هل بُدئت الكتابة بعبد الحميد وخُتمت بابن العميد؟!

هل بُدئت الكتابة بعبد الحميد وخُتمت بابن العميد؟!

مشاهدة

09/07/2020

المقولات السائرة مثل الأمثال، تكتسب بمرور الزمن سلطة متزايدة وغير قابلة للنقاش؛ فهي ليست قانوناً علمياً مثبتاً لكنها تغدو بحكم القانون الذي لا يحتاج إلى أدلّة وبراهين. ورغم أنّ هذه الظاهرة ليست مقتصرة على الثقافة العربية، وتكاد تكون علامة مشتركة بين كل ثقافات المجتمع البشري، إلا أنّ نصيب الثقافة العربية منها وافر وكثير. ولا ريب في أنّ هذه المقولات العابرة لحدود الزمان والمكان، تحتاج إلى من يرصدها ويحلَّلها ويستخرج منها كل الأنساق المضمرة فيها، انطلاقاً من آليات النقد الثقافي التي تتعزّز يوماً بعد يوم، وخاصة بعد أن تبين لنا أنّ هذه المقولات قد أدّت وما تزال تؤدي إلى ممارسات ثقافية دّالة؛ أي إلى خطابات وسلوكيات ذات بعد جماهيري.

من البديهي التنبيه لحقيقة أنّ كلاً من عبد الحميد وابن العميد تسنّما مناصب سياسية عُليا، جعلتهما مقصداً لكثير من المادحين والمتكسّبين

ومن المقولات الخطيرة التي ما تزال تتردّد في أبحاث وكُتب الدارسين، فضلاً عن أوراق المحاضرين في الندوات والمؤتمرات، عبارة أطلقها الثعالبي (ت429هـ) في كتابه العتيد (يتيمة الدهر)، ونصّها: (وكان يُقال: بُدئت الكتابة بعبد الحميد وخُتمت بابن العميد)! ولو أننا مدّدنا هذه العبارة/ المقولة، على منضدة التشريح في ضوء آليات النقد الثقافي، لخرجنا بالعديد من الخلاصات العجيبة:

أولاً: تؤكد صيغة (وكان يُقال) أنّ العبارة تفتقر إلى السند العلمي المتواتر؛ فمن هم الذين قالوا وما هي منزلتهم العلمية وما هي توجّهاتهم الفكرية والسياسية؟ ولسنا بحاجة للتذكير بأنّ هذه الصيغة الفضفاضة (المبنية للمجهول) وإن بدَت عفوية وتلقائية، إلا أنّها تمثل إحدى استراتيجيات مراوح الرمال التي تهدف إلى التخلص من تبعات العبارة من جهة، وإكسابها مصداقية علمية جمعية مبهمة من جهة ثانية.

اقرأ أيضاً: الثقافة العربية المُشَظّاة.. ابن المقفع وابن هارون نموذجين

ثانياً: إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى حقيقة أنّ ابن العميد قد توفي عام (360هـ)، فإنّ التحميل المتعمّد للسلطة المعرفية التاريخية عبر الفعل الماضي (وكان) يغدو أثراً بعد عين، لأن العشرين عاماً التي تفصل بين الاثنين لا تحتمل القِدَم بل هي أدعى للقرب والمجايلة والمعاصرة.

ثالثاً: رغم أنّ عبارة الثعالبي يمكن تعزيزها بما تناثر من أقوال وأشعار، قيلت هنا وهناك، في الكاتبين، إلا أنّ خطورة هذه العبارة تتبدّى في انتزاعها من سياقها وتحوّلها إلى مقولة عابرة للمقالات والأبحاث والكتب والندوات والمؤتمرات، فصارت قانوناً أو شبه قانون غير قابل للنقاش.

صيغة (وكان يُقال) تفتقر إلى السند العلمي المتواتر؛ فمن هم الذين قالوا وما منزلتهم العلمية وما توجّهاتهم الفكرية والسياسية؟

رابعاً: قد يقول قائل إنّ العبارة مجازية وليست تقييدية، لكن ما ترتب على هذا المجاز تحوّل إلى ما يشبه الحقيقة العلمية في تاريخ الأدب العربي؛ فهل بدأت الكتابة العربية فعلاً بعبد الحميد؟ وماذا نصنع بمئات الرسائل والمكاتبات في صدر الإسلام ومستهل العصر الأموي – وصولاً إلى عهد هشام بن عبد الملك الذي أسلم ديوان الكتابة لعبد الحميد- والتي أوردها الطبري وابن المبرّد والجاحظ؟

خامساً: رغم تسليمنا بتميز بلاغة الاثنين؛ عبد الحميد وابن العميد، إلا أنّ مقارنة الأول ببعض أعلام عصره – مثل عمرو بن سعيد بن العاص- كفيلة بأن تنزع عنه هالة التفرّد، كما أنّ مقارنة الثاني ببعض أعلام عصره – مثل أبي حيان التوحيدي- كفيلة بأن تُقصيه من دائرة البيان العربي الأصيل .

اقرأ أيضاً: لماذا نتعلّق بالزمن الجميل؟!

سادساً: من البديهي أن ننبه لحقيقة أنّ كلاً من عبد الحميد وابن العميد قد تسنّما مناصب سياسية عُليا، جعلتهما مقصداً لكثير من المادحين والمتكسّبين، حتى تجاوزت صورتهما على أرض الواقع حدود المعقول والتحقت بعالم المبالغة والخيال، فإرث ابن العميد النثري مثلاً قليل جداً ومصطنع ولا يشتمل على مضامين ذات خطر، ومع ذلك فقد أهّله منصب الوزارة ليكون أحد ممدوحي المتنبي الذي دفع وما يزال يدفع ثمن هذا التهالك. وعلى أي حال فإنّ تاريخنا الأدبي الحديث والمعاصر لا يخلو من نماذج مشابهة، حيث جرى إعلاء وأسطرة بعض المثقفين الذين تسنّموا مناصب سياسية، رغم أنّ إخضاع إنتاجهم الأدبي للفحص النقدي الرصين، يؤكّد أنهم مثقفون عاديون.

سابعاً: الأنكى والأخطر من كل ما تقدّم، يتمثل في أنّ العبارة قد وضعت الكتابة العربية بين قوسين فارسيين ؛ فعبد الحميد يتحدّر من أصل فارسي وابن العميد يتحرر من أصل فارسي أيضاً، وقد اكتسبت العبارة بعداً جمالياً خاصاً من خلال السجع الذي يبدو عفوياً (عبد الحميد... ابن العميد)! فماذا نصنع برتل الكتّاب والناثرين العرب قبل وخلال عهد عبد الحميد؟ وماذا نصنع بأنظارهم قبل وبعد وخلال عهد ابن العميد؟ ماذا نصنع بالجاحظ والتوحيدي والمعرّي والقاضي الفاضل وابن الأثير؟ ألا تذكّرنا هذه العبارة بالسلطة المعرفية والسياسية التي أنشأها البرامكة لأنفسهم على حساب صورة هارون الرشيد؟!

هذا غيض من فيض العبارات التي تمور بها ثقافتنا العربية، والتي إذا ما روجعت واستنطقت مجدّداً في ضوء النقد الثقافي، ستتكشّف عن العديد من الأنساق الخطرة التي تثوي في عمق تكويننا الجمعي!


الصفحة الرئيسية