هل الفكر الديني حاضن للإرهاب؟

هل الفكر الديني حاضن للإرهاب؟

مشاهدة

29/07/2018

ناقش نخبة من المفكرين العرب، في "منتدى أصيلة" بالمغرب، مسألة: "الفكر الديني الحاضن للإرهاب: المرجعية وسبل مواجهته". وقد اختلف المنتدون حول ربط الإرهاب بالدين عموماً والإسلام خصوصاً.

وكان لافتاً موقف المفكر اللبناني رضوان السيد، الذي يوصف بالمفكر الإسلامي، وأميل إلى وصفه بالمفكر الإنساني. فقد رأى أنّ ذوي الضحايا يحق لهم وصف الإسلام بالإرهاب، على الرغم من أنّ هذا التعميم خاطئ؛ "لأنْ لا أحد يستطيع أن ينكر أنّ هؤلاء الشباب (الإرهابيين) جميعاً مسلمون أو يتحدرون من عائلات مسلمة".

السيد: إدخال الدين في بطن الدولة عن طريق إشراكه في الصراع على السلطة مُضرٌّ بالدين وبالدولة معاً

وقد وضع السيد يده على أساس المشكلة في قوله: "إنّ إدخال الدين في بطن الدولة عن طريق إشراكه في الصراع على السلطة مُضرٌّ بالدين وبالدولة معاً، كما أثبتت التجارب؛ .. فحتى لو كان الإسلام يمتلك اهتمامات سياسية ذات طابع تعبُّدي، كما يزعم الإسلاميون بدون حق؛ فإنّ المصلحة تقتضي الآن إبعاد الدين عن السعي لإقامة الأنظمة السلطوية". وعلى هذا الأساس، يسند السيد مهمة مواجهة التطرف والإرهاب إلى المؤسسات الدينية، التي، "إذا تحررت من همّ السلطة السياسية، كما تحررت منه الكاثوليكية؛ فسيكون من وراء ذلك خيرٌ كبيرٌ على الدين وعلى الدولة الوطنية أيضاً".

اقرأ أيضاً: أثر الفلسفة في تجديد الفكر الديني

يبدو أنّ المنتدين في أصيلة (وقد استمعت إلى بعض مداخلاتهم على اليوتوب) انطلقوا مما بعد البداية؛ البداية، كما أدعي، هي تعريف الفكر الديني، ثم تعريف الفكر الإسلامي، والنظر إلى الإسلام من خلال الظاهرة الدينية ببعديها؛ التاريخي والكوني، لا بصفته الدين بألف ولام التعريف. فهل كل ما يكتبه "علماء المسلمين" والمتخصصون في الدراسات الإسلامية يندرج حقاً في الفكر الديني، أم يندرج في فروع المعرفة الدينية؛ كالفقه والتفسير والحديث والأصول وغيرها، مما يغلب عليه "الشرح" والتعليل، والشلف والتأويل؟ هل ما قرأناه لـ / وسمعناه من محمد سعيد رمضان البوطي ويوسف القرضاوي ومتولي الشعراوي، أو ممن يكفِّرون من يقول بكروية الأرض ودورانها حول ذاتها وحول الشمس، وقبلهم سيد قطب والمودودي وأمثالهما، هو فكر ديني؟ ولعلّ السؤال الأهم: هل نقد الدين هو من قبيل الفكر الديني، ما دام موضوعه هو الدين، في الدنيا وفي التاريخ؟

الفكر الديني هو الفكر الذي يتخذ من الدين موضوعاً له ويناقشه وفقاً لمناهج الفكر لا لمناهج الدين

الفكر الديني، في اعتقادنا، هو الفكر الذي يتخذ من الدين موضوعاً له، ويناقشه وفقاً لمناهج الفكر، لا وفقاً لمناهج الدين. فهو ذلك النوع من التفكير العقلاني، المنطقي، الذي يمارسه مفكر أو كاتب يستطيع أن ينسى أنه مسلم أو مسيحي أو غير ذلك، في أثناء عملية التفكير والتحليل والتركيب والنقد؛ أي ذلك الفكر الذي يتجه إلى مخاطَب غير محدَّد، ويقتنع بمضمونه أي شخص يتوفر على فاهمة سليمة وذوق سليم. (ليس لدينا تعريف لما هي الفاهمة السليمة وما هو الذوق السليم، سوى عدم الانحياز، ناهيكم بعدم التعصب، واعتبار أي دين خاص مظهراً من مظاهر الدين العام، الكوني والتاريخي، وشكلاً من أشكاله، محكوماً بشروط نشأته).

والفكر الديني، إلى ذلك، هو الفكر الذي يناقش مبادئ الدين الإنساني، العام، ومقولاته ومصادراته، ومبادئ أي دين خاص، كالإسلام أو المسيحية أو غيرهما، ومقولاته ومصادراته، فيجعل من مقولات أي دين مسائل وقضايا لنقاش عام، كمسائل الخلق والمعاد والعدل والحرية؛ إذ ليس في هذه المسائل، وليس في أي منها قول واحد، وقول أخير، ونقاشها لا يستند إلى أي مرجعية لاهوتية أو نص مقدس أو مأثور مدعم بقوة التقليد وراسخ بالتكرار. هذا كله، وأكثر منه، لا يتعارض مع كون المفكر مؤمناً، مسلماً أو مسيحياً أو غير ذلك.

اقرأ أيضاً: هل يستطيع الأزهر تجديد الخطاب الديني؟

أما على صعيد الفكر الإسلامي، فقد درج الكتاب والباحثون على التفريق بين "الدين السراطي والدين التاريخي"، بتعبير المفكر الراحل صادق جلال العظم، أو عن إسلام مكة وإسلام المدينة، و"إسلام دمشق"، حسب إضافة عبد الله العروي، لكي ينفوا عن الإسلام شبهة اقترانه بالاستبداد. نحن نقترح تفريقاً آخر، على أساس الوظيفة التي يضطلع بها الدين، في حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات والدول، فنفرق بين وظيفة الدين الأخلاقية وبين وظيفته السياسية؛ إذ الأولى تعيِّن مضمون العلاقات الاجتماعية والإنسانية المتبادلة بين الأفراد والجماعات، في مختلف شؤون الحياة، في حين تعين الثانية قواعد إنتاج السلطة، حسب العلاقة الجدلية بين المعرفة والسلطة. وعلى هذا الأساس يبدو لنا خلط هاتين الوظيفتين، أو هذين المستويين حال بالفعل دون نشوء جدل أو تعارض جدلي بين الأخلاق والسياسة، فغدت السلطة هي من تحدد مبادئ الحق والأخلاق، لا المجتمع، فاقترن الدين بالاستبداد.

فصل الدين عن السياسة يجعل السياسة أخلاقية بقدر ما تنبع من المجتمع، على اختلاف أفراده وفئاته واختلاف معتقداتهم

لذلك نرى أنّ فصل الدين عن السياسة، وهو فصل من أجل وصل، يجعل السياسة أخلاقية، بقدر ما تنبع من المجتمع، على اختلاف أفراده وفئاته واختلاف معتقداتهم، وتجعل الدين سياسياً، بالمعنى ذاته. نتحدث هنا عن الوحدة الجدلية (التناقضية) بين الدين والسياسة، على اعتبار الأخلاق هي أصل الدين ومصدره، وينبغي أن تكون أصل السياسة ومصدرها الوحيد. ومن ثم يمكن القول إنّ خلط الدين والسياسة وإلغاء الفروق بينهما وجعلهما شيئاً واحداً ومجالاً واحداً، كما عبر عن ذلك حسن البنا بقوله: "الإسلام دين ودنيا ودولة .. مصحف وسيف"، هو عامل رئيس من عوامل التسلط والاستبداد، فمن البديهي، وهذه الحال أن يكون الدين حاضناً للإرهاب، وأن يكون ما يسمى "الفكر الديني"، عندنا حاضناً للإرهاب ومحرضاً عليه. فإنّ أول إرهاب في التاريخ هو إرهاب السلطة.


الصفحة الرئيسية