نحو صياغة مشروع إقليمي جديد

نحو صياغة مشروع إقليمي جديد

مشاهدة

08/11/2020

تمثل منطقة الشرق الأوسط بكل تنويعاتها الجغرافية، وأبعادها التاريخية، واحدة من أهم الأبعاد الجيوإستراتيجية للنظام العالمي، باعتبارها ركيزة للسلام والأمن الدوليين. ولطالما حلّت دول الشرق الأوسط دائماً على المسرح السياسي، في ذروة الاستقطاب الأيديولوجي، مع تغير المواقف والتوجهات، من تبعية للاستعمار الغربي قبل الحرب العالمية الثانية، إلى تنامي النفوذ السوفياتي إبان دعمه لحركات التحرر الوطني، هذا النفوذ الذي بدا حضوره في المشهد الدولي ينحسر خلال نهايات القرن العشرين، نتيجة العديد من العوامل، التي تتصل بالوضع الداخلي، أو بتقلبات السياسة الدولية، التي ارتبطت بأحوال الشرق الأوسط.

حلف بغداد نموذجاً للتبعية الإقليمية

بدا حلف بغداد أحد أبرز تجليات الرؤية الأمريكية والبريطانية بعد الحرب العالمية الثانية؛ لإدارة النظام العالمي في الشرق الأوسط، عبّر التحالفات العسكرية، التي كانت تهدف في حينها إلى إدماج إدارات الحكم الجديدة في النسق الدولي، فعملت على إدراج تركيا وايران داخل الحلف، وذلك تحقيقاً لهدف رئيسي، هو الحيلولة دون تمدّد النفوذ السوفياتي سياسياً وعسكرياً في الشرق الأوسط، وفي إطار ذلك، اكتفت واشنطن وقتها بتقديم الدعم المالي واللوجيستي، دون الظهور المباشر وراء قيادة التحالف، الذي ضم بريطانيا والعراق وباكستان وتركيا وإيران.

 

بدا حلف بغداد أحد أبرز تجليات الرؤية الأمريكية والبريطانية بعد الحرب العالمية الثانية لإدارة النظام العالمي في الشرق الأوسط

 

سعت الولايات المتحدة الأمريكية نحو ضم عواصم عربية أخرى إلى الحلف، مثل: القاهرة وعمان والرياض، غير أنّ جمال عبدالناصر لم يكن يرغب في انخراط القاهرة داخل أحلاف عسكرية، وكان يرى أنّ الخطر السوفيتي يبتعد عن القاهرة كثيراً، بينما الوجود الإسرائيلي المتاخم لحدوده المباشرة يبدو هو الخطر الأقرب، وفي النهاية لم ينجح التحالف في الاستمرار، وتم تقويضه مع العام 1958.

اقرأ أيضاً: اتفاقات مصرية سعودية عراقية تثير حفيظة الميليشيات التابعة لإيران... ما طبيعتها؟

يستقر اليقين عند الاشتباك مع رؤية حلف بغداد في السياسة الخارجية الأمريكية، أنّها كانت تهدف بشكل مباشر، إلى تبيان أنّ الخطر الحقيقي الذي يجب أن تواجهه دول الشرق الأوسط، هو الخطر الشيوعي المتمثل في الاتحاد السوفياتي، والذي يتجلى في جملة الأفكاره التي يروج لها بحمولتها الثورية، وبناء على ذلك يبدو منطقياً أن تنخرط تل أبيب في المعسكر المناوئ، لمواجهة الأخطار المحتملة من العدو المرتقب، باعتبارها باتت جزءاً من جغرافيا الشرق الأوسط، ومتاخمة لحدوده السياسية.

السلام ومفهوم الفراغ الاستراتيجي

مرحلة الصراع العسكري فيما بين الدول العربية وإسرائيل، دخلت موجتها الأخيرة مع حرب تشرين الأول (أكتوبر) العام 1973، والتي استطاعت فيها القوات المسلحة المصرية أن تنجز نصراً عسكرياً، مهد الطريق نحو مباحثات السلام، التي اتخذت موضعاً استراتيجياً في ذهنية الرئيس الراحل أنور السادات، ما انتهى باتفاقية السلام بين القاهرة وتل أبيب، والمعروفة باتفاقية كامب ديفيد.

اقرأ أيضاً: قطر تعرقل اتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا بهذه الطريقة

مهدت السنوات التي سبقت العام 2011 لحالة الفراغ الاستراتيجي في الشرق الأوسط، بغياب المشروع السياسي العربي في المنطقة، وذلك بسقوط نظام صدام حسين، الذي استنزف قدراته الاستراتيجية؛ مرة في صراعه الممتد مع إيران بداية عقد الثمانينيات، وأخرى عندما وقع في مستنقع احتلال دولة الكويت، الأمر الذي أضعف النظام العربي، وحلّحل السلام والأمن الإقليمي في المنطقة، وترتب على ذلك، فيما بعد، الغزو العسكري الأمريكي للعراق، والتحرك نحو صياغة ملامح النظام الدولي الجديد.

هذا الفراغ الاستراتيجي الذي قامت على تخومه ثورات العام 2011، وارتفعت في سياقه رايات الإسلام السياسي على القصور الرئاسية، تزامن مع صعود الأطراف الإقليمية في المنطقة خاصة تركيا وإيران، واللذان طمعا في التهام المشروع الاستراتيجي للشرق الأوسط، في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، إبّان صياغتها للرؤية الجديدة للنظام الدولي.

اقرأ أيضاً: هل قطر الدولة التالية التي ستوقع اتفاقية سلام مع إسرائيل؟

عمق التحولات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال العقد الأخير، بدّلت كل الأطر والفرص الافتراضية، في قيام تعاون بين تركيا وإيران من جهة، والدول العربية من جهة أخرى، إلى واقع الصراع الحتمي فيما بينهما، باعتبارهما فاعلين رئيسيين في تلك الملفات، سواء كان ذلك فيما يختص بالملف اليمني أو السوري، وكذا الملف الليبي، وما يرتبط بالصراع على الحقوق في شرق المتوسط، فضلاً عن الموقف الاستراتيجي من تنظيم الإخوان المسلمين، الذي تعد تركيا الداعم الرئيسي له.

إدارة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأخيرة، وجهت شديد عنايتها للصراع الذي يتجلى في الأفق بينها وبين بكين، ومواجهة صعودها المضطرد، ذلك أنّ تشكّل بؤرة توتر في آسيا، أمر يؤرّق قيادة واشنطن، وتماهى ذلك مع اكتفاء الأخيرة بإدارة الشرق الأوسط وقضاياه، عبّر وكلائها، دون الانخراط المباشر، الأمر الذي عقّد من وضعيّة المنطقة، وضاعف من مظاهر النفوذ لقوى إقليمية مثل تركيا وإيران.


يأتي الاتفاق فيما بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، مؤخراً، ليلحق بالاتفاق التاريخي الذي وقعته القاهرة ثم عمان مع إسرائيل
 

تأسّيساً على ذلك، بدت بنيّة الوضع الجيوستراتيجي لدول  للشرق الأوسط في مهب الريح، وبدا واضحاً أنّ ثمة متغيراً يجب أن يطرأ لترتيب أمر المنطقة، وضمان سلامة وأمن دولها، خاصّة ما يرتبط بدول الخليج العربي، التي تواجه خطر النفوذ الإيراني، في ظل الصراع المباشر مع طهران سياسياً وعسكرياً، عّبر أكثر من ملف، فضلاً عن الصراع مع تركيا، وخطر تنظيمات الإسلام السياسي .

في إطار ذلك كلّه، يمكننا قراءة السياق الجديد لملامح العلاقات العربية الإسرائيلية، وعقد الاتفاقيات فيما بين الإمارات والبحرين والسودان مع تل أبيب، وعمق المتغيرات التي لحقت بالمشهد السياسي خلال السنوات الأخيرة، ودفعت أبوظبي نحو ذلك التوافق مع تل أبيب، في إطار رؤيتها الاستراتيجية لواقع ومستقبل التحولات في الشرق الأوسط، خاصّة وأنّ السياسة الخارجية الأمريكية، ارتأت ترحيل الانخراط المباشر في قضايا المنطقة، لصالح قوى أخرى، ومن غير المتوقع أن يتبدل ذلك بتغير اسم الرئيس القادم، خلال السنوات الأربع القادمة.

اقرأ أيضاً: ماذا بعد رفع اسم السودان من قوائم الإرهاب واتفاق السلام مع إسرائيل

الاتفاق الذي وقعته الإمارات والبحرين والسودان مع إسرائيل، يستجيب بشكل مباشر لحجم التبدلات والتحولات التي أصابت السياسة الدولية، خلال العقدين السابقين، بصورة تتفاعل مع ملامح العلاقات الدولية الجديدة، التي سمحت بفرض منطق القوة، وفرض الأمر الواقع على عدة مسارح إقليمية مؤثرة، خاصّة ما جرى ويجري في الملفين الليبي والسوري، وصياغتهما على نحو يهدد سلامة وأمن الدول العربية في الشرق الأوسط.

على خلفية ذلك كله، يأتي الاتفاق فيما بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، مؤخراً، ليلحق بالاتفاق التاريخي الذي وقعته القاهرة ثم عمان مع إسرائيل، ويبدو في الأفق أنّ دولاً أخرى سوف تلحق بذلك، الأمر الذي يبدو معه المشروع العربي محل سؤال ملغز، يحتاج إلى جهد المسؤولين والمنظمات الإقليمية، لصياغة بنود مستقبل المنطقة، وسبل مواجهة التحديات القائمة، والتي تهدد سلامتها وأمنها الإقليمي، ودون التوافق على ذلك، تبدو بؤر التوتر أكثر حضوراً وتأثيراً من مربعات الاستقرار.

الصفحة الرئيسية