هل الكوارث الطبيعية عقاب إلهي؟

هل الكوارث الطبيعية عقاب إلهي؟

مشاهدة

26/11/2019

شغل هذا السؤال كثيرين من الفلاسفة والمفكرين ورجال الدين عبر العصور، وقد جاء على خلفية دينية؛ فالتراث الديني يصوّر الكوارث الطبيعية على أنّها عقاب إلهي للبشر، إذا عصوا الله تعالى أو خالفوا أوامره أو رفضوا الأنبياء والمرسلين إليهم، لكنّ الكوارث الطبيعية لا تصيب العصاة فقط؛ بل تصيب المؤمنين معهم، وهي لا تميز بينهم، وعندما تحدث تكون عامة شاملة للجميع، وهذا ما دعا كثيرون من الفلاسفة لمساءلته، وما كان يشغلهم هو أكبر بكثير من الفكرة نفسها؛ إذ كانوا يفكرون في العلاقة بين الفعل الإلهي ونظام العالم، وفي موقع العناية الإلهية والغضب الإلهي من قانون الطبيعة؛ فقد طرح الفلاسفة في مناقشتهم لهذه الفكرة أسئلة من نوع: "هل يتدخل الإله في مسار الطبيعة من أجل الإنسان، إما لمعاقبته أو لمكافأته أو إنقاذه؟ وما هي حقيقة قوة الإله؟ وما هي طبيعة الإرادة الإلهية؟".

ذهب بعض الفلاسفة إلى أنّ الكوارث الطبيعية ظواهر طبيعية وأسبابها طبيعية تماماً فهي لا تميز بين المؤمنين وغير المؤمنين

ويمثّل عصر التنوير الأوروبي أهم عصور الفكر التي تمّ فيها طرح هذا السؤال على نطاق واسع وعميق؛ إذ أثيرت حوله العديد من النقاشات، بين الفلاسفة ورجال الدين على مختلف انتماءاتهم المذهبية والطائفية، وكان التفسير الديني للكوارث الطبيعية باعتبارها عقاباً إلهياً ما يزال قوياً ومنتشراً في عصر التنوير، لكن حدثت في أواسط القرن الثامن عشر سلسلة من الزلازل في أمريكا الجنوبية ولشبونة: بيرو (1746)، شيلي (1751)، لشبونة (1755)، تصاعدت إثرها حدّة النقاش بين الفلاسفة ورجال الدين، وكان الأكثر أثراً هو زلزال لشبونة؛ إذ حدث يوم عيد كلّ القديسين، وكان يوم سبت، الساعة 9:40 صباحاً، عندما كان معظم السكان في الكنائس يحتفلون وينشدون التراتيل الدينية.
دمّر الزلزال المدينة بالكامل وخلَّف عشرات القتلى، وما زاد من عددهم اجتماعهم بكثافة عالية في الكنائس، وقد وصل عدد ضحايا هذا الزلزال وحده إلى حوالي 70 ألف قتيل، وأدّى إلى حدوث موجات عالية من البحر اقتحمت سواحل البرتغال وأسبانيا وفرنسا.

اقرأ أيضاً: عام دراسي ملبّد بهموم الغلاء والحروب والكوارث الطبيعية في معظم الدول العربية
كانت الأسئلة المطروحة آنذاك هي: إذا كان هذا الزلزال من فعل الله، فكيف يحدث يوم العيد، بينما كان المؤمنون مجتمعين في بيته يحتفلون ويرتلون الأناشيد الدينية ويرددون الأدعية؟ إذا كانت الكوارث الطبيعية عقاباً إلهياً، فكيف يعاقب الله المؤمنين به، خاصة وهم ضيوفه وفي بيته، يمجدونه ويسبحون بحمده وشكره؟ ولماذا يترك الله الكفار دون عقاب، أم إنّ الكوارث الطبيعية هي ظواهر طبيعية فقط؟
إنّ الزلازل هي بالفعل ظواهر طبيعية، فهي تحدث بفعل تحرك القشرة الأرضية وما تحتها من صفائح أرضية، نتيجة ابتعادها عن بعض أو اقترابها من بعض، بسبب ضغط من تفاعلات الكتلة الملتهبة أسفل القشرة الأرضية، أو تمدّد وانكماش هذه القشرة نفسها، أو تمدّد الكتلة النارية المنصهرة تحت الأرض وضغطها على القشرة الأرضية، مما يحدث هزات وكسوراً وانشقاقات.

اقرأ أيضاً: تدريب إماراتي سعودي لمجابهة الزلازل
نالت أطروحة العقاب الإلهي نصيباً من النقد، فقد ذهب بعض الفلاسفة، ومنهم الأسكتلندي توماس جوردون (1692 – 1750)، إلى أنّ الكوارث الطبيعية ظواهر طبيعية وأسبابها طبيعية تماماً، وهي لا يمكن أن تكون عقاباً إلهياً؛ لأنّها لا تميز بين المؤمنين وغير المؤمنين؛ كما أنّ النظر إليها على أنّها عقاب إلهي يتناقض مع رحمة الله الواسعة، فهو إله رحيم ولا يمكن أن يأتي على الذين خلقهم بمثل هذا العقاب.
ولمّا كانت زلازل أواسط القرن الثامن عشر قد حدثت في بلدان كاثوليكية، فقد انتهز رجال الدين البروتستانت الفرصة وقالوا إنّها عقاب إلهي للكاثوليك على وثنيتهم، ودليل على فساد عقيدتهم وكنيستهم التي بالغت في التبذير والإسراف والإنفاق على المظاهر، والتي حوّلت التبشير إلى وسيلة للتكسب والوجاهة، ودخل في النقاش جون ويزلي (John Wesley) (1703 – 1791)، مؤسّس الحركة الميثودية البروتستانتية (Methodist) في بريطانيا وأمريكا، وذهب إلى أنّ زلزال لشبونة كان عقاباً من الله للبرتغال على اضطهادها للبروتستانت وعلى استضافتها لمحاكم التفتيش البابوية، أما الزلازل الصغيرة التي حدثت في بلدان بروتستانتية منذ القرن التاسع عشر، ومنها الهزات الخفيفة التي تعرضت لها إنجلترا وآيرلندا عام 1750، فقد فسرها ويزلي على أنّها كانت تحذيراً من الله للناس كي يتوبوا ويرجعوا عن المعاصي، وأنّ زلزال لشبونة العنيف والمدمّر كان أيضاً علامة من الله على ما يمكن أن يحدث للبلدان البروتستانتية إذا ما تسيّبت أخلاقياً وعصت الله.

اقرأ أيضاً: نسبة الفقر المدقع تتضاعف في المنطقة العربية
أما رجال الدين الكاثوليك، خاصة في أمريكا الجنوبية، فقد نظروا إلى الزلازل على أنّها عقاب إلهي على فساد أخلاق الناس، وعدم اتباعهم تعاليم الدين (الكاثوليكي) ووصايا رجاله، وانتشار الانحلال الأخلاقي والتسيّب وفساد القيم؛ لذلك بالغوا في التبشير، وفي زيادة جرعة الإدانة تجاه الناس، ولومهم وإشعارهم بالمسؤولية وتربية عقدة الذنب لديهم.
أما فولتير (1694 – 1778)؛ فقد كان زلزال لشبونة هو الذي دفعه لإعادة النظر في مفهوم العناية الإلهية، وتبني المذهب الربوبي (Deism)، الذي يعني عنده خلق الله للعالم وتركه يعمل بقوانينه المستقلة، مسيّراً ذاته بذاته، وبذلك تحدث الكوارث الطبيعية بأسباب طبيعية، ذلك لأنّ فولتير ذهب إلى أنّنا إذا افترضنا أنّ الكوارث الطبيعية من فعل الله، فسوف تواجهنا مشكلة الشرّ؛ فالدمار وعدد الضحايا الناتج عن الكوارث الطبيعية هو الشرّ الخالص، الذي يودي بحياة الملايين دون ذنب منهم يوازي ما حدث لهم، كما أنّها تدمر البيئة تماماً، وتفسد كلّ ما أقامه الإنسان فيها، من مدن وزراعة وحضارة، حيث يذهب الجهد البشري في بنائها للعدم، وهذا هو ما يسميه فولتير الشرّ الخالص، ولتجنّب إشكالية إلحاق الشرّ الخالص بالله، آثر فولتير أن يفصل الكوارث الطبيعية عن إرادة الله ويلحقها بالطبيعة وحدها.
وهذا هو ما انتهى إليه روسو (1712 – 1778)، الذي قام بصياغة مذهب في الربوبية يتفق في خطوطه العامة مع المذاهب الربوبية التي انتشرت في عصر التنوير، من الربوبية الإنجليزية؛ ابتداءً من جون تولاند (1670 – 1722)، وعبر ربوبية ديدرو (1713 – 1784)، قبل أن يتحول إلى المادية اللادينية، وحتى كانط (1724 – 1804) وهيردر (1744 – 1803).

انتهز رجال الدين البروتستانت فرصة حدوث الزلازل في بلدان كاثوليكية ليثبتوا أنّها عقاب إلهي لهم على وثنيتهم وفساد عقيدتهم

لقد كان عصر التنوير هو عصر المذهب الربوبي الذي حمل تصوراً فلسفياً وعقلياً عن الله، في مقابل التصورات اللاهوتية التقليدية، التي اتّضح عدم جدواها في تفسير كوارث طبيعية مثل زلزال لشبونة.
لم يرضَ المذهب الربوبي إلا بتصور الطبيعة باعتبارها مستقلة بذاتها ومسيرة ذاتها بذاتها، وفق القوانين التي وضعها الله فيها، فالله وفق المذهب الربوبي لا يخلق إلا عالماً كاملاً، والعالم الكامل هو المستقل تماماً بذاته، والذي يتحرك وفق قوانينه الخاصة، أما إذا تصورنا العالم على أنّه في حاجة إلى تدخّل إلهي مستمر، فهذا يعني أنّه عالم ناقص، والإله الكامل لا يخلق عالماً ناقصاً، ووفق المذهب الربوبي؛ فإنّ نظام الطبيعة هو إرادة الله ذاتها، ولا يمكن لله أن يخرج عن إرادته، وقد حمل المذهب الربوبي تصوراً عقلانياً عن قوة الله، بعكس الرؤية اللاهوتية التقليدية، نظرت هذه الرؤية التقليدية لقوة الله على أنّها عجائبية، غريبة عن الطبيعة ومفارقة ومخالفة لها، قوة فوق – طبيعية، وبالتالي لا تظهر هذه القوة إلا على أنّها معطلة لعمل الطبيعة أو موقفة لقانونها، أو فاعلة لشيء يعاكسها ويكون على النقيض منها.

نقد فلاسفة التنوير هذه الرؤية التقليدية باعتبارها غير علمية وغير عقلانية، ولا تصلح لبشرية تريد التعامل مع الطبيعة بالعلم من أجل بناء حضارة، هذا إضافة إلى أنّ أصحاب المذهب الربوبي قد شعروا بالدلالات السياسية الرجعية للرؤية اللاهوتية؛ وبذلك تضافرت البواعث الفلسفية والسياسية لدى فلاسفة التنوير في رفض المفهوم اللاهوتي التقليدي عن الله، وكان فكرهم ثورياً في جوانبه الفلسفية والسياسية معاً.


الصفحة الرئيسية