هكذا استثمر "الإخوان" بالتدين الشعبي لدى فلاحي مصر

الإخوان المسلمون

هكذا استثمر "الإخوان" بالتدين الشعبي لدى فلاحي مصر

مشاهدة

27/05/2020

في كتابها "تجربة مصر الليبرالية: 1922 – 1936" (2011)؛ ذهبت المؤرخة المصرية عفاف لطفي السيد، إلى أنّ "الغالبية الكبرى من أهل الريف إن لم يكونوا إخواناً بالفعل، فهم على الأقل متعاطفون [مع الجماعة] تعاطفاً وثيقاً"، وهو حكم مبني في الأساس على النفوذ المستقر للدين في الريف، الذي درسته المؤرخة دراسة أنثروبولوجية، قررت فيها أنّ الدين كان المصدر الوحيد لراحة الفلاح على مدار قرون من الاستعباد والقهر.

اقرأ أيضاً: من الأسلمة إلى التدين.. كيف نفهم الحالة الدينية؟
تحاجج السيد بأنّ "معرفة الفلاح بدقائق دينه محدودة وعقيدته بسيطة جداً ويسيطر عليه توقير الأولياء وإيمان بالخرافات"، وبسبب ضعف المعرفة الدينية هذا "كان أهم فرد في مجتمع القرية نفوذاً، باستثناء العمدة، هو العالم الديني الذي كان موضع احترام كبير من الجميع بحكم معرفته بالدين، ولهذا كانت مهمته بمثابة موجّه أخلاقي وقاضٍ وموضع ثقة، ونموذج يُحتذى به في مجتمع القرية بأسرها، وكان الناس يسعون إلى صحبته؛ لأنّ حفظه لكتاب الله يجعل منه مخلوقاً متميزاً".

اقرأ أيضاً: أغنية العمل بين التدين الشعبي والاختراق الأصولي
وتستنتج المؤرخة المرموقة؛ أنّ تأثير العامل الديني على أهالي الريف واحد من أسباب نجاح حركة الإخوان المسلمين، وهي حجة يتبناها قطاع معتبر من المفكرين والسياسيين والصحفيين، والتي عبّرت عنها عفاف لطفي ببلاغة، في قولها: "كان الإخوان يتحدثون بعبارات يفهمها الفلاح، وكانوا ينادون بالعودة إلى المبادئ الإسلامية للحكومات وبالعودة إلى العدل الاجتماعي والإنصاف"، لكن؛ هل هي كافية الدراسة الأنثروبولوجية لفهم تعقيدات الظواهر السياسية؟
"تجربة مصر الليبرالية: 1922 – 1936"

ملح الأرض المسيُّس
يرصد تيموثي ميتشل، في كتابه "استعمار مصر"، التفاف الفلاحين حول الزعيم المصري أحمد عرابي، وانخراطهم معه في نضاله السياسي ضدّ الطغمة التركية الحاكمة في مصر، وفي معاركه الحربية ضدّ الاستعمار الإنجليزي، كانوا كما يروي سيد عشماوي في كتابه "الفلاحون والسلطة"، يغنون "الله ينصرك يا عرابي"، وحين هُزم قائدهم كانوا يصيحون "الولس خان عرابي"، وقد دخلوا في مواجهة شاملة مع الإنجليز، حتى كادت الحكومة أن تضع الوجه البحري بمجمله تحت الأحكام العسكرية، كما يقول سليم النقاش في كتابه "مصر للمصرييين".

احتاجت جماعة الإخوان إلى كسر المشروع الناصري حتى تستثمر في هزيمته، وكانت انطلاقتها الثانية بادئة بالطلاب خلال السبعينيات

يشير ميتشل إلى أنّ الإنجليز شكَّلوا "لجان قطع الطرق" لسحق الجماعات المسلحة في الريف، ولجأوا إلى شنّ غارات عسكرية مكثفة واستخدموا البوليس السري والمرشدين والسجن الجماعي حتى امتلأت سجون البلاد بأربعة أضعاف طاقتها. 
كانت تلك هي بداية تسيُّس الفلاحين المصريين، إلا أنّ ذروة انخراطهم في السياسة كانت مع سعد زغلول، في ثورة 1919، الذي كان محل تبجيل الفلاحين وثقتهم ودافعوا عنه بأرواحهم؛ وكان وجوده على رأس الوزارة، عام 1924، بمثابة أول انتصار سياسي للفلاحين منذ قرون مديدة؛ حيث عدّوه واحداً منهم، ولم يكونوا على خطأ تماماً.
ورث النحاس جزئياً زعامة سعد زغلول وحزبه وجماهيره أيضاً؛ حيث صار الوفد بمثابة الروح الحية للوطنية المصرية، وحاز ما يشبه الإجماع الشعبي على دعمه في مواجهة المندوب السامي البريطاني والملك، وكان -على حدّ تعبير جرافتي سميث، كما تنقل عفاف السيد، "يتربع الوفد في قلب الفلاح"، وعلى الرغم من كل عيوب النحاس إلا أن مجرد وجوده على رأس الوفد أتاح له من الشعبية الجارفة ما يوفَر له تفويضاً للحصول على الاستقلال وإقرار حكم الأغلبية.
دخلت الأيديولوجيا التي صاغها حسن البنا في صراع صفري مع الحقائق السياسية لمصر الحديثة

الاستثمار في الإحباط
في ثلاثينيات القرن الماضي؛ دخلت الأيديولوجيا التي صاغها حسن البنا في صراع صفري مع الحقائق السياسية لمصر الحديثة، وكانت المحنة التي واجهتها الجماعة الصاعدة تكمن في أنّها لا تواجه أزمة بعينها سياسية (الاستقلال والدستور)، ولا اقتصادية (الاستقلال الاقتصادي أو العدالة الاجتماعية)؛ بل أزمة بالغة العمق تلف الحياة الاجتماعية التي يكتنفها التغريب والعصرنة، بعد أن أصبح المصريون لا يدينون بولاءٍ لخليفة ما؛ بل يشاركون بشكل دوري في صُنع حكوماتهم ويضعون قوانينهم، وبالطموح المستحيل لإلغاء كل ذلك وبرؤية ضبابية لصياغة بديلٍ عنه استطاع البنا جذب الساخطين على النظام السياسي والمطرودين من نعيمه الآفل.

وعدَ البنا من صعقهم الكساد الاقتصادي من الموظفين أصحاب الدخول الثابتة وصغار المستثمرين بغدٍ أفضل يخلو من المستغلين الغربيين

كان الجو العام مساعداً على تكريس أيديولوجيا من هذا النمط؛ إذ دخلت البلاد في فترة قنوط تام بعد أن أسفرت معطيات الواقع السياسي، وثغرات دستور 1923، عن تسلط المعتمد البريطاني والملك على المشهد السياسي، فضلاً عن سيطرة "الباشوات" على الهيكل السياسي لحزب الوفد، وتعايشهم مع الاحتلال، ومعارضتهم لأيّ إصلاح اجتماعي.
تمحورت دعاية البنا حول إمكان تجاوز التعقيدات الهيكلية للحياة الحديثة عبر اللجوء إلى مبادئ الإسلام وسنن الخلفاء الراشدين: كان يصنع من المادة الخام لثقافة العوام قصراً مشيداً من الأحلام يؤوي المطرودين من أبواب "الحي الأوروبي" لمدينة الإسماعيلية.
كانت الإسماعيلية تجسّد ما عبّر عنه فرانز فانون ببراعة بـ "الفالق الاستعماري" الذي يفصل بين المستوطن والأصلاني، أو بين المحتل وابن البلد؛ حيث تشمل حيَّين: حيّاً ذا طابع أوروبي يقطنه موظفو قناة السويس الأجانب والمصريون المتفرنسون، وفيه شوارع واسعة ونظيفة مطرزة بالأشجار من الجهتين ونوادٍ أنيقة مغلقة عليهم، وحيّاً آخر على حافة الصحراء تشغله الطبقة العاملة المحلية التي تروح وتجيء في شوارعه الضيقة القذرة.

اقرأ أيضاً: السلوك التديني عند الفلاحين في الريف المصري
وجد البنا ضالّته في القسم الشعبي من الإسماعيلية، وزرع فيه بذور جماعته التي نمت بسرعة خارقة في مدن القنال، وبفضل تبرعات الأعضاء، ومنحة من شركة قناة السويس؛ أسّس مسجداً وعدة مدارس درّب فيها الأطفال تدريباً دينياً صارماً.
انتقل البنا إلى القاهرة، إلا أنّ النقلة الكبرى في حياته وحياة الجماعة أتت من إخفاق أكبر الأحزاب شعبية في البلاد: حزب الوفد؛ إذ كسرت معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا، التي وقعها الوفد، ظهر جيل كامل من السياسيين المصريين، الذين أحسوا بأنهم خُدعوا بعد نضال مُرهق وطويل وحصلوا في النهاية على معاهدة بلا قيمة، كان بإمكانهم الحصول عليها قبل عقد من الزمن مع توفير أرواحهم وأعمارهم التي استُهلكت في السجون والميادين.

اقرأ أيضاً: التفكير "المتدين" كنمط عابر للتيارات الحزبية العربية!
استثمر البنا في هذا السخط العام، ودبّج نقداً قاسياً مثل كل بني جيله ضد اللعبة السياسية الفاشلة والمُحبِطة، إلا أنه على عكس نظرائه لم يبن أيديولوجيا عصرية، لكن أكثر جذرية، كما لدى الشيوعيين، بل صاغ دعاية واضحة وبسيطة موجهة إلى أنصاف المتعلمين أساساً، وسقْط متاع الوفد في الجامعات والمدراس الثانوية، وإلى نخبة من المتعلمين المتأثرين بالإحباطات السياسية للأحزاب، كان لافتاً أنّ الجماعة انطلقت من مدن القناة وازدهرت في القاهرة.

 

سياسة النموذج
كان رجل الشارع الذي يعاني من وفرة البطالة ونقص الغذاء ينظر إلى الديمقراطية نظرة مليئة بالريبة، بعد أن تحولت إلى ألاعيب سياسية لا طائل من ورائها، ومع اختلال المثل الأعلى للسياسة المصرية (الديمقراطية في الغربية) لمع بريق الفاشية في أعين السياسيين الناقمين، الذين رأوا فيها علاجاً ناجعاً وفعالاً لعلل المجتمع، كانت فكرة أنّ موسوليني يجعل القطارات تتحرك في وقتها في بلدٍ كلّ ما فيها قيد الاختلال أكثر جاذبية من كلّ قاموس الليبرالية السياسي.
ومثل حركة "مصر الفتاة" (شبه الفاشية) جاء البنا بفكرة الدعوة إلى حكومة قوية تفرض سلطتها على كامل البلاد، يقودها زعيم ينهي كلّ القضايا العالقة على أمل إحلال جماعته محل الأحزاب السياسية كافة، وبدهاء شديد؛ صاغ شعاره "الرسول زعيمنا"، على أمل سحب البساط من تحت أقدام مصطفى النحاس "زعيم الأمة".

اقرأ أيضاً: مؤتمر أوروبي يطالب بإنشاء مركز خاص لمراقبة تنظيم الإخوان
طوال هذه الفترة، منذ تأسيس الجماعة في العشرينيات وحتى منتصف الأربعينيات، لم يذكر البنا كلمة واحدة عن استقلال مصر أو انسحاب القوات البريطانية من أراضيها، ولم يذكر في خطبه المتكررة كلمة واحدة عن الاحتلال، في زمن كانت فيه جلّ النشاطات الوطنية متركزة على توحيد الشعب ضدّ الاحتلال البريطاني؛ حيث استطاع بدهاء التهرب من متطلبات العمل الوطني إلى مجموعة من الممارسات، التي جذبت أنظار الناس فتعلقت أفئدتهم بالنموذج الجديد للانخراط السياسي القائم على التضامن الاجتماعي عبر تأسيس المدارس والمستشفيات والصناعات الريفية.
وعد البنا من صعقهم الكساد الاقتصادي من الموظفين أصحاب الدخول الثابتة وصغار المستثمرين بغدٍ أفضل، يخلو من المستغلين الغربيين، ويزدهر بالصناعات المحلية التي تقف على شفا الانهيار، وبرهنت جماعته عبر جهودها في ميدان التجارة والصناعة المحلية على إمكان ذلك.

اقرأ أيضاً: بدء أولى خطوات حظر تنظيم الإخوان في ألمانيا
بعد عقود مديدة من تشبُع البيروقراطية بالفساد، إلى درجة أنّ سعد زغلول بكلّ سطوته السياسية وقف عاجزاً أمامه، تمكنت الجماعة، أخيراً، من توضيح أنّه بإمكان المرء أن يكون ناجحاً وشريفاً في وقت واحد، وأن يتفوق وهو يحيا حياةً ورعة، ولم تكتف الجماعة بتقديم خدمات خيرية للمحتاجين؛ بل استطاعت عن طريق إستراتيجية "المعونة الذاتية"، التي مكّنتها من استخدام مواردها المتاحة بكفاءة أن تقدم دليلاً عملياً على واقعية ما نادت به.
كلّ هذا كان يجري في وقت نجح فيه أباطرة المال والأعمال، بقيادة أحمد عبود باشا، كما يشير إريك دافيز، في "مأزق البورجوازية الوطنية الصناعية في العالم الثالث: تجربة بنك مصر 1920-1941"، من سحق المشروع الوطني الكبير الذي قاده طلعت حرب، ممثلاً في بنك مصر ومجموعة شركاته، التي ساهمت في توظيف مليون ونصف مصري، في بلد عدد سكانه لم يتجاوز الـ 14 مليوناً.

اقرأ أيضاً: هل تمثل كوريا الجنوبية ملاذاً بديلاً لجماعة الإخوان المسلمين؟

ان السياسيون الذين لا يرون أبعد من مقاعدهم في البرلمان سبباً في تحطيم النظام كلّه، وكان الاقتصاديون الذين لا يرون إلا حصتهم من الكعكة الصغيرة سبباً في كفالة استمرارية تاريخية لجماعة تحلم بوضعهم تحت وصايتها أو سحقهم.
على النقيض من ذلك؛ كانت الحركة الشيوعية تعمل تحت السقف السياسي نفسه، وفي الأجواء نفسها، وتتفوق على جماعة الإخوان، بضمّها ألمع العقول الاقتصادية والفكرية في البلاد، لكنّها لم تنجح في تجاوز أفق النخبة السياسية والحركة الطلابية، كما فعلت الجماعة التي قدمت نموذجاً جديداً للعمل السياسي.
الفلاحون زهدوا في السياسة منذ رحيل رجلهم عبد الناصر

ليذهب الفلاحون إلى الحقل
مع كلّ أزمة سياسية هيكلية تعصف بالمجتمع وتحاصره بالقلق والبؤس، تتوفّر كلّ أسباب القطيعة مع الحالة الطبيعية للسياسة، كصراع عقلاني يدار وفق آليات محددة؛ حيث تغزل الجماعات الهوياتية من خيوط البؤس هذه رؤية طوباوية للنظام الاجتماعي، متجاوزة للحداثة، وساعية لتكوين جماعة نقية من "المؤمنين"، ويكون الطلاب هم نقطة البدء دائماً.

اقرأ أيضاً: ماليزيا ترحّل 6 أشخاص.. ما علاقة جماعة الإخوان؟!
وقد برع الإخوان بدورهم في عزو سائر اختلالات المجتمع، ابتداءً بالتفاوتات الاجتماعية، والفساد، والانحلال الخلقي، والاستبداد إلى الحداثة نفسها، ووجهوا كلّ طاقتهم نحو إنجاز قطيعة ثقافية مع منطقها.
كان الطلاب على مدار التاريخ المصري، كما تعبّر مجمل أعمال الباحث المصري، أحمد عبد الله رزة، هم الأكثر اهتماماً بالسياسة في ظلّ معاناة الأغلبية من الأمية، وهم الوسيط السياسي الذي يربط الريف بالمدنية في إطار النضالات القومية، والذراع القوية للأحزاب جميعها؛ بل تؤكد عفاف مارسو أنّ الكثير من زعماء الطلاب كانوا مقيدين في كشوف رواتب الأحزاب في الحقبة الليبرالية، وهو ما دفع قطاعات واسعة من الطلاب للعمل بشكل مستقل عن تلك العناصر، وقد اجتذبتها القوى البازغة من الشيوعيين والإخوان.
ما ميز حسن البنا، عن هنري كرويل (أبرز شيوعي في مصر)؛ أنّه رائد في توسيع الرقعة الاجتماعية لمريدي الجماعة خارج أسوار الجامعة، ومع ذلك؛ ظلّ الوفد عصياً على الهزيمة، حتى إذا جاءت الناصرية بزخمها الاجتماعي، وصبغتها التقدمية الساعية لخلق مجتمع جديد وعصري، أصبحت الجماعة تبدو رثة ومتخلفة أمامها.

اقرأ أيضاً: الإخوان والعودة المستحيلة.. هل خسرت الجماعة معركتها الشعبية؟
احتاجت الجماعة إلى كسر المشروع الناصري حتى تستثمر في هزيمته، وكانت انطلاقتها الثانية بادئة بالطلاب أيضاً خلال السبعينيات، في هذه المرة كانت تشكل بديلاً حقيقياً للنظام، واتسعت قاعدتها الاجتماعية في الحضر، وصار الريف معقلها، ومع ذلك ظلت المفارقة قائمة: تسيطر على الريف، ولا تستأثر بولاء الفلاحين الذين زهدوا في السياسة منذ رحيل رجلهم عبد الناصر، كان الطلاب القادمون من الريف الذين اقتلعهم التعليم الحديث من جذورهم، وعجز عن إدماجهم في منطق المدينة، عمودَ جماعة الإخوان الصلب، ولم يكن للفلاحين، ولا لخصائص تدينهم الفريدة، يد في الموضوع.


الصفحة الرئيسية