هكذا يقوض أردوغان المؤسسات الديمقراطية في تركيا

هكذا يقوض أردوغان المؤسسات الديمقراطية في تركيا

مشاهدة

09/08/2020

تسيطر على الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، رغبة محمومة إلى فرض هيمنة ونفوذ سلطوي على شكل الحكم في تركيا، كما يحاول عبر تشريعاته الجديدة القطيعة مع نموذج الحكم الذي دشنه مؤسس تركيا الحديثة، مصطفى كمال أتاتورك، قبل أكثر من تسعة عقود، وذلك عبر الارتداد إلى النظام الرئاسي، الذي تمّ التصويت عليه، منتصف العام 2017، بينما دخل حيّز التنفيذ، في حزيران (يونيو) العام 2018، الأمر الذي ترافق مع تغييرات جذرية رافقت مسيرة صعود حزب العدالة والتنمية، منذ عام 2002، على مستوى المجتمع الذي تعرّض لهزات عنيفة في ظلّ ضغطه بخطابات قومية ودينية متطرفة.

هدم الديمقراطية

كما جرى تهميش وتقويض المؤسسات الديمقراطية، ومن بينها البرلمان التركي، الذي لعب دوراً مؤثراً في تشكيل الهوية التركية الحديثة، منذ إلغاء الخلافة العثمانية، وكذا تفكيك المؤسسات المدنية العديدة التي سعت إلى ضمان الحقوق السياسية والاجتماعية. واللافت أنّ الرئيس التركي لم يعمد، فقط، إلى التفريط وعدم الالتزام بقيم الديمقراطية التي سمحت له بالقفز على الحكم، لكنّه هدم الأبنية المؤسسة لها، حتى ينفرد بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، وهو ما يظهر في النظام الرئاسي الجديد، وحجم الصلاحيات الهائلة التي تتوافر له.

ومن بين تلك الصلاحيات التي اجتمعت في قبضة الرئيس التركي، أنّه يحوز مهام رئيسي الجمهورية والوزراء؛ حيث يقوم بتعيين الوزراء ونائب رئيس الجمهورية، إضافة إلى تعيين كبار مسؤولي الدولة بمن فيهم رؤساء الجامعات والقضاة، كما يحظر على أعضاء البرلمان تولي مناصب وزارية أو عضوية مجلس الوزراء، بحسب النظام الجديد، بينما يقوم رئيس الجمهورية بإعداد موازنة الدولة، التي تعرض على البرلمان لاعتمادها، لكن في حال رفضها، يتمّ العمل بموازنة العام السابق.

جرى تهميش وتقويض المؤسسات الديمقراطية، ومن بينها البرلمان التركي، الذي لعب دوراً مؤثراً في تشكيل الهوية التركية الحديثة، منذ إلغاء الخلافة العثمانية، وكذا تفكيك المؤسسات المدنية

وبحسب التعديلات الدستورية التي أقرت النظام الرئاسي، أصبحت الفترة الرئاسية وعضوية البرلمان، تمتدّ لنحو خمسة أعوام، ويسمح لرئيس الجمهورية بأن يتولى المنصب لفترة ثالثة في حال تمّت الدعوة لانتخابات مبكرة، أثناء الفترة الرئاسية الثانية، ويكفل النظام الرئاسي حقّ إعلان حالة الطوارئ لرئيس الجمهورية، سواء في بعض الولايات والمناطق، أو في جميع أنحاء البلاد، لمدة لا تتجاوز ستة أشهر.

معارضة قوية ضدّ النظام الرئاسي

تلاحق أردوغان انتقادات موسعة ومتواصلة بسبب النظام الرئاسي، الذي فاقم من خلاله صلاحياته، وبالدرجة نفسها، نجم عنه ارتفاع وتيرة القمع، ومن ثم استمرار حالة الطوارئ، والأخيرة يفرض من خلالها حصار ضدّ القوى السياسية المعارضة، والنشطاء والحقوقيين؛ إذ أوضحت نتائج استطلاع اتجاهات الرأي العام في تركيا، قبل أيام قليلة، ارتفاع نسبة الرافضين للنظام الرئاسي في البلاد لنحو 59.9%.

وبحسب المنصة الإلكترونية لصحيفة "جمهورييت" التركية المعارضة، التي قامت بنشر التقرير الصادر عن مركز "أوراسيا" التركية للأبحاث؛ فقد طرح الأخير جملة من الأسئلة والاستفسارات لقياس اتجاهات المشاركين في البحث والاستطلاع، وتراوحت الأسئلة بين: من هو رئيس الحزب الأكثر استحواذاً على الإعجاب؟ وما مصير أردوغان في حال تمّ إجراء انتخابات رئاسية مبكرة؟

اقرأ أيضاً: حزب تركي معارض يصف ممارسات أردوغان في ليبيا ب"الاحتلال"

اختار نحو 37.8% من المشاركين، الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، باعتباره رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم، بينما رفض حوالي 42.1%، وبقي نحو 20.1%، دون انحياز لأيّ من الخيارَين، واتجهوا للحياد السلبي.

ومن جهة أخرى؛ وصلت نسبة المعجبين برئيس حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في تركيا، كمال قليجدار أوغلو، نحو 32.4%، بينما بلغت نسبة غير المعجبين به، نحو 46.3%، بيد أنّ 21.3% قالوا إنّ "الأمرَين سيان"، أما ميرال أكشينار، رئيس حزب "الخير" المعارض، فكانت نسبة المعجبين بها نحو 21.9%، في مقابل 54.7% من غير المعجبين، و23.4% اعتبروا الأمر محايداً.

اقرا أيضاً: اتفاقية مصر واليونان... هل تقطع الطريق على أردوغان؟

وفيما يتصل بالاختيار بين النظامين البرلماني والرئاسي، رجّح نحو 58.9% من المشاركين عودة النظام البرلماني، بينما كانت نسبة المؤيدين للنظام القائم نحو 32%، فيما بلغت نسبة المترددين 9.1%.

وصوّت نحو 44.9% من المشاركين بالاستطلاع بـ "نعم"، وذلك على احتمالية فوز أردوغان في حال إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، بينما قال 45% "لا"، فيما رأى نحو 9.4% أنّ الأمر يخضع بحسب "المرشحين الآخرين".

بالأرقام تراجع شعبية أردوغان

وبالتزامن مع نهاية العام الثاني لأردوغان في ظلّ النظام الرئاسي، نشرت "دويتش فيله" الألمانية، في نسختها التركية، تقريراً موسعاً حول التداعيات السياسية والاقتصادية للنظام الجديد؛ إذ كشفت أنّ الاقتصاد التركي يتعرض لخسائر جمّة، منذ إقرار النظام الرئاسي، إضافة إلى وجود هواجس عديدة حول انخفاض الدخل القومي، وتنامي نسب البطالة، بسبب تراجع الاستثمار الأجنبي في ظلّ الظروف الحالية السيئة.

الباحث صغير حيدري لـ"حفريات": مخاوف الشعب التركي عديدة ومشروعة، وتقرّها التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمات وهيئات موثوقة، محلية وأجنبية، لا سيما مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

وبحسب التقرير المنشور على المنصة الألمانية؛ فإنّه خلال العامَين الماضيَين، شهد الاقتصاد التركي تضرراً بالغاً، وقد بلغت معدلات البطالة، وعجز الموازنة العامة أرقاماً غير مسبوقة؛ حيث تخطّت خسائر الدخل القومي 125 مليار دولار، وذلك بسبب إدارة الاقتصاد التركي من جانب شخص واحد (يقصد أردوغان)، ما ترتب عليه تفاقم الأزمات وانسدادها.

وقال رئيس السياسات الأمنية لـ "حزب الخير" التركي المعارض، أيتون تشيراي، في تصريحات صحفية: "في حين اعتقدت الحكومة أنّها يمكن أن تتولى كلّ شيء من خلال السيطرة على وسائل الإعلام التقليدية، ظهرت وسائط مختلفة تماماً، أنّهم يريدون إقامة نظام أكثر استبدادية، من خلال خلق رقابة على وسائل التواصل الاجتماعي في هذا الوقت، هم يدعمون 94% من وسائل الإعلام، ولكن إذا حاولوا مسّ وسائل التواصل الاجتماعي بؤرة التنفس الوحيدة للناس، سينفجرون من شدة الضغط".

أداء الحكومة التركية المتداعي فوق المساءلة

ولفت القيادي في حزب الخير المعارض، في تصريحاته التي نشرتها صحيفة "يني تشاغ"، إلى أنّه "في ظلّ النظام الرئاسي تراجعت حقوق الإنسان والحريات، اختفى العدل والقانون والمساواة، ربطوا جميع آليات اتخاذ القرار بشخص واحد، نظام الحكم الرئاسي الذي لا يشبه أيّ نظام حكم في أيّة دولة أخرى من العالم، قالوا لنا إنّ اقتصاد تركيا سينهض، وسننفتح على العالم الخارجي، لكنّ العكس هو الصحيح، ما شهدناه خلال العامَين الماضيَين أنّ نظام الحكم هذا أفقر الأمة".

اقرأ أيضاً: أردوغان و"العثمانية الجديدة".. كيف أخفق المشروع التركي في الإقليم؟

وفي حديثه لـ "حفريات"، يشير الصحفي التونسي المتخصص في الشؤون السياسية والخارجية، صغير حيدري، إلى أنّ تركيا ونظامها المتمثل في الرئيس رجب طيب أردوغان، وحزب العدالة والتنمية، يحاولون بكلّ الوسائل المتاحة تجنّب أيّة انتقادات، سواء على أداء الحكومة الاقتصادي في ظلّ عدم استقرار الليرة، وتداعيات ذلك على الاستقرار السياسي والمجتمعي، أو التوقعات التي ترجّح أنّ الاقتصاد التركي سيعيش فترة ركود ممتدة، بسبب انتشار فيروس كورونا.

اقرأ أيضاً: لماذا يرى أردوغان في حرية النساء معولاً لهدم العائلة التركية؟

بيد أنّ تدخلات تركيا في ليبيا وسوريا، وحتى العراق، بحسب الصحفي المتخصص في الشؤون السياسية والخارجية، تبدو مثيرة للانقسامات داخل تركيا، وهذا طبيعي، نظراً للخسائر التي قد تتكبّدها البلاد، وكذا أبناء الشعب التركي الذين يحملون السلاح ليدافعوا عن مصالح الرئيس التركي المؤكدة، لكن عودتهم هي التي ليست مؤكدة، سواء من طرابلس، أو من عفرين وإدلب، أو غيرها من بؤر الصراع التي يتمدّد فيها أردوغان بحثاً عن ثروات ونفوذ.

ويردف حيدري: "مخاوف الشعب التركي عديدة ومشروعة، وتقرّها التقارير الحقوقية الصادرة عن منظمات وهيئات موثوقة، محلية وأجنبية، لا سيما مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أو المنظمات الأوروبية التي تدين علناً الواقع الحقوقي في تركيا؛ فبالأرقام هناك عشرات الآلاف من المعارضين يقبعون في السجون اليوم، لنقدهم أداء الحكومة، وهنا يبقى التساؤل المطروح: هل يقدر أردوغان، أو حزبه صاحب الأغلبية في البرلمان، على تقديم ضمانات للمعارضة وللأتراك بصفة عامة بخصوص تحسين واقع الحريات؟".

اقرأ أيضاً: أردوغان.. الفصام السياسي في مرحلة ما قبل الانهيار

وعلى ما يبدو؛ فإنّ ما يحدث بين النظام والمعارضة هو بمثابة قطيعة؛ حيث لم تعد ثمة قنوات اتصال، بل العكس تماماً هو ما يحدث، فالتصعيد سيد الموقف، حتى بين أردوغان وحلفائه السابقين، مثل: رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو؛ والأخير وصلت حدّة انتقاداته لأردوغان إلى اتهامه بكونه "عائقاً أمام الديمقراطية"؛ يقول حيدري.

الصفحة الرئيسية