من يوميات سميح القاسم في نكبة 1948

من يوميات سميح القاسم في نكبة 1948


12/05/2020

يوسف الشايب

تتزامن الذكرى الحادية والثمانون لميلاد الشاعر سميح القاسم مع الذكرى الثانية والسبعين لاحتلال فلسطين العام 1948 (النكبة)، فهو المولود في 11 أيار 1939، كان في التاسعة من عمره وقت النكبة، التي تحدث عنها في سيرته الصادرة عن دار راية للنشر في حيفا.

على امتداد ما يزيد على أربعمائة صفحة، يتنقل بك صاحب "منتصب القامة" ما بين حكاية وحكاية، بعضها مفعم بالألم، وبعضها الآخر يثير ضحكك، وقد يجعلك تدمع، أو تبتسم، أحيانا، أو حتى تشهق، لكنها كلها، حتى تلك المتعلقة بجده ووالده، حقيقية ونادرة، وما يجعلها تعبق برائحة الزعتر البري في جبال الرامة الفلسطينية أنها تتراوح ما بين الشخصي، والعائلي، والشعري، وحتى السياسي في سيرته التي أطلق عليها اسم "إنها مجرد منفضة".

هو، الذي اختار صيغة المخاطب للحديث عن نفسه، لا يفضل أن يسميها سيرة، ويقول في ذلك، "لعبة النار والرماد لن تتوقف هنا والآن، وبمثل ما يستمر تساقط الرماد من لفافات تبغك في منفضة سجائرك، يستمر تساقط رمادك أنت، شعرا وجسدا وروحا وتجربة، في منفضة الحياة الدنيا، هذه المنفضة الهائلة اللامحدودة. أجل، إنها هائلة ولا محدودة، لكنها تظل في نهاية المطاف منفضة، مجرد منفضة.. إنها مجرد منفضة"، فيما يؤكد في موقع آخر "هي ليست سيرة ذاتية.. هي محاولة لترميم صور من الذاكرة.. صور قديمة، بالأبيض والأسود".

الحكايات في "منفضة" سميح القاسم لا يمكن حصرها في تقرير أو مراجعة، لكن من الضروري سرد بعضها، بعد "التلاعب" بصيغة المخاطب، وتغييرها إلى صيغة الراوي.

يتذكر القاسم: في عام النكبة كما يسمونه، تقطرت أخبار المعارك، وتقاطرت الأقاويل والإشاعات عن انتصارات كبرى وهزائم نكراء فاحشة، وكانت تتناوبني الأفراح الكبيرة والأحزان الغامضة بين نبأ وآخر، اعتقدت أنني لست ولدا، ولذلك اعتقدت بأهمية فرحي وخطورة حزني، ويستمر النقاش بين الناس ويستمر إصغائي الفائض عن عمري، ولكني لا أفهم شيئا، ومع ذلك أتشبث باليقين بأن النصر آت لا محالة.

ويضيف: صبيحة يوم ما، حضر إلى منزلنا جندي من جيش الإنقاذ يسأل عن والدي. كان يحمل رسالة من ضابط يدعى المقدم عامر، الرسالة موجهة إلى أبي وزوج خالتي المرحوم سلمان الداغر، أحتفظ إلى اليوم بتلك الرسالة المطبوعة على آلة كاتبة، وعثرت عليها بين أوراق أبي بعد رحيله، وكانت دعوة عسكرية لوالدي وزوج خالتي بضرورة التجند للدفاع عن الوطن، وما هي إلا أيام حتى أصبح والدي مسؤولا عن تنظيم مجموعة من العسكريين السابقين من قريتي الرامة في إطار الدفاع الشعبي أو المدني، لا أذكر التسمية الدقيقة لتلك المجموعة، التي يتدرب أفرادها بإطلاق النار على صخرة كبيرة شمال شارع الرامة – بيت دجن".

ويتذكر أيضا: أصبح والدي كثير التغيب خارج المنزل، وكثرت النداءات المتوترة المستنفرة: اليهود يهاجمون عكا، "الهاغاناه" تهاجم لوبية، اليهود يتقدمون نحو شفا عمرو، إنهم قرب خربتي "هوشة" و"الكساير" بين حيفا وشفا عمرو، اليهود يهددون "البروة"، تفجيرات يهودية في حيفا وفي طبرية.

ويعود القاسم إلى حكايات النكبة، فيروي: ترددت في البلد أنباء مجزرة دير ياسين، وأخبار عن فظائع أخرى كثيرة، وتدفق على الرامة عدد من اللاجئين بينهم "حسن الكسيح"، وقطعت معظم الطرق الرئيسية في البلاد، وكان على والدي السفر إلى رام الله لإحضار شقيقتي التي تدرس في دار المعلمات هناك، وزميلة لها من الرامة تدرس في ذات المكان، وارتطمت السيارة التي أقلته بلغم، قتل السائق وأصيب والدي برضوض فعاد إلى الرامة، واضطر عمي نجيب إلى السفر لإحضار شقيقتي و9 زميلات لها عبر شرق الأردن وسورية ولبنان، حيث استضافهم في دمشق عمي المحامي علي الأسعد، لعدة أيام، حتى تم ترتيب عودتهم الآمنة إلى الرامة وعكا وصفد عبر الحدود اللبنانية.

"حدث ذلك في بداية الحرب، وها هي الحرب تقترب من الأسر المجتمعة كلها في الرامة، قدم عمي علي من الشام محاولا إقناع العائلة بمرافقته إلى هناك، لكننا قررنا البقاء في الوطن.. لا أتذكر الوقت بالتحديد، لكني أتذكر أن طائرة يهودية أغارت على قريتي، وألقت قنبلة على منزل قريب فهدمته، وهنا ساد الهرج والمرج، ومحاولات الاختباء من القنابل المتواترة علينا"، يكتب القاسم في "منفضته".

وتابع، "صرخ والدي: اركضوا إلى العقد إنه أكثر أماناً، وهرع إلى العقد، الذي كان ذات يوم مضافة جدّي قاسم، أبناء أسرتي وعدد من أقاربي وقريباتي والجيران، وكانت بينهم المرحومة أم أديب زوجة عمّي الأكبر فريد، ومع دويّ آخر انفجرت أم أديب بالضحك. اليوم، تعرف أنه ضحك الرعب وفقدان السيطرة على الذات، صاحت أم حسين زوجة عمّي رجا: اخرسي، ستسمعنا الطيّارة،

خافي الله.. انتهرتنا خالتي نعايم ولم تهدأ إلا حين صفعتها أمّي على وجهها.. فجأة توقف الضحك، وانخرطت أم أديب وأم قاسم في بكاء مرير".

"صبيحة اليوم التالي، قرر أهل الرامة إخلاء القرية. قلة منهم غادرت إلى خارج البلاد، لكن الأغلبية الساحقة قررت اللجوء إلى كروم الزيتون القريبة، ومنها كرم العائلة (خلة القصب) لوقوع معظمه في واد يصلح مخبأ مؤقتا، ولوجود نبعة ماء توفر الري إلى يوم الفرج، هناك في الكرم كنت أتعمشق مع بعض الفتيان أشجار الزيتون والتين والخروب واللوز ونغني: طيارة حرامية، تحت التوتة مرمية، يا صهيوني يا ابن الكلب، شو جابك ع بلاد الحرب؟!".

ويواصل القاسم سرد الحكاية بالقول: ثم عدنا إلى القرية بانقطاع هدير الطائرات.. قضينا عدّة ليالٍ ننام بثيابنا وأحذيتنا استعداداً للرحيل.. وشهدنا الجيوش العربية هاربين إلى الشمال.. الضبّاط يقذفون برتبهم احترازاً للوقوع في الأسر، كما يبدو، ويتابعون الهرب في سيارات الجيب والآليات العسكرية الأخرى.. وكثيرون من الجنود يركضون بهلع، أحدهم مرّ بجانب بيتنا والماء يطرطش ثيابه من الزمزمية (المطرة) المفتوحة.. صاحت به أمّي، أتذكر ذلك جيّداً، صاحت به: أغلق المطرة يا خيّا. هل تريد الموت عطشاً؟.

"وجاءت إلى ساحة بيتنا شاحنة نزل منها سائق، وقال بلهجة لبنانية: أرسلني أبونا الخوري يعقوب لأحمل أمتعتكم إذا كنتم راغبين في الرحيل معنا إلى لبنان.. أغراني للحظات هذا المجهول المسمى لبنان. تخيلتها رحلة مدرسية أخرى، تأملت رؤوس الوعول والغزلان المحنطة والمعلقة على جدران الديوان. كان أبي اصطادها بنفسه ولا يجوز التخلي عنها، لا بد من أخذها إلى لبنان، لكنها عالية على الحيطان فليقم سواي بالمهمة. وبما أنني أحب طقم الطاولات الشامية المصدفة (الإسكمبلات) فإنني أستطيع حمل واحدة منها إلى سيارة عمّي الخوري يعقوب. هممت بذلك، وباشرت العمل، إلا أن صوت جدي أبي علي حسن العلي ارتفع من جديد: قلتُ لكم الموت في الوطن ولا الحياة في الغربة.. وعادت السيّارة خاوية إلا من سائقها ذي اللهجة اللبنانية".

وفي موقع آخر من الـ"منفضة"، يقول القاسم: صبيحة اليوم التالي، داهم اليهود قرية الرامة، وأطلقت مكبّرات الصوت الأوامر بتجميع الرجال في الساحة الشرقية، وجاء جدي الشيخ شحادة بعد قليل غاضباً "أوقف اليهود سلمان في الشارع وسلبوه ساعته الذهبية. ألا يكفيهم أنهم سلبوه عينه؟".. في الساحة الشرقية، أعلنت قوات الاحتلال حالة حظر التجول، وباشرت عمليات تفتيش المنازل، وداهمت منزلنا ثلة من الجنود. وحين فتحنا الخزانة الشاميّة الكبيرة لمصادرة بزّة والدي العسكري، صاحت أمي: أبعد يدك عن بذلة زوجي العسكرية.. أنتم عصابة.. لو أنك جندي حقيقي لما اعتديت على شرف الضابط (...) وقبل انصرافهم رسم جنود "الهاغاناه" على الباب الخارجي دائرة باللون الأزرق وكتبوا داخلها كلمة عبرية.. جددنا طلاء الباب أكثر من مرّة، لكننا حافظنا على الدائرة ومحورها العبري عدة سنوات، حتى تعلمنا العبري وعلمنا أن الكلمة تعني "تم فحصه"!

وفي ذات الكتاب اعترف القاسم: ما من تجربة أقسى من احتقان الطفولة واحتباس وعيها بما يدور فيها ومن حولها. والآن، الآن فقط أستطيع الادعاء بأن الطفولة البائسة لا تعني بالضرورة الحرمان من الثياب والأحذية الجديدة والطعام والحلوى والسرير المريح واللعبة الجميلة والبيئة المحبة المتعاطفة المتجانسة.. الآن، أستطيع الزعم بأن بؤس طفولتي وطفولة جيلي لا يقبل التقوقع في خانة المادة ووسائل الرفاه الاجتماعي. إنه بؤس الطفولة الخاص بجيل ضربته الصاعقة، وأرجحته بعنف بين نشيد "موطني" باللغة العربية إلى الإنشاد "ماري تملك جدياً صغيراً" باللغة الإنكليزية، إلى الإنشاد "جاء المطر. جاء المطر. جاء المطر" باللغة العبرية، وفي حضرة الحاكم العسكري الجديد الغامض المجهول، والمرعب إلى حدّ بعيد.

المصدر: صحيفة الأيام الفلسطينية

الصفحة الرئيسية