هل اختفى التهديد الداعشي؟

هل اختفى التهديد الداعشي؟

مشاهدة

22/06/2020

ترجمة: محمد الدخاخني

منذ إطلاق سراحه من السجن، قبل عامين، برهن الجهادي السابق، المعروف باسم "أبو عائشة"، بشكل رائع، التغيّر الحاصل في حياته.

مسؤول غربي كبير في مكافحة الإرهاب: يمكن للجماعات الإسلاموية الآن أن ترى إمكانية تحقيق طموحاتها في جدول زمني أقصر بكثير

يقول البلجيكي، البالغ من العمر 27 عاماً، والذي سافر إلى سوريا عام 2013، إنّه يرفض داعش ويفضل الدراسة على القتال، موجهاً نصيحة للشباب المسلم الذي لديه فضول نحو الجماعة: "ابقوا بعيداً".

"لقد رأيت بأمّ عيني ما فعلته داعش"، يقول المواطن البروكسلي، متحدثاً عن الفترة التي استخدم فيها اسمه المستعار، أبو عائشة، وعاش في واحد من جيوب داعش في شمال سوريا.

 تحدث إلينا بشرط عدم الإفصاح عن اسمه الحقيقي، مخافة قيام أنصار داعش بالانتقام منه، ويقول إنّ معظم العائدين من سوريا الذين التقى بهم في بلجيكا "لا يريدون أن يكونوا على أيّة صلة بداعش".

تعدّ كلماته، التي يردّدها عائدون آخرون في أوروبا، مدعاة تفاؤل حذر عبر قارة شهدت سفر الآلاف منها إلى الشرق الأوسط للانضمام إلى الجماعة.

ومؤخراً، قبل عامين، كان المسؤولون الأوروبيون يستعدون لموجات جديدة من الهجمات الإرهابية؛ حيث ترك الشباب والشابات الخلافة التي أعلنتها الجماعة للعودة إلى ديارهم، وغالباً ما انتهى بهم المطاف في سجون مزدحمة بإسلامويين آخرين.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني استمرار استهداف "داعش" للأردن؟

والآن، بدأت بعض الدراسات العلمية تؤكّد ما لاحظه بعض المسؤولين المكلفين بإنفاذ القانون بشكل خاص: رغم المخاوف الأولية، يبدو أنّ الغالبية العظمى من العائدين تتجنب الأفكار المتطرفة حتى الآن، ويرفض كثيرون منهم، صراحة، داعش وأساليبها العنيفة.

التحرر من الوهم

"هناك عدد من العلامات التي تشير إلى التحرر من الوهم بين المقاتلين العائدين والمعتدين المفرج عنهم"، يقول توماس رينارد، وهو باحث بلجيكي في شؤون الإرهاب، ومؤلف دراسة قيد النشر عن الردكلة في السجون: "لا يبدو أنّهم يعيدون الاتصال بشبكاتهم السابقة، أو يعودون إلى الأنشطة المتطرفة العنيفة، وما نراه من تقارير الأجهزة الأمنية يؤكد ذلك".

هذا الاتجاه، في حال استمراره، يعدّ خبراً ساراً حقاً لمنطقة شهدت سلسلة من التفجيرات وإطلاق النار على يد أنصار داعش، ابتداء من عام 2015.

اقرأ أيضاً: العراق يطلق عملية واسعة لملاحقة "داعش" في كركوك

 ومن جانبهم، يقول المسؤولون: "داعش لم يشنّ هجمات على الأراضي الأوروبية منذ عام 2017، وعدد الحوادث الإجمالية المرتبطة بالجماعات الإسلاموية، بما في ذلك هجمات "الذئاب المنفردة"، قد انخفض بشكل حاد".

ومع ذلك، رغم الهدوء النسبي؛ فإنّ المسؤولين الأوروبيين قلقون من أنّ المكاسب قد تكون هشّة؛ ففي أجزاء أخرى من العالم، يبدو أنّ الزخم يتحوّل لصالح الإسلامويين.

تكتسب داعش قوة في العراق وسوريا، إذا قدرنا الأمر بعدد ونطاق الهجمات الإرهابية التي وقعت في الأشهر الأخيرة في المعاقل السابقة للجماعة، وفي كافة أنحاء أفريقيا، نجد الميليشيات المتطرفة في صعود؛ حيث تتنافس جماعات متحالفة مع كلّ من القاعدة وداعش للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الريفية، من القرن الأفريقي إلى الساحل.

ويقول مسؤولون وخبراء في الإرهاب إنّ خلافة مستعادة، أو ظهور زعيم جديد كاريزمائي، يمكن أن تلهم أتباعاً عالميين مرة أخرى، مثلما فعل داعش، بما في ذلك بعض الذين نبذوا العنف من قبل.

التحدي المتمثل في التعامل مع الدواعش العائدين يلوح في بلجيكا أكبر مما هو عليه الحال في معظم البلدان الأوروبية

كما يقول المسؤولون إنّ ركوداً اقتصادياً مطولاً ناجماً عن جائحة كورونا سوف يسهّل على الجماعات العنيفة اكتساب المجندين.

"لسنا سذّجاً"، يقول أحد مسؤولي مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، الذي تراقب حكومته مئات المواطنين الذين انضموا إلى الخلافة، وعادوا الآن إلى وطنهم.

المسؤول، الذي تحدث بشرط عدم الإفصاح عن هويته لمناقشة تقييمات الأمن الداخلي، يقول إنّ العديد من المقاتلين العائدين في بلاده، شأنهم شأن المقاتلين في أوروبا، يدّعون أنّهم "يرفضون الآن أن يكونوا جزءاً من داعش، وقد فهموا أنّهم ارتكبوا غلطة".

لكنّ البعض، كما يقول المسؤول، "قد ينضم غداً إلى جماعة جديدة أو ينجذب إلى داعش جديدة"، "لا يمكنك أن تكون متأكداً بنسبة مئة في المئة".

الانفصال عن التطرف

إنّ التحدي المتمثل في التعامل مع الدواعش العائدين يلوح في بلجيكا أكبر مما هو عليه الحال في معظم البلدان الأوروبية؛ فالدولة الصغيرة متعددة اللغات، التي يبلغ تعداد سكانها 11.5 مليون نسمة، تمتلك أعلى معدل هجرة للفرد الواحد إلى العراق وسوريا مقابل كافة أنحاء أوروبا؛ حيث انضم حوالي 500 من مواطنيها إلى الجماعات الإسلاموية المتشددة في المنطقة بين عامَي 2013 و2016.

وفي 22 آذار (مارس) 2016؛ فجّرت خلية إرهابية موالية لداعش 3 قنابل في محطة مترو أنفاق في بروكسل وفي مطار المدينة الدولي، ما أسفر عن مقتل 32 شخصاً، وتوعية القادة بدرجة التهديد الإرهابي الذي يواجه البلاد.

ومن جانبه، مرّر البرلمان بسرعة قوانين جديدة صارمة أدّت إلى سجن عشرات الرجال والنساء البلجيكيين العائدين من الشرق الأوسط، بغضّ النظر عمّا إذا كانوا قد عملوا مقاتلين أم لا، كذلك، وضِع العائدون، الذين يعدّون خطرين بشكل خاص في وحدات خاصة للمتطرفين، تسمى "سل إكس"، في أكبر سجون بلجيكا.

وقد خشي خبراء الإرهاب من قيام المتطرفين الإسلامويين العائدين بردكلة سجناء آخرين، ما قد يؤدي إلى اندلاع موجات جديدة من العنف، لكنّ التهديد لم يتحقق حتى الآن، وعوضاً عن ذلك؛ أظهرت جهود بلجيكا في إعادة التأهيل بوادر نجاح مبكرة.

اقرأ أيضاً: مهندس الموت في داعش.. من هو معتز الجبوري الذي قُتل في غارة أمريكية؟

ووفق دراسة قيد النشر، للمركز الدولي لدراسة الردكلة والعنف السياسي في كنغز كولدج في لندن؛ فقد ظلّ السجناء الذين أنهوا بالفعل الأحكام الصادرة بحقهم سلميين إلى حدّ كبير، وانخفض عدد السجناء في وحدات "سل إكس" بشكل ثابت.

ووفق التقرير؛ فإنّه من بين 368 سجيناً أطلق سراحهم بعد أن أمضوا فترة سجن في وحدات "سل إكس"، بين عام 2012 وأوائل هذا العام، لم يشارك أيّ منهم بشكل مباشر في هجوم أو مؤامرة إرهابية، ووجد المسؤولون البلجيكيون، مستشهدين بمقابلات مكثفة مع معتقلين سابقين؛ أنّ "84 في المئة من الرجال العائدين من الشرق الأوسط، و95 في المئة من النساء أظهروا "علامات انفصال" عن الأيديولوجيا المتطرفة منذ عودتهم، ومن بين أولئك الذين ما يزالون في السجن، قام حوالي نصفهم بعملية انتقالية مماثلة".

الردكلة في السجون

"هناك بعض الدلائل التي تشير إلى أنّ الردكلة في السجون ربما تتباطأ، أو تصبح أكثر كموناً على الأقل"، يقول التقرير الذي قُدّمت نسخة مسبقة منه لـ "واشنطن بوست": "في فترة ما بعد الخلافة، أصبحت السردية الجهادية أقل جاذبية إلى حدّ ما للسجناء الذين يسهل التأثير عليهم، كما أنّ المجندين في السجون أصبحوا أقلّ ديناميكية".

وحثّت الدراسة على الحذر، مشيرة إلى أنّ تفكيك الردكلة عبارة عن "عملية طويلة وضبابية ومن الصعب للغاية قياسها"، وقد نفّذ المسؤولون البلجيكيون برنامجاً قوياً للتواصل مع السجناء السابقين، يتضمن تفاعلاً مكثفاً مع الشرطة والمستشارين والأخصائيين الاجتماعيين للمساعدة في ضمان إعادة الاندماج الناجح في المجتمع البلجيكي.

وأشار رينارد، مؤلف التقرير، إلى أنّ أقلية صغيرة من السجناء السابقين في "سل إكس" يبدو أنّها تحتفظ بآراء متطرفة، وسوف تستمر في الخضوع لمراقبة الشرطة بشكل دقيق، وقال إنّ المخاوف بشأن قيام مجموعات كبيرة من الشباب المردكل بشنّ عمليات جهادية في بلجيكا قد تراجعت.

اقرأ أيضاً: هل يختلف "داعش" عن "الإخوان المسلمين" فكريّاً؟!

"بطريقة ما، عدنا إلى شيء أكثر قابلية للإدارة: عدد أقل من الحالات التي يمكن التعامل معها وإدارتها"، أضاف رينارد: "لكن هذا لا يعني أنّ التهديد الإرهابي في طريقه نحو الزوال، الصحيح أنّ معظم من يخرجون من السجن لن يشكلوا تهديداً، لكنّ بعضهم سوف يفعل ذلك".

إنّ نجاحات بلجيكا، حتى الآن، ناتجة جزئياً عن فشل داعش، وكان إعلان الجماعة، عام 2014، عن خلافة إسلامية جديدة في الشرق الأوسط، هو الحدث الذي جذب في البداية الآلاف من المسلمين الأوروبيين والأمريكيين الشماليين إلى العراق وسوريا.

لكن ابتداء من عام 2015؛ خسرت الجماعة المتطرفة معركة بعد أخرى مع التحالف العسكري بقيادة الولايات المتحدة، وبلغت ذروة الأمر في تدمير آخر معاقل داعش في سوريا في أوائل عام 2019، ومع تلاشي فكرة وجود خلافة بالمعنى المادي، انحسر الحماس للمشروع أيضاً بين بعض المؤيدين الأوائل.

وقد تحرّر أنصار سابقون آخرون لداعش من الوهم جراء الأساليب الوحشية التي انتهجتها الجماعة الإرهابية، والتي تضمنت عمليات إعدام مسجلة بالفيديو، إضافة إلى الاستعباد والاغتصاب المنهجي للأسيرات.

ماذا يقول أبو عائشة؟

يقول أبو عائشة، المواطن البلجيكي الذي سافر إلى سوريا، إنّه كان مستعداً للعودة إلى الوطن بعد ثلاثة أشهر فقط من العيش في منطقة يسيطر عليها داعش بالقرب من حلب، وبعد أن أخبر قائده المحلي بأنّه ذاهب إلى تركيا لزيارة زوجته، رحل عن سوريا، ولم يعد إليها قط.

وقد قادته مسيرته القصيرة بوصفه جهادياً في نهاية المطاف إلى الإدانة وقضاء مدة في السجن؛ حيث التقى سجناء آخرين حولتهم تجاربهم لمعاداة داعش.

"لقد كره الناس كيف قتل تنظيم داعش كلّ من لم يتفق معه، وكيف دخل أتباعه المساجد وذبحوا الناس بداخلها"، يقول أبو عائشة.

ومع ذلك، يعتقد الرجل أيضاً أنّ بعض زملائه السابقين، على الأقل، يمكن أن تغريهم مرة أخرى القضايا المتطرفة، يقول: "أعتقد أنّ ظهور شيء جديد قد يؤثر في كثيرين ممن هم في السجن"، ويضيف: "إنّهم ينتظرون جماعة جديدة أو شخصية بطولية".

ويقول مسؤولو مكافحة الإرهاب إنّ احتمال ظهور مثل هذه الجماعة قد ازداد خلال الأشهر الأخيرة؛ فرغم خسارة الخلافة، إلا أنّ داعش لم يهزم؛ بل ما يزال نشطاً في العراق وسوريا وعبر شبكة من الفروع الإقليمية، تمتدّ من شمال إفريقيا إلى جنوب شرق آسيا.

الهجمات الإرهابية المرتبطة بداعش

وأظهر تحليل جديد للهجمات الإرهابية المرتبطة بداعش ارتفاعاً مطرداً في عدد الحوادث في كلّ من العراق وسوريا، بعد تراجع العنف العام الماضي؛ لقد نفّذت الجماعة 566 هجوماً داخل العراق وحده خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2020، مقارنة بـ 292 هجوماً خلال الفترة نفسها من العام الماضي، ويقول مايكل نايتس، وهو كبير الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، والمؤلف المشارك للدراسة التي نشرها مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأمريكية؛ إنّ "إيقاع العنف الأخير مشابه لما شهده المسؤولون عام 2012، عندما كان التنظيم يكتسب زخماً قبل انطلاقه العسكري عبر شرق سوريا وشمال وغرب العراق".

اقرأ أيضاً: جمع مليوني مكالمة.. إدانة "داعش" بجرائم حرب في العراق تقترب

لا يعدّ تعافي الجماعة أمراً مفاجئاً تماماً، وكما قال نايتس في عرض نتائجه، في أواخر شهر أيار (مايو)؛ فإنّ "قادة داعش قد وضعوا الأساس لحملة إرهابية قبل سقوط الخلافة بفترة طويلة، من خلال تفريق المقاتلين والتخزين المسبق للأسلحة والمتفجرات والإمدادات".

"هناك مئات، أو ربما آلاف، المخابئ في كهوف منتشرة في أنحاء العراق"، يقول نايتس، مضيفاً: "وكلّ منها بمثابة تمرّد داخل صندوق".

وفي حين أنّ الجماعة ليست قوية بما يكفي للاستحواذ والسيطرة على بعض الأراضي، كما كان الحال في عام 2014، فإنّها تستفيد بشكل واضح من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في كلّ من العراق وسوريا، كما يقول خبراء الإرهاب، وتسود ظروف مماثلة أجزاء من غرب إفريقيا؛ حيث بدأت تنظيمات تابعة لداعش والقاعدة في ممارسة سيطرة فعلية على قرى ريفية في المناطق التي كانت فيها الإدارة المحلية ضعيفة تقليدياً.

ويقول مسؤول غربي كبير في مكافحة الإرهاب، تحدّث بشرط عدم الكشف عن هويته، لمناقشة تقييمات أمنية حساسة؛ إنّه مع انشغال معظم العالم بالعدوى العالمية والاضطراب الاقتصادي، يمكن للجماعات الإسلاموية أن ترى إمكانية تحقيق طموحاتها في جدول زمني أقصر بكثير.

"تركّز قوات الأمن في الخارج على "كوفيد-19""، يقول المسؤول، ويضيف: "هذا قد يخفف الضغط على هذه الجماعات ويتيح لها مساحة لإعادة تأسيس نفسها، ونحن نولي هذا الأمر عناية كبيرة".

سعاد مخنت وجوبي واريك، "واشنطن بوست"

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://cutt.us/ktrUZ


الصفحة الرئيسية