لماذا يرى أردوغان في حرية النساء معولاً لهدم العائلة التركية؟

لماذا يرى أردوغان في حرية النساء معولاً لهدم العائلة التركية؟

مشاهدة

06/08/2020

استكمالاً لنهج الرجعية الذي يقوده الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في بلاده، تحت راية حزب العدالة والتنمية التابع لحركة الإخوان المسلمين، تظاهرت مئات الآلاف من النساء في أنحاء الجمهورية، تنديداً بالانسحاب الذي لوّحت به الحكومة من معاهدة إسطنبول.

اقرأ أيضاً: المرأة التي هزّت عرش الإخوان في تونس.. من هي عبير موسي؟

هذا الانسحاب ما هو إلّا حلقة في مسلسل الهيمنة التي يدّعيها أردوغان، رافضاً إملاءات الاتّحاد الأوروبي، الذي ظلّ لأعوام يلهث خلف عضوية بلاده فيه، وبعد أن باءت كلّ تلك المحاولات بالفشل، ارتدى زيّ السلطان العثماني، عائداً ببلاده قروناً إلى الخلف.

البداية من الإجهاض

بعد ثلاثة عقود تمتعت فيها نساء تركيا بحقّ الإجهاض القانوني في الأسابيع العشر الأولى من الحمل، جاء رئيس الوزراء وقتها، رجب طيب أردوغان، عام 2012، ليطالب البرلمان بمشروع قانون لتجريم الإجهاض، الذي رآه جريمة في حقّ الإسلام، لتنزل النساء في إسطنبول وكلّ المدن التركيّة منددات بمثل هذا الاقتراح، الذي ينقضّ على العلمانية التركيّة المحميّة بموجب الدستور، ويدلّ على تنامي النفوذ الإسلاموي المحافظ، فيما تعالت أصوات المعارضة ضدّ أردوغان وقتها واصفة إياه بالديكتاتور، حتى قبل أن تكتمل ملامح سلطويته.

استمّر الحراك في الشارع حتى سحبت الحكومة، برئاسة أردوغان، مشروع قانونها، في حزيران (يونيو) 2012، فيما كان علامة قوة العلمانية التركية التي تراجع أردوغان أمام أنيابها المتأهبة، كما تراجع سابقاً، عام 2004، بعد أن طالب البرلمان بقانون يجرّم العلاقات خارج إطار الزواج من منظور إسلامي، إلّا أنّ الاتّحاد الأوروبي، الذي لطالما كانت عضويته حلماً لأردوغان، كشّر عن أنيابه، لتهدأ نزعاته الإسلامية أملاً في الانضمام إلى الاتحاد.

الحرية الشخصية التي كفلها الدستور التركي للمواطنين، وتقبّل المجتمع للمثلية والعبور الجنسي، يقضّ مضاجع الحزب الحاكم، الذي يحاول الترويج لأكذوبة أنّ المساواة بين الجنسين هي معول هدم للأسرة

 وأشارت المترجمة والكاتبة المصرية المقيمة في تركيا، هناء عبدالفتّاح،  إلى أنّ "الحراك النسوي القوي في تركيا ما يزال صامداً أمام رجعية الحزب الحاكم، محاولاً المحافظة على ما اكتسبته النساء منذ حكم أتاتورك".

وتابعت، في حديثها لـ "حفريات": "لم يقدّم الرئيس التركي أيّ مبرّر لإقدامه على خطوة الانسحاب من المعاهدة، سوى أنّ أربع بلدان من أوروبا فعلتها (بلغاريا، المجر، كرواتيا، بولندا)، واكتفى بالقول إنّ تركيا تحاول الحفاظ على قيم الأسرة، وتتجنّب أيّ معول هدم للعائلة التركية واستقرارها".

لمن نترك النساء؟

في أواخر تموز (يوليو) الماضي، دعت منظمة "منصة نساء أنقرة" كافة النساء في ربوع البلاد إلى التظاهر للمطالبة بالتراجع عن الانسحاب الذي يقوده حزب العدالة والتنمية، بتحريض من منصة الفكر، صاحبة التوجه الجهادي السلفي، وخلال التظاهرة التي اندلعت من حديقة أنقرة العامة، وسط انتشار كثيف لقوات الأمن، قالت الناشطة في منصة "نساء أنقرة"، كانجو أرتاس: "إذا تمّ سحب المعاهدة ستجد المرأة نفسها وحيدة بلا حماية".

 وأوضحت أستاذة العلوم السياسية التركية في جامعة بودابست، والمتخصصة في الحركات النسائية في مصر وتركيا، آسلي كراكا، أنّه "على الرغم من التحسينات القانونية التي حدثت في تركيا خلال العقدين الأخيرين إلّا أنّ تلك التحسينات أصبحت تتعرض للهجوم، خاصة في الأعوام الخمسة الماضية؛ حيث هناك هجوم غير مسبوق من قبل مجموعات قريبة من الحكومة وحزب العدالة والتنمية الحاكم".

اقرأ أيضاً: كيف خلط خطاب السلطة بين حقوق المرأة و"الرفق بالقوارير"؟

وأكّدت كراكا، في تصريحها لـ "حفريات"، أنّ "الأشخاص الذين يركزون على مسؤوليات المرأة والتماسك الأسري على حساب النساء أصبحوا مستشارين للحكومة، وقد يؤثر هذا في التشريعات الجديدة، وفي وقت مبكر من عام 2015، تطالب بعض الجماعات المحافظة بإلغاء اتفاقية إسطنبول، فعلى سبيل المثال؛ أصدرت جمعية "أكاديمية الأسرة" (Aile Akademisi Derneği) بياناً صحفياً، قبل الانتخابات العامة لعام 2015، طلبت فيه من مرشّحي حزب العدالة والتنمية إلغاء اتفاقية إسطنبول، لوضع حدّ لسياسات المساواة بين الجنسين، واتّباع سياسات قائمة على العدل بناءً على القيم الإسلامية".

تضاعف أعداد الضحايا

مع ارتفاع الأصوات المحافظة المطالبة بالانسحاب من الاتفاقية المبرمة عام 2012، صدرت بعض الإحصائيات عن مؤسسة وملجأ "mor çatı" النسوية، لتوضح حجم الجرائم المرتكبة في حقّ النساء:

عام 2019 تمّ الإبلاغ عن 4076 جريمة عنف ضدّ المرأة، قرّر المدعي العام في 3357 حالة منهم عدم الأحقية برفع قضية، كما تمّ تقديم 138 ألف شكوى ضدّ جرائم جنسية، مثل التحرش والاغتصاب والاتجار بالأطفال جنسياً"، ٦٤ ألف شكوى منها لم يتم إكمال التحقيق فيها لعدم وجود أدلة كافية، وحوالي ثلث السيدات التركيات المتزوجات يتعرضنّ لعنف منزلي، لكن 11% فقط يلجأن للقانون.

أستاذة العلوم السياسية التركية في جامعة بودابست، آسلي كراكا لـ"حفريات": الأشخاص الذين يركزون على مسؤوليات المرأة والتماسك الأسري على حساب النساء أصبحوا مستشارين للحكومة، وقد يؤثر هذا في التشريعات الجديدة

دار النقاش حول هذا الانسحاب المزعوم، في شباط (فبراير) الماضي، وتمّ اقتراحه من قبل منصة الفكر التركية، وهي مؤسسة خاصة، لكنّها قريبة من الحزب الحاكم، وهي أقرب للسلفية الجهادية، اجتمعت المنصة مع هيئة الشؤون الدينية، وطرحت الموضوع؛ معلّلة ذلك بأنّه يهدم قيم الأسرة التركية، ويزيد من تشرذم المجتمع وينشر الإباحية والمثلية الجنسية.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: أوهام ومناورات وعنصرية ضد المرأة.. هذه آخر أزماتهم

 وبحسب هناء عبد الفتاح؛ فإنّه "رغم مناهضة الجميع لهذا الانسحاب، بما في ذلك الصحافة الرسمية التركية ومنظمة سمية أردوغان النسوية، لكن يبدو أنّ الفكرة قد راقت للحكومة، التي تشعر بأنّها فقدت السيطرة على أجساد النساء؛ إذ تمنح العلمانية التركية حقوقاً يخشى الإسلامويون أن تهدّد سلطتهم، وبالنظر إلى نسب جرائم العنف الأسري، الذي بحسب التصريحات الرسمية ارتفع من عام 2013 إلى عام 2019 بنسبة 200%؛ فإنّ هذا الانسحاب لن يجد طريقه إلى النور أبداً".

عام 2019 تمّ الإبلاغ عن 4076 جريمة عنف ضدّ المرأة

وتكمل عبد الفتاح بأنّ "قوة الحركة النسوية في تركيا وقفت أمام العديد من هذه القرارات الرجعية سابقاً، وستفعل الآن، فقد تضاعف الحراك بعد مقتل فتاة تدعى بينار على يد شريكها؛ إذ وجدوا جثتها ممزقة في غابة، لأنّها رفضت العودة إلى رفيقها السابق، ما جدّد الدعوات إلى التظاهر بشكل يومي ومستمر حتى الآن".

اقرأ أيضاً: هل تجهض المرأة في تونس مشروع الإخوان؟

وبحسب أستاذة العلوم السياسية، كراكا؛ فإنّ "الاتجاه المحافظ الجديد في تركيا يؤثر في حركة المرأة وحقوقها بطرق سلبية؛ إذ تضغط المجموعات المحافظة من أجل إلغاء الحقوق المكتسبة، مثل القانون (6284) واتفاقية إسطنبول، وحججها الرئيسة هي أنّ هذه القوانين تزعزع استقرار الأسرة وتشرّع العلاقات المثلية، ومع ذلك، هناك أيضاً العديد من الناشطين الإسلاميين، أو الدينيين، الذين يعارضون هذه الاتهامات بشأن هذه القوانين، ويضغطون على أهمية اتفاقية إسطنبول، مثلما شجبت ابنة أردوغان هذا الانسحاب، وشدّدت على أهمية التمسك به لحماية النساء".

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة

ويبدو أنّ الحرية الشخصية التي كفلها الدستور التركي للمواطنين، وتقبّل المجتمع للمثلية والعبور الجنسي، يقضّ مضاجع الحزب الحاكم، الذي يحاول الترويج لأكذوبة أنّ المساواة بين الجنسين هي معول هدم للأسرة، لكنّهم يغضّون الطرف عن الإحصائيات الرسمية التي تتحدث عن أنّ 42% من نساء تركيا، من سنّ 15 إلى 60 عاماً، يتعرضن للعنف الجنسي من الشريك أو أحد أفراد الأسرة.

الصفحة الرئيسية