موت بلا موعد يلاحق أهل غزة في القطاع المنكوب

موت بلا موعد يلاحق أهل غزة في القطاع المنكوب

موت بلا موعد يلاحق أهل غزة في القطاع المنكوب


28/01/2026

في غزة لا يحتاج الموت إلى موعد، رصاصة طائشة كفيلة بتحويل طريق قصير إلى المقبرة، وساعة انتظار أمام منزل إلى وداع أخير، الرصاص العشوائي الإسرائيلي لم يعد حدثاً استثنائياً في حياة أهل غزة، بل صار شبحاً يومياً يرافقهم في الشوارع، وعلى أسطح المنازل، وحتى داخل غرف النوم.

وفي الآونة الأخيرة صعّد جيش الاحتلال من عمليات إطلاق النار العشوائي صوب خيام النازحين ومراكز الإيواء والمناطق القريبة من الخط الأصفر، في أنحاء متفرقة من قطاع غزة، وهو ما أدى إلى استشهاد عدد من المواطنين وإصابة آخرين.

ويثير إطلاق الاحتلال للرصاص العشوائي الخوف والذعر في صفوف النازحين، وكأنّ الحرب لم تتوقف، إذ لم يجدوا المكان الأكثر أماناً للاحتماء به حفاظاً على حياتهم وحياة أطفالهم.

ولم يتوقف الاحتلال عن انتهاكه لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، مرتكباً أكثر من (1244) خرقًا للاتفاق، ممّا أدى إلى استشهاد ما يزيد عن (464) مواطناً، وفق المكتب الإعلامي الحكومي.

خرج ليشتري الخبز فعاد جثماناً

تجلس المسنة صفية نسمان (64 عاماً) أمام باب منزلها المدمر جزئيّاً في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، تمسك بصورة ابنها الأصغر (محمد)، وتقول بصوت متماسك يخفي انهياراً داخلياً: "محمد لم يكن مقاتلاً، ولم يكن يحمل شيئاً، خرج قبل المغرب بدقائق ليشتري الخبز، فسمعت صوت إطلاق نار، لم أفكر أنّ الرصاصة ستجده هو وتقتله." 

وتضيف: "عندما أصيب ابني كان الجنود الإسرائيليون متمركزين في منطقة بعيدة نسبياً، لكنّ الرصاص كان يتطاير بلا حساب، كأنّ الحي كله هدف مفتوح، فالرصاصة التي قتلت ابني لم تكن موجهة لشخص، لكنّها وجدت طريقها إلى قلب أم." 

وتتنهد نسمان قبل أن تجيب عن يوم الحادثة، كأنّها تعود إلى اللحظة ذاتها، وتقول: "كان يوماً عادياً، أو هكذا ظننت، فقبل أذان المغرب بقليل قال لي محمد إنّه سيخرج ليشتري الخبز، فطلبت منه العودة سريعاً، ولم يكن هناك اشتباكات قريبة، فقط أصوات بعيدة اعتدنا عليها. سمعت إطلاق نار من بعيد، لم أرتعب، ففي غزة نسمع هذا كثيراً، ولكن بعد نصف ساعة تأخر محمد، وشعرت بقبضة في قلبي، بعدها بدقائق رأيت الجيران يقتربون وهم يحملونه، لم أحتج أن يخبرني أحد، عرفت من وجوههم. كان مصاباً برصاصة في الصدر،  قالوا لي إنّها اخترقت جسده بسرعة، لم يكن هناك إسعاف سريع، ولم يكن هناك وقت، ومات بين أيديهم." 

وترفع صوتها لأول مرة: "محمد لم يكن مقاتلاً، ولم يحمل سلاحاً يوماً، كان شاباً بسيطاً، يعمل متى وجد عملاً، ويساعدني في البيت، وبعد وفاة والده أصبح سندي الوحيد، وكان حلمه أن نرمم هذا البيت، وأن يتزوج." 

وتوضح: "بعد مقتله كل شيء توقف، فالبيت صامت، وكرسيه ما زال مكانه، وأحياناً أضع له الخبز الذي كان يحبه ثم أضحك من نفسي، كيف أشرح لنفسي أنّه لن يعود؟". ما يؤلمني أنّ موته قد يسجل رقماً فقط، وأن يقولوا: رصاصة طائشة قتلته، لا توجد رصاصة طائشة عندما يقتل مدني أعزل، فهناك حياة انتهت، وأم بقيت." 

وتنظر إلى صورة محمد، وتقول: "أصبحت أخشى على نفسي وعلى كل من بقي في غزة، فالخروج لشراء أيّ شيء قد يكون الرحلة الأخيرة، وهذا ليس طبيعياً." 

العيش تحت الاحتمال الدائم للموت

يوسف عقل (29 عاماً) من حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، شاب غزّي لم يحمل سلاحاً يوماً، ولم يكن جزءاً من أيّ عمل عسكري، لكنّه يحمل في جسده اليوم أثر رصاصة طائشة لم تكن موجهة إليه، كما يقول.

في مساء شتوي قبل شهر تقريباً كان عقل يقف على سطح منزله، يحاول التقاط إشارة الهاتف ليطمئن صديقاً له خارج القطاع، فجأة شعر بضربة خارقة في كتفه الأيسر.

ويروي تفاصيل اللحظة ببطء شديد: "لم أسمع صوت إطلاق النار، فقط شعرت كأنّ أحدهم دفعني بقوة، نظرت إلى كتفي، كان الدم يسيل بسرعة، ولم أفهم ما حدث إلا عندما صرخ أخي: رصاصة!".

اخترقت الرصاصة كتفه واستقرت قرب الصدر، واحتاج عقل إلى عملية جراحية عاجلة، وقد أدّى تأخر وصول الإسعاف أكثر من (40) دقيقة، بسبب استمرار إطلاق النار في المنطقة، إلى تفاقم وضعه الصحي.

يقول عقل: "الإصابة لم تكن أقسى ما في التجربة، بل ما تلاها، فبعد الإصابة تغير كل شيء، لم أعد أقف قرب النوافذ، ولا أصعد إلى السطح، حتى المشي في الشارع أصبح قراراً يحتاج إلى تفكير، فالرصاصة العشوائية لا تميز بين شاب وطفل." 

ويضيف: "كثيراً من أصدقائي يعيشون الشعور نفسه، خصوصاً في المناطق القريبة من الحدود أو الأبراج المكشوفة." 

ويوضح: "لم تعد البيوت في غزة ملاذاً آمناً، كنا نعتقد أنّ الجدار يحمي، الآن نعرف أنّ الرصاصة تخترق الإسمنت، وتصل إلى غرفة النوم، وأعرف عائلة أصيبت ابنتهم وهي نائمة." 

ويؤكد عقل العاطل عن العمل منذ أعوام أنّ الخوف اليومي يفوق حتى البطالة والحصار، ومن الصعب أن تكون بلا عمل، لكن أن تكون بلا أمان، فذلك أصعب، لأنك تستطيع التخطيط لشيء، ولا تعرف إن كنت ستعود إلى البيت حياً أم ميتاً."   

وعندما يُسأل عقل عمّا يريده من العالم، يبتسم بمرارة ويقول: "لا أطلب معجزة، فقط أن نعيش دون أن نصاب لأننا وقفنا في المكان الخطأ، ونريد أن نكون أرقاماً أقلّ في نشرات الأخبار."

 خوف دائم

ترى أماني محمود الإخصائية النفسية بمركز العودة الصحي أنّ "تكرار حوادث الرصاص العشوائي يؤدي إلى حالة خوف دائم وشعور بعدم الأمان، لأنّ الخطر غير متوقع ولا يمكن السيطرة عليه، ويولّد هذا النوع من التهديد توتراً مزمناً قد يتحول إلى قلق واكتئاب واضطرابات نوم." 

وتضيف: "الرصاص العشوائي هو أخطر بكثير من القصف، فالأخير مصدره خارجي وواضح، أمّا الرصاص العشوائي، فمصدره داخلي وغير متوقع، وهذا يجعله أكثر إرباكاً نفسياً، ويهز الثقة بالمجتمع نفسه." 

وتوضح: "أكثر المتضررين بهذه الحوادث هم الأطفال، فهم يفقدون الإحساس بالأمان، وقد تظهر عليهم أعراض مثل التبول اللّاإرادي، والتلعثم، ونوبات الخوف، والتعلق الزائد بالأهل." 

وتؤكد أنّ "هذه القضية تؤدي إلى عيش السكان بغزة في قلق دائم، وتجعلهم يشعرون بسيناريوهات الخطر قبل حدوثه، وهو ما يرهق الجهاز العصبي ويؤدي إلى استنزاف نفسي شديد."




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية