هل أغلق العراق الباب أمام "داعش-2"؟

6844
عدد القراءات

2018-06-07

لا يشغل بال المحللين والخبراء الإستراتيجيين الغربيين اليوم سؤالٌ مثلما يشغلهم: كيف يمكن قطع الطريق على قيام نسخةٍ جديدةٍ من داعش انطلاقاً من العراق؟

هذا السؤال الجوهري كان قد عاينه الكاتب والمحلل الإستراتيجي الأمريكي دافيد إغناشيوس، وهو يفحص ما بدا "لغزاً" في أحيان و"نظرية مؤامرة"، في أحيان أخرى، إنّه السؤال القديم- المتجدد: كيف أصبح تنظيم "الدولة الإسلامية" أو "داعش" في نسخته الأولى، قوة فاعلة في الشرق الأوسط؟

الباحث تناول في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015 "الجذور العراقية لداعش" عبر المؤشرات والحقائق التالية:

الكاتب والمحلل الإستراتيجي الأمريكي دافيد إغناشيوس

أولاً: العامل الديني ليس هو الأمر الحاسم في قيام التنظيم الإرهابي، فكثير من قادة نظام العراقي السابق والبعثيين السابقين الذين خدموا في وحدات الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الأكثر سريةً ووحشيةً وتحالفوا مع "داعش،" لا علاقة لهم بالدين.

ثانياً: حين اقتنع الأمريكيون بغزو العراق، بدأ أبو مصعب الزرقاوي، بناءَ قاعدة هناك في عام 2002. وأثبت بعد عام أنّه على استعداد للتحالف مع فلول استخبارات صدام.

ثالثاً: إهمال العامل السني: ينقل إغناثيوس عن أحد المسؤولين البارزين في مجلس الأمن القومي الأمريكي قوله إنّ "الأكراد والشيعة (80 بالمئة من السكان) هم بناء الدولة الجديدة بغض النظر عن معارضة 20 في المئة من السكان الذين كانوا من السنة". وهذا الرأي المتهور كان قد أخذ صورة السياسة الأمريكية الحقيقية في العراق.

رابعاً: الضربات الجوية الأمريكية قتلت الزرقاوي في حزيران (يونيو) 2006، ولكن مع ذلك مضى أتباعه لإعلان "دولة العراق الإسلامية"، في تشرين الأول (أكتوبر) 2006.

بدأ الزرقاوي بناءَ قاعدة في العراق عام 2002 وأثبت بعد عام أنّه على استعداد للتحالف مع فلول صدام

خامساً: لم يشعر المسؤولون الأمريكيون بالنار التي كانت تستعر تحت الدولة العراقية، ويقودها رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو شيعي، ثبّت أركان الفساد والطائفية.

سادساً: في ما يمكن وصفها عملاً من أعمال الحماقة، بدت الولايات المتحدة تنسق (مع إيران كشريك صامت) في عملية المساومات التي أبقت المالكي في السلطة. نائب الرئيس جو بايدن، كان مسؤولاً عن المساومة، التي أشعلت الجمرة ومكّنت لاحقاً من اعلان "الدولة الإسلامية".

في السنوات التي تلت إعادة المالكي إلى السلطة 2010-2014، كان تنظيم "الدولة الإسلامية" ينشط في حملة شرسة لاغتيال زعماء العشائر السنية وبقايا "حركة الصحوة" في محافظة الأنبار العراقية. بين عامي 2009 و 2013، قتل التنظيم 1345 رجلاً من أفراد الصحوة. لم ينتبه أي شخص في واشنطن إلى "رنين السيوف" ذلك، فيما كانت حكومة المالكي سعيدة برؤية مقتل مسلحين من السنة.

سابعاً: حملة الاغتيالات تلك أضعفت المقاومة السنية للإرهاب، مما ساعد "داعش" في الاستيلاء على الموصل في عام 2014.

ثامناً: اعترف مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية جيمس كلابر في أيلول (سبتمبر) 2014: "لقد قللنا من شأن "الدولة الإسلامية" وبالغنا في تقدير القدرة القتالية للجيش العراقي".

نوري المالكي ثبّت أركان الفساد والطائفية

وما الجديد اليوم؟

يرى محللون أمريكيون وغربيون إنّ تنظيم "الدولة الإسلامية" ربما قد يكون فقد معظم مناطق الخلافة التي أعلنها بنفسه، لكن مجموعةً جهاديةً جديدةً تحاول النهوض من رماد داعش في شمال العراق.

وينقل الكاتب المتخصص بالشؤون الأمنية جيف شوغول، الذي يغطي نشاط البنتاغون والجيش الأمريكي لمدة 12 عاماً في العراق وهايتي، عن الكولونيل ريان ديلون، المتحدث باسم الجيش الأمريكي، إنّ المجموعة، التي يترجم اسمها من العربية باسم "الرايات البيض" هي فرع تابع لداعش ينشط في ريف كركوك وطوز خورماتو (شمال البلاد).

اقرأ أيضاً: "داعش" يصدّر الفزع لمونديال موسكو ثأراً من الدب الروسي

ونجحت "الرايات البيض" في البقاء على قيد الحياة بعد العديد من عمليات التطهير في محافظة ديالى، شمال شرق بغداد، كما تقول جنيفر كافاريلا، من معهد "تي واي" للدراسات الحربية في واشنطن العاصمة.

حالياً، تبدو المجموعة صغيرة نسبياً مع ما بين 150 و 700 مقاتل أو نحو ذلك، بحسب كافاريلا التي قالت إنّ الأعضاء هم من "الجهاديين الذين غادروا الحويجة، ومن المحتمل أن يكونوا من أعضاء حاليين أو سابقين في تنظيم داعش والقاعدة".

وتمثل "الرايات البيض" تمرد ما بعد داعش، وبالتالي تعكس أنّ "الدولة العراقية ستستمر في مواجهة التهديد الأمني ​​من داخل سكانها السُنة حتى وإن لم تعالج فعلياً المصادر الأساسية للمظالم التي أدت إلى بدء داعش"، توضح كافاريلا مؤكدة "يعكس ذلك أنه لا يمكن لداعش فقط أن تعيش بل إنّ استبعاد السكان السُنّة من الحكومة العراقية يمكن أن يولّد المزيد من تمردات داعش".

بينما يستيقظ العراق من آخر كابوس لداعش  فإنّه يتعين على بقية العالم مساعدته على التعافي وإعادة البناء

إلى ذلك يرى الباحث ثانسيس كامبانيس، وهو صحافيٌ متخصصٌ في الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأمريكية "ما لم يتعافَ العراق نفسه -الأمر الذي سيتطلب التزاماً كبيراً ومستمراً من الولايات المتحدة وحلفائها- فسنظل جميعاً نعاني من الحصاد المرير لحل مؤسسات دولة عربية حاسمة".

وحول المسؤولية الأمريكية في غزو العراق واندلاع العنف وصولاً إلى داعش، يقول الباحث في معهد "سنتشوري" في نيويورك إنّ "صعود الدولة الإسلامية (وحتى الآن) يذكّرنا بحقيقةٍ مزعجة: "هذه المشكلة هي من صنع أمريكا إلى حد كبير، وتبقى مصلحة أمريكية بغض النظر عن مدى رغبة أمريكا الصادقة في طي الصفحة. لدينا مصلحة في النجاح العراقي، وليس فقط لأسباب أخلاقية".

وبينما يستيقظ العراق من آخر كابوس لداعش، فإنّه "يتعين على بقية العالم مساعدة البلاد على التعافي وإعادة البناء. لا تستطيع أمريكا تحديد نتائج العراق، لكنها لا تزال تتمتع بنفوذ كبير. يجب أن يستمر هذا التوازن بهدفين أساسيين للسنة المقبلة: الحفاظ على الأمن المادي وتعزيزه في المناطق المحررة من داعش، والمساهمة في تشكيل حكومة وطنية مستقرة بعد انتخابات 12 أيار (مايو) 2018".

اقرأ أيضاً: ما بعد داعش.. كيف نقرأ هذا الوحش؟

لقد سقط العرب السنة من سلطتهم المهيمنة في نظام صدام حسين في عام 2003. الآن فقط، مع فوضى مجتمعاتهم بعد فترة حكم داعش الدموية لهم حد الإذلال، يبدو مهماً وجود عدد كبير من السنة المستعدين لجعل الحكم مشتركاً مع الشيعة والعراقيين العلمانيين على أساس نظام وطني يهيمن عليه الشيعة -وهو نظام له فرصةٌ فعالةٌ لتمريره كقاعدة عراقية، وليس حكماً طائفياً ضيقاً.

اقرأ المزيد...

الوسوم: