقرب إلى الزهد المانوي المتطرّف! بدليل استغراقه في الإشادة بإثنينية أصل الوجود (الخير والشّر)، وبدليل إصراره على التسوّل رغم كل ما يملكه من أموال طائلة. والأدهى من كل ما تقدّم، أن آلاف العوام في بغداد، قد راحوا يردّدون أشعاره في الزهد بحسن نيّة؛ فهي واضحة ورشيقة وتعزّز تسليمهم بفقرهم. وأيّا كان سبب اشتداد الرشيد عليه، فإنّ أبا العتاهية لم يدّخر وسعاً لاستعطافه، فأطلق سراحه من السجن المخفّف الذي كان قد أودعه فيه.

ظل أبو العتاهية سادراً في زهده العجيب ثلاثين عاماً فهو من جهة يملك أموالاً طائلة وضياعاً عديدة، وهو من جهة ثانية يلبس الصوف ويعتاش من الصّدقات

ورغم أنّ أبا العتاهية لم ينقطع بعد ذلك عن مدح الرشيد وأبنائه ونيل جوائزهم، إلا أنه ظل سادراً في زهده العجيب ثلاثين عاماً؛ فهو من جهة يملك أموالاً طائلة وضياعاً عديدة ولا ينقصه من أعراض الدنيا شيء، وهو من جهة ثانية يلبس الصوف ويعتاش من الصّدقات ولا يتوقّف عن قول الشعر في التحذير من الموت وزوال النّعم، حتى تضخّم ما نُسب إليه في ذلك تضخّماً شديداً، أدّى إلى ضياع كثير منه، ولعل احتشاد شعره بلغة الحياة اليومية قد عزّز هذا النسيان. ومع أنّ غير قليل مما قاله سواه من الزهاد قد أُضيف له، كعادة الناس في إضافة معظم ما قيل في الحمق إلى جحا وإضافة معظم ما قيل في المجون إلى أبي نواس، إلا أنّ الانقلاب المفاجئ في شخص وسلوك وشعر أبي العتاهية، سيظلّ سراً من أسرار سيكولوجية الإبداع المستغلقة؛ فهو لم يعانِ من أزمة منتصف العمر التي تعتري المبدعين عاماً أو عامين ثم تتلاشى كما قد يتبادر لأذهاننا، وهو ليس زنديقاً حاول التوفيق بين الزهد الإسلامي المعتدل والزهد المانوي المتطرف فقط، بل هو روح معذبة بدوام التنقل بين السلطة والهامش وبين الكراهية والحب وبين الغنى والفقر وبين اللهو والحرمان!

الصفحة الرئيسية