من يوميات سميح القاسم في نكبة 1948

من يوميات سميح القاسم في نكبة 1948
صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
1606
عدد القراءات

2020-05-12

يوسف الشايب

تتزامن الذكرى الحادية والثمانون لميلاد الشاعر سميح القاسم مع الذكرى الثانية والسبعين لاحتلال فلسطين العام 1948 (النكبة)، فهو المولود في 11 أيار 1939، كان في التاسعة من عمره وقت النكبة، التي تحدث عنها في سيرته الصادرة عن دار راية للنشر في حيفا.

على امتداد ما يزيد على أربعمائة صفحة، يتنقل بك صاحب "منتصب القامة" ما بين حكاية وحكاية، بعضها مفعم بالألم، وبعضها الآخر يثير ضحكك، وقد يجعلك تدمع، أو تبتسم، أحيانا، أو حتى تشهق، لكنها كلها، حتى تلك المتعلقة بجده ووالده، حقيقية ونادرة، وما يجعلها تعبق برائحة الزعتر البري في جبال الرامة الفلسطينية أنها تتراوح ما بين الشخصي، والعائلي، والشعري، وحتى السياسي في سيرته التي أطلق عليها اسم "إنها مجرد منفضة".

هو، الذي اختار صيغة المخاطب للحديث عن نفسه، لا يفضل أن يسميها سيرة، ويقول في ذلك، "لعبة النار والرماد لن تتوقف هنا والآن، وبمثل ما يستمر تساقط الرماد من لفافات تبغك في منفضة سجائرك، يستمر تساقط رمادك أنت، شعرا وجسدا وروحا وتجربة، في منفضة الحياة الدنيا، هذه المنفضة الهائلة اللامحدودة. أجل، إنها هائلة ولا محدودة، لكنها تظل في نهاية المطاف منفضة، مجرد منفضة.. إنها مجرد منفضة"، فيما يؤكد في موقع آخر "هي ليست سيرة ذاتية.. هي محاولة لترميم صور من الذاكرة.. صور قديمة، بالأبيض والأسود".

الحكايات في "منفضة" سميح القاسم لا يمكن حصرها في تقرير أو مراجعة، لكن من الضروري سرد بعضها، بعد "التلاعب" بصيغة المخاطب، وتغييرها إلى صيغة الراوي.

يتذكر القاسم: في عام النكبة كما يسمونه، تقطرت أخبار المعارك، وتقاطرت الأقاويل والإشاعات عن انتصارات كبرى وهزائم نكراء فاحشة، وكانت تتناوبني الأفراح الكبيرة والأحزان الغامضة بين نبأ وآخر، اعتقدت أنني لست ولدا، ولذلك اعتقدت بأهمية فرحي وخطورة حزني، ويستمر النقاش بين الناس ويستمر إصغائي الفائض عن عمري، ولكني لا أفهم شيئا، ومع ذلك أتشبث باليقين بأن النصر آت لا محالة.

ويضيف: صبيحة يوم ما، حضر إلى منزلنا جندي من جيش الإنقاذ يسأل عن والدي. كان يحمل رسالة من ضابط يدعى المقدم عامر، الرسالة موجهة إلى أبي وزوج خالتي المرحوم سلمان الداغر، أحتفظ إلى اليوم بتلك الرسالة المطبوعة على آلة كاتبة، وعثرت عليها بين أوراق أبي بعد رحيله، وكانت دعوة عسكرية لوالدي وزوج خالتي بضرورة التجند للدفاع عن الوطن، وما هي إلا أيام حتى أصبح والدي مسؤولا عن تنظيم مجموعة من العسكريين السابقين من قريتي الرامة في إطار الدفاع الشعبي أو المدني، لا أذكر التسمية الدقيقة لتلك المجموعة، التي يتدرب أفرادها بإطلاق النار على صخرة كبيرة شمال شارع الرامة – بيت دجن".

ويتذكر أيضا: أصبح والدي كثير التغيب خارج المنزل، وكثرت النداءات المتوترة المستنفرة: اليهود يهاجمون عكا، "الهاغاناه" تهاجم لوبية، اليهود يتقدمون نحو شفا عمرو، إنهم قرب خربتي "هوشة" و"الكساير" بين حيفا وشفا عمرو، اليهود يهددون "البروة"، تفجيرات يهودية في حيفا وفي طبرية.

ويعود القاسم إلى حكايات النكبة، فيروي: ترددت في البلد أنباء مجزرة دير ياسين، وأخبار عن فظائع أخرى كثيرة، وتدفق على الرامة عدد من اللاجئين بينهم "حسن الكسيح"، وقطعت معظم الطرق الرئيسية في البلاد، وكان على والدي السفر إلى رام الله لإحضار شقيقتي التي تدرس في دار المعلمات هناك، وزميلة لها من الرامة تدرس في ذات المكان، وارتطمت السيارة التي أقلته بلغم، قتل السائق وأصيب والدي برضوض فعاد إلى الرامة، واضطر عمي نجيب إلى السفر لإحضار شقيقتي و9 زميلات لها عبر شرق الأردن وسورية ولبنان، حيث استضافهم في دمشق عمي المحامي علي الأسعد، لعدة أيام، حتى تم ترتيب عودتهم الآمنة إلى الرامة وعكا وصفد عبر الحدود اللبنانية.

"حدث ذلك في بداية الحرب، وها هي الحرب تقترب من الأسر المجتمعة كلها في الرامة، قدم عمي علي من الشام محاولا إقناع العائلة بمرافقته إلى هناك، لكننا قررنا البقاء في الوطن.. لا أتذكر الوقت بالتحديد، لكني أتذكر أن طائرة يهودية أغارت على قريتي، وألقت قنبلة على منزل قريب فهدمته، وهنا ساد الهرج والمرج، ومحاولات الاختباء من القنابل المتواترة علينا"، يكتب القاسم في "منفضته".

وتابع، "صرخ والدي: اركضوا إلى العقد إنه أكثر أماناً، وهرع إلى العقد، الذي كان ذات يوم مضافة جدّي قاسم، أبناء أسرتي وعدد من أقاربي وقريباتي والجيران، وكانت بينهم المرحومة أم أديب زوجة عمّي الأكبر فريد، ومع دويّ آخر انفجرت أم أديب بالضحك. اليوم، تعرف أنه ضحك الرعب وفقدان السيطرة على الذات، صاحت أم حسين زوجة عمّي رجا: اخرسي، ستسمعنا الطيّارة،

خافي الله.. انتهرتنا خالتي نعايم ولم تهدأ إلا حين صفعتها أمّي على وجهها.. فجأة توقف الضحك، وانخرطت أم أديب وأم قاسم في بكاء مرير".

"صبيحة اليوم التالي، قرر أهل الرامة إخلاء القرية. قلة منهم غادرت إلى خارج البلاد، لكن الأغلبية الساحقة قررت اللجوء إلى كروم الزيتون القريبة، ومنها كرم العائلة (خلة القصب) لوقوع معظمه في واد يصلح مخبأ مؤقتا، ولوجود نبعة ماء توفر الري إلى يوم الفرج، هناك في الكرم كنت أتعمشق مع بعض الفتيان أشجار الزيتون والتين والخروب واللوز ونغني: طيارة حرامية، تحت التوتة مرمية، يا صهيوني يا ابن الكلب، شو جابك ع بلاد الحرب؟!".

ويواصل القاسم سرد الحكاية بالقول: ثم عدنا إلى القرية بانقطاع هدير الطائرات.. قضينا عدّة ليالٍ ننام بثيابنا وأحذيتنا استعداداً للرحيل.. وشهدنا الجيوش العربية هاربين إلى الشمال.. الضبّاط يقذفون برتبهم احترازاً للوقوع في الأسر، كما يبدو، ويتابعون الهرب في سيارات الجيب والآليات العسكرية الأخرى.. وكثيرون من الجنود يركضون بهلع، أحدهم مرّ بجانب بيتنا والماء يطرطش ثيابه من الزمزمية (المطرة) المفتوحة.. صاحت به أمّي، أتذكر ذلك جيّداً، صاحت به: أغلق المطرة يا خيّا. هل تريد الموت عطشاً؟.

"وجاءت إلى ساحة بيتنا شاحنة نزل منها سائق، وقال بلهجة لبنانية: أرسلني أبونا الخوري يعقوب لأحمل أمتعتكم إذا كنتم راغبين في الرحيل معنا إلى لبنان.. أغراني للحظات هذا المجهول المسمى لبنان. تخيلتها رحلة مدرسية أخرى، تأملت رؤوس الوعول والغزلان المحنطة والمعلقة على جدران الديوان. كان أبي اصطادها بنفسه ولا يجوز التخلي عنها، لا بد من أخذها إلى لبنان، لكنها عالية على الحيطان فليقم سواي بالمهمة. وبما أنني أحب طقم الطاولات الشامية المصدفة (الإسكمبلات) فإنني أستطيع حمل واحدة منها إلى سيارة عمّي الخوري يعقوب. هممت بذلك، وباشرت العمل، إلا أن صوت جدي أبي علي حسن العلي ارتفع من جديد: قلتُ لكم الموت في الوطن ولا الحياة في الغربة.. وعادت السيّارة خاوية إلا من سائقها ذي اللهجة اللبنانية".

وفي موقع آخر من الـ"منفضة"، يقول القاسم: صبيحة اليوم التالي، داهم اليهود قرية الرامة، وأطلقت مكبّرات الصوت الأوامر بتجميع الرجال في الساحة الشرقية، وجاء جدي الشيخ شحادة بعد قليل غاضباً "أوقف اليهود سلمان في الشارع وسلبوه ساعته الذهبية. ألا يكفيهم أنهم سلبوه عينه؟".. في الساحة الشرقية، أعلنت قوات الاحتلال حالة حظر التجول، وباشرت عمليات تفتيش المنازل، وداهمت منزلنا ثلة من الجنود. وحين فتحنا الخزانة الشاميّة الكبيرة لمصادرة بزّة والدي العسكري، صاحت أمي: أبعد يدك عن بذلة زوجي العسكرية.. أنتم عصابة.. لو أنك جندي حقيقي لما اعتديت على شرف الضابط (...) وقبل انصرافهم رسم جنود "الهاغاناه" على الباب الخارجي دائرة باللون الأزرق وكتبوا داخلها كلمة عبرية.. جددنا طلاء الباب أكثر من مرّة، لكننا حافظنا على الدائرة ومحورها العبري عدة سنوات، حتى تعلمنا العبري وعلمنا أن الكلمة تعني "تم فحصه"!

وفي ذات الكتاب اعترف القاسم: ما من تجربة أقسى من احتقان الطفولة واحتباس وعيها بما يدور فيها ومن حولها. والآن، الآن فقط أستطيع الادعاء بأن الطفولة البائسة لا تعني بالضرورة الحرمان من الثياب والأحذية الجديدة والطعام والحلوى والسرير المريح واللعبة الجميلة والبيئة المحبة المتعاطفة المتجانسة.. الآن، أستطيع الزعم بأن بؤس طفولتي وطفولة جيلي لا يقبل التقوقع في خانة المادة ووسائل الرفاه الاجتماعي. إنه بؤس الطفولة الخاص بجيل ضربته الصاعقة، وأرجحته بعنف بين نشيد "موطني" باللغة العربية إلى الإنشاد "ماري تملك جدياً صغيراً" باللغة الإنكليزية، إلى الإنشاد "جاء المطر. جاء المطر. جاء المطر" باللغة العبرية، وفي حضرة الحاكم العسكري الجديد الغامض المجهول، والمرعب إلى حدّ بعيد.

المصدر: صحيفة الأيام الفلسطينية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"20 قصيدة حب".. صوت الشاعر يبحث عن الريح

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

أوميد عبدالكريم إبراهيم

كان للحقبة التي عاش في ظلها الشاعر التشيلي الشهير بابلو نيرودا «1904-1973»، وما شهدته من حروب وأحداث عصفت ببلاده وبعدد من دول العالم، تأثير واضح على أعماله الشعرية التي طغى عليها الطابع الثوري الرافض للظلم والجور من جهة، والحزن والألم والحنين إلى الوطن من جهة أخرى، لاسيما في مجموعته وباكورة أعماله «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» التي أصدرها نيرودا وهو في أوج شبابه، والتي ترجمت أكثر من مرة إلى اللغة العربية، إلى جانب لغات أخرى، وحازت إعجاب النقاد والقراء على حدٍّ سواء.
نيرودا المولود في إحدى القرى النائية وسط تشيلي عام 1904، والذي وصفه الروائي الكولومبي الكبير، جابرييل جارسيا ماركيز بالقول إن «بابلو نيرودا من أفضل شعراء القرن العشرين في جميع لغات العالم»، أصدر مجموعة «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» عام 1924، أي في بدايات تشكل هويته الثقافية وتجربته الأدبية، وفيها رفع الشاعر التشيلي الكبير راية التحدي في وجه الظلم والمهانة، وتتكون هذه المجموعة من 20 قصيدة كما يتضح من عنوانها، حيث يقول في إحداها، مُصوراً ضعف البشر ومُشبهاً العالم بجسد امرأة:
يا عطشي، يا اشتياقاً لا ينتهي
يا طريقيَ الحائر!
دروبُ مياهٍ مظلمة
حيث العطش الأبدي يستمر
والعناء يستمر
والألم لا نهاية له

الصمت المطبق

نيرودا الذي حاز العديد من الجوائز العالمية أبرزها جائزة نوبل في الآداب عام 1971، كما حاز الدكتوراه الفخرية من جامعة أوكسفورد، والذي كتب عنه الناقد الأدبي، هارولد بلوم: «لا يمكن مقارنة أي من شعراء الغرب بهذا الشاعر الذي سبق عصره»، يسخر في إحدى قصائده من الصمت الدولي المطبق تجاه ما سماه «الظلم والممارسات المريضة»، وفي هذا الإطار يقول في قصيدة «تعجبينني حين تصمتين»:
تعجبينني حين تصمتين لأنك تكونين كالغائبة/ وتَسمعينني من بعيد، وصوتي لا يلامسك/ تبدو عيناك مرتبكتين/ ويبدو أنَّ قبلةً ستطبقُ على فمك/مثل كل ما يمتلئ بروحي/ تُشرقين، ممتلئةً بروحي/ وتشبهين روحي، يا فراشة الحلم/ وتشبهين كلمةَ كآبة.

نقد ذاتي

لم يكتفِ الشاعر التشيلي الكبير الذي كان شيوعيَّ التوجه، بانتقاد العالم على صمته مما يحدث، بل عمد إلى النقد الذاتي، واعتبر نفسه جزءاً من ذلك العالم الصامت الذليل، ملقياً اللوم على نفسه لأنه أضاع حبه ووطنه، فيقول في قصيدة «أستطيع أن أكتب الأشعار»:
في الليلة نفسها التي تبيَضُّ فيها الأشجار نفسها/ نحن، اللذَيْن كنّا آنذاك، لم نعد كما كُنّا/ لم أعُدْ أُحبها، صحيحٌ، لكنْ كمْ أحببتها/ كان صوتي يبحث عن الريح كي يلامس سمعَها/ ستكون لآخَر. لآخَر. مثلما كانت من قبْل لقبلاتي/ صوتها، جسدها المضيء. عيناها اللانهائيتان/ لم أعُد أُحبها، صحيحٌ، لكنْ ربّما أحبها/
كم هو قصيرٌ الحب، وكم هو طويلٌ النسيان.

طريق العودة

كان الحزن والكمد والحنين سمات طاغية على قصائد المجموعة، وفيها كان نيرودا يبحث عن طريق العودة إلى الوطن والدروب المؤدية إلى أحضانه، حيث يقول في قصيدة «لقد فقدنا حتى هذا الشفق»:
رأيت من نافذتي
مهرجان الغروب فوق الربى البعيدة
ومثل قطعة نقود
تتّقد شذْرَةٌ من الشمس بين يديّ
لماذا يداهمُني كل هذا الحب
عندما أشعر بالحزن، وأَشعرُ بكِ بعيدة؟
اختار نيرودا عنوان «أغنية يائسة» ليختتم بها مجموعته الشهيرة، وفيها يتحدث عن موت حب التسامح في قلوب البشر، وكيف تسبب الحروب بتدمير العالم الجميل وتحوله إلى أنقاض أشبه بنهاية البشرية، حيث يقول:
يلحّ تذكُّركِ في الليلة التي أنا فيها
يَمزج النهرُ بالبحر نواحه العنيد
مهجورٌ مثل الأرصفة وقت السَحَر
إنها ساعة الرحيل، أيها المهجور!
تُمطر فوق قلبي تويجاتٌ باردة
يا مثوىً للحطام، يا كهفاً مفترساً للغرقى!
تتراكمُ فيكِ الحروب والأجنحة المحلّقة
ومنكِ تنهض بأجنحتها عصافيرُ الغناء
فيكِ غَرِقَ كلُّ شيء، مثل البعد
مثل البحر، مثل الزمن. فيكِ غَرِقَ كل شيء!

الرحيل الأبدي

مجموعة «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» لم تكن وحدها ذات طابع حزين ومؤلم بين أعمال نيرودا، فقد عاصر الشاعر التشيلي معظم الحروب والأحداث التي عصفت ببلاده وبالعالم خلال القرن العشرين، كما كان من أبرز النشطاء السياسيين، وعضواً بمجلس الشيوخ ومرشحاً سابقاً للرئاسة في تشيلي، ومثَّل بلاده في العديد من دول العالم مثل الهند، إندونيسيا، المكسيك، الأرجنتين، إسبانيا وفرنسا، ومن أبرز الأحداث التي تركت جراحاً غائرةً في نفسه، مقتل صديقه المقرب الشاعر الإسباني الكبير فيديريكو جارسيا لوركا عام 1938 على يد جنود الدكتاتور الإسباني «فرانكو»، فضلاً عن مقتل صديقه الآخر، الرئيس التشيلي المنتخب آنذاك سلفادور أليندي، الذي أطاح به قائد الجيش أوجستو بيونشيه، وقتله داخل القصر الرئاسي عام 1973، وقد توفي نيرودا بعد مقتل أليندي ببضعة أيام، وكان آخر الجمل، وربما آخر جملة في كتاب سيرته الذاتية: «لقد عادوا ليخونوا تشيلي مرة أخرى».

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

"منفستو الديك النوبي".. إدانة صارخة لفساد السلطة والمجتمع

2020-06-02

عبر مزيج واقعي وغرائبي تسرد رواية "منفستو الديك النوبي" للروائي السوداني عبدالعزيز بركة ساكن، قضايا اجتماعية وسياسية ودينية وثقافية، وتدين جهات عديدة تتشابك مصالحها الفئوية على حساب مصالح الفقراء، ويظهر رئيس الدولة كدمية ومهرج أو زعيم عصابة مهمتها النهب والقتل وإدارة شؤون الفساد لا إدارة شؤون البلاد.

الحالة الديكية

تُعتبر شخصية فتح الله مثالاً على ظاهرة متفشية، فهو لم يكن "الحالة الوحيدة التي أصيبت بداء الديك، بل ظهر في البلاد كلِّها ما يُعْرف ﺑ(الحالة الديكية)، وهي أقرب لما يُسمَّى ﺑ(جنون البقر)، حتى أطلق عليه بعض الأصحاء الساخرين؛ أيْ الذين لم يُصابوا به: جنون الديك".

رغم كل البؤس لم تخلُ الرواية من شخصيات إيجابية لا يؤثر فيها المال كأحمد زكي ورشا وأمها

ومن الأمثلة على تفشي الحالة الديكية أن منفستو الديك النوبي يتكون من عبارة واحدة، على لسان ضمير الجمع المتكلم: "نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة"، تتكرر مراراً، وقراءتها على هذا النحو تجعل القراء شركاء في هذا العهد وجزءاً من هذه الظاهرة.

دولة الفساد

تخضع إدارة الدولة في هذه الرواية لاعتبارات الفوائد أو الخسائر الشخصية لبعض أركانها؛ فشخص واحد يتسم بثلاث صفات: (الشيخ السياسي الطبيب)، هو من "أقنع المؤسسة الدينية بتحريم الضغوط عندما استيقظ ذات صباحٍ ووجد ابنته سُهى تنام وتحت شفتها السُّفلى كُرةٌ لزجةٌ بائسةٌ منه، وكان يعلم العلاقة بين سرطان اللثة وهذه المادة النطرونية المخدرة، ولكن وزير المالية الذكيَّ أقنع الجميع بأن ذلكَ سيفقد الدولة المفلسة ١٧% من الدخل القومي، ويفقر ألفين من التجار الوطنيين، ومنهم خمسون سياسيّاً مشهوراً، وما لا يقلُّ عن مليوني تاجرٍ محلي، فتراجعت الفتوى الدينية من التحريم إلى الكراهية، ثمَّ إلى التحليل الخجول".

غلاف رواية مانفستو الديك النوبي

أمل وسط البؤس

رغم كل البؤس لم تخلُ الرواية من شخصيات إيجابية لا يؤثر فيها المال مثل أحمد زكي، ورشا وأمها؛ ومن قضايا الفساد التي جعلت رشا تنحاز للمعارضة "سوء إدارة الموارد والفساد المؤسسيِّ المستشري في البلاد، والحروب الكثيرة التي تديرها الدولة، في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، محرقة النخيل في الشمالية، إغراق آثار الحضارات النوبية بالسدود الغبية، والفقر المدقع لفئةٍ والثراء الفاحش لفئةٍ أخرى، الغلاء والاحتكار.. الرئيس الوحيد الأبدي الفائز دائماً في كلِّ دورات الانتخابات، التزوير في الاقتراحات العامَّة، اغتصاب وجلد البنات، جرائم الحرب، قرارات الولاة المتخبطة، ختان الإناث، سرقة المال العام، مفاخذة الرضيعات وزواج القاصرات، المحسوبية والعنصرية التي تفرخها خطابات المسؤولين وجرائدهم، المحاباة..".

للمثقفين نصيب من النقد عندما تستعملهم الدولة في الوشاية بزملائهم فهم أقدر على قراءة نيات بعضهم البعض

والمثال على عدم ثقة المواطن في الحكومة يأتي من خلال الخاتمين والتماثيل الأثرية التي تحتفظ بها رشا وأخوها (السر) من أجل إعادتها إلى المتحف القومي "في اليوم الذي تكون فيه حكومةٌ وطنيةٌ تحترم تاريخ وإرث البلد".

وتبحث الرواية في أسباب التمرد فترجعها إلى التاريخ، "الرجال يحملون السلاح ويحاربون الحكومة وهي عدوُّهم الوحيد والدائم، إنهم متمرِّدون بالسليقة، ودائماً ما يشتكون من ظلم السلطة المركزية لهم، ويتبعون أوَّل من يسعى لقتالها.. عداءٌ موروثٌ منذ السلطنة الزرقاء التي كانت تقوم بغزوات البشر لاستخدامهم كرقيقٍ وجنود، وأيضاً كموردٍ لدخل الدولة، حيث يتمُّ تصديرهم للعالم الخارجي، وبيع البقية في الأسواق المحلية".

مصالح تجمع الجميع

ومن صور فساد المؤسسة العسكرية نجدها في صفقة فتح الله مع الجيش بواسطة صهره الجنرال، وفيها يتم شراء عربات جيب أمريكية من الجيش وصيانتها وإعادة بيعها للجيش بمبالغ خيالية، وتدين الرواية حزب المؤتمر الوطني، فهو "ليس فكراً سياسيّاً وليس ديناً وليس طريقة تفكير أو أسلوب حياة، هو مجرَّد وظيفة لا أكثر، وظيفة سياسية مؤقتة في الغالب، أيْ ثلة تنتظم مصلحةً ما، أكثر ممَّا تجمعها فكرة، ووقتما انفضَّت المصلحة انفضُّوا".

تظهر الرواية  شخصية رئيس الدولة كزعيم عصابة مهمتها النهب وإدارة شؤون الفساد

وبأسلوب تهكمي تعرض الرواية خطة الحكومة للقضاء على البطالة والتسوُّل ومحاربة العمالة غير المقنَّنة العشوائية، وتجمُّعات المفسدين لاعبي الورق، وذلك من خلال قطع شجرة النيم العملاقة "التي تتمُّ تحت ظلالها الفاسدة تلكَ الأنشطة التي لا ترضي الله ورسوله، وتضرُّ بصحة المواطنين والاقتصاد الوطني".

الدولة في الرواية مليشيا تتصارع مع أخرى على النهب والقتل في دلالة على غياب دولة المؤسسات

لا تقتصر الرواية على إدانة السلطة السياسية والعسكرية، فتعرّج  على عبودية القرن الواحد والعشرين بين الشماليين والجنوبيين التي تتجسد في اختطاف الصبي غزال واستعباده من قبل خاطفيه، وللمثقفين نصيب من النقد، فاللواط "شائعٌ في طبقة المثقفين"، وهم وشاة تستعملهم الدولة "في الوشاية بزملائهم المثقفين، فهم أقدر على قراءة نيات بعضهم البعض وتفسيرها تفسيراً صائباً يقود إلى اغتيالٍ أو اعتقالٍ مُبَرَّرٍ ومدعومٍ بالأدلة الدامغة".

للمشاركة:

قصة حب بليغ ووردة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-31

رياض عصمت

يفرح المرء في الغربة حين يصله كتاب باللغة العربية، لأنه يلقي حجراً في بحيرة الذاكرة الراكدة. فوجئت الصبية الأميركية التي حملت لي الكتاب هدية من قريبتها في القاهرة أنني صحت مبتهجا: "هذه سيرة بليغ حمدي وقصة حبه لوردة الجزائرية!".

ضمنت منى البكري، مؤلفة كتاب "رسالة على نوتة موسيقية" صورة الرسالة المرافقة لإحدى باقات الورد التي دأب بليغ على إرسالها لزوجته بانتظام، حتى أن وردة قالت له يوما مداعبة: "بفلوس الورد، يا بليغ، كان زمانَّا بقى عندنا عمارة!" لكن المأساة أن الطلاق كان مصير زواج فني دام قرابة سبع سنوات فقط، بدءا من 11 مارس 1973.

لكن الحب الذي بدأ بالتوهج تحت الرماد قبل ذلك بعدة سنوات كان أبرز العوامل التي أكسبت ألحان بليغ حمدي سمتها العاطفية القوية منذ "حب إيه" لأم كلثوم، التي طلبت من الموسيقار محمد فوزي أن يلحنها لها لتخرج عن الطابع التقليدي، فرشح لها بليغ بديلا عنه، لتنال "حب إيه" في ديسمبر 1960 نجاحا كبيرا، ثم تنازل محمد فوزي لبليغ حمدي ثانية عن تلحين أغنية "أنساك" بنبل، قائلا لأم كلثوم إن بليغ لحن القصيدة أفضل منه وهو جالس في مكتبه.

أخذ بليغ يبث عبر ألحانه لأم كلثوم عن بعد مشاعره تجاه وردة التي لم تكتب له الأقدار الاقتران بها، فلحن لها "سيرة الحب"، "ألف ليلة وليلة" و"فات الميعاد." علقت أم كلثوم بعد أن غنت من ألحانه "بعيد عنك" ممازحة: "أنت عاملني كوبري للبنت بتاعتك، يا بليغ؟".

حين تقدم بليغ لطلب يد وردة، رفض والدها ومعظم أخوتها عرضه بشدة. سرعان ما غادرت وردة مصر مع عائلتها حين أمر الرئيس عبد الناصر بترحيلها إثر إشاعة زائفة عن علاقة تربط المشير عامر بها.

في الجزائر، تزوجت مسؤولا كبيرا أرغمها على اعتزال الغناء لتصبح أما لطفلين. شاءت الأقدار أن يأمر الرئيس الجزائري هواري بومدين أن تغني وردة قصيدة في عيد الاستقلال في عام 1972. كان المفترض أن يلحن القصيدة الموسيقار رياض السنباطي، لكن مرضه جعله يدعو بليغ حمدي كي يتولى عنه التلحين وقيادة الفرقة الموسيقية في الاحتفال المذكور، خاصة أن بليغ نجح في منافسته ومحمد القصبجي في التلحين لأم كلثوم.

منذ ذلك اللقاء الذي رسمته الأقدار بين بليغ ووردة في الجزائر، صار الخيار أمام وردة إما أن تدفن طموح الفن إلى الأبد، أو تنفصل عن زوجها لتتابع حلمها الفني. اختارت وردة فنها، فحصلت على الطلاق وعادت إلى مصر لتصبح نجمة شهيرة غير متوقعة أن يحرمها زوجها من ولديها طويلا حتى استعادت بصعوبة سماحه لها برؤيتهما.

كان الزواج بين بليغ ووردة سعيدا في بداياته، لكن تناقض السلوك بين بليغ الفوضوي وبين وردة المنظمة جعل الخلاف يدب بينهما تدريجيا، وأسهم في تعميقه ما أشيع عن علاقات بليغ الغرامية في الإمارات، ورحلاته إلى سوريا، رغم إنكار المؤلفة منى البكري ذلك، داعمة رأيها بحماسة عبر إثباتات وشواهد، وإن كانت واهية.

اتسم طبع بليغ حمدي بالإخلاص لأصدقائه، والتسامح مع من أساء إليه، حتى أنه غفر ذات مرة للملحن محمود الشريف انتقاده الحاد، وذهب إليه بنفسه عندما داهمه المرض ليكلفه بتلحين ثلاث أغنيات لوردة ويسدد له ثمنها سلفا.

لم يقصر بليغ يوما في زيارة والدته وطلب رضاها، كما احتفظ بعلاقة طيبة مع أشقائه وأبنائهم وبناتهم. ظل بليغ حتى آخر لحظات حياته محتفظا بصورة ابنة وردة التي أحبها كابنته تماما، في حين ظل ابن وردة رافضا له وناقما عليه لأنه اعتبره المسؤول عن حرمانه من أمه. كان الجرح العميق في نفس بليغ أنه لم يرزق بطفل من وردة، التي حملت منه وملأت نفسه بالأمل في أن يصبح أباً.

عرف عن بليغ حمدي حسه الوطني العالي. عقب نكسة 1967 اشتهرت أغنية للمطربة شادية بعنوان "قولوا لعين الشمس ما تحماشٍ" من تلحينه. أما عقب اندلاع حرب 1973 مباشرة، فهرع إلى الإذاعة المصرية بدافع الحماسة ليجمع عددا من الموسيقيين وينتج على حسابه الخاص أغنية لمصر.

بين أهم نجاحات بليغ وعبد الحليم عدد من الأغاني الوطنية، منها "المسيح" و"عدى النهار"، اللتين شدا بهما "العندليب" على مسرح "ألبرت هول" في لندن. تذكر مؤلفة الكتاب منى البكري نقلا عن باحثة أجنبية أن الرقم الحقيقي لألحان بليغ حمدي يناهز 3000 لحنا. لحّن بليغ موسيقى عدد كبير من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والإذاعية وكان حلمه أن يطور فن الأوبريت.

اتسم طبع بليغ حمدي بالعفوية والكرم الناجمين عن نشأته في الصعيد، لكن ذلك انعكس على سلوكه الفوضوي، حتى أنه نسي موعد زفافه من وردة وهو بصحبة عبد الحليم في لبنان، ونسي مرة أخرى محمد رشدي في بيروت وعاد وحده إلى مصر.

في إحدى الحفلات، دأب بليغ على التنقل بين زاويتين مختلفتين منهمكا في الكتابة، فسألته وردة معاتبة عما يفعل. أجاب إنه يلحن أغنيتين مختلفتين، واحدة لشادية والأخرى لنجاة! في حفلة أخرى، لم يتردد في كتابة نوتة خطرت بذهنه على كم قميصه الأبيض.

إذا عدنا بالذاكرة إلى قيام الموسيقار محمد عبد الوهاب تلبية لرغبة الرئيس عبد الناصر بالتلحين لأم كلثوم أغنيتها الناجحة "أنت عمري" في عام 1964، لأدركنا صعوبة التحدي أمام بليغ في مواجهة "موسيقار الأجيال"، الذي جاراه في التلحين لعبد الحليم حافظ. لحن بليغ لحليم ثلاثين أغنية وربطته معه علاقة صداقة قوية، بالرغم من كون حليم صديقا لملحنين موهوبين آخرين هما محمد الموجي وكمال الطويل، وشريكا لعبد الوهاب في شركة "صوت الفن". لم تكن المنافسة سهلة، إذ كان هناك أيضا منير مراد ومحمد سلطان ومحمود الشريف والسيد مكاوي وعمار الشريعي، إضافة لصلاح الشرنوبي الذي لحن لوردة فيما بعد عددا من أجمل أغانيها.

اعترفت وردة بعد وفاة طليقها في إحدى المقابلات أنها لم تكن لتحقق النجاح الساحق في مصر والعالم العربي إلا بفضل موهبة بليغ حمدي الفذة. لا تقتصر إنجازات بليغ حمدي على 72 أغنية لحنها لوردة ذات العينين السوداوين، منها أغاني بعض أفلامها ومسلسلاتها التلفزيونية، فقد لحن أيضا لمطربات كثيرات، نذكر منهن شادية، فايدة كامل، نجاة الصغيرة، فايزة أحمد، سميرة سعيد، أصالة نصري وميادة الحناوي، (التي كتب ولحن لها أجمل أغانيها "كان يا مكان"، التي حمَّلها رسالة حزنه لفراق وردة). لحن بليغ أيضا لمطربين كثر، منهم محمد رشدي، محرم فؤاد، وديع الصافي، أحمد عدوية، محمد منير، علي الحجار، هاني شاكر، فهد بلان وسواهم.

تذكر مؤلفة الكتاب أن بليغ هو من أول من أدخل آلة الغيتار الكهربائي إلى الفرقة الموسيقية الشرقية بأداء عمر خورشيد. تعاون بليغ مع عديد من الشعراء، نذكر منهم صديقه محمد حمزة، عبد الرحمن الأبنودي، عبد الرحيم منصور، عبد الوهاب محمد، مأمون الشناوي، مرسي جميل عزيز، أحمد شفيق كامل، سيد مرسي، فضلا عن تأليفه بنفسه كلمات بعض الأغاني. ربطت بين بليغ والصحفيين وجدي الحكيم ومحمود عوض صداقة متينة، فكتب الأخير أبلغ رثاء له.

شن المحافظون في الصحافة حملة ضارية على بليغ بسبب سقوط مطربة مغربية من شرفة منزله، رغم أنه لم يكن متواجدا مع ضيوف حفلته بسبب الإرهاق. خلال وجوده في غرفة نومه، ركضت المطربة إلى الشرفة إثر مشاحنة مع صديقها مهددة بالانتحار، فاختل توازنها وسقطت. صدر حكم قضائي بسجن بليغ عاما، ولم يفلح محاميه في كسب الاستئناف، فاضطر بليغ للعيش في باريس بعيدا عن معشوقته مصر، حزينا ويائسا أمام حملة إعلامية رهيبة شوهت سمعته، إلى أن بدأت صحته بالاعتلال. بعد سنوات من جهود وردة وصديقاتها، وافقت السلطات أن يقضي بليغ ليلته الأولى لدى عودته إلى مصر في منزله ريثما يصدر حكم محكمة النقض.

لحسن الحظ، صدر الحكم بالبراءة، إنما بعد فوات الأوان. لم يطل الزمان بالفنان مرهف الإحساس ـ الذي قورن بسيد درويش واعتبر أمل الموسيقى العربية ـ فدفع ثمن معاناته باعتلال صحته. أصاب السرطان كبده، ولم يفلح علاجه في باريس، ففارق الحياة في عام 1993 عن عمر ناهز 62 عاما. نقل جثمان بليغ ليشيع في مصر، وودعه في جنازة مهيبة مشاهير الفنانين والإعلاميين وعديد ممن ندموا لإساءتهم إليه. عانت وردة بعد رحيل بليغ من مرض القلب، وظلت مخلصة لذكراه، مشيدة بفضله كفنان وزوج، إلى أن وافتها المنية في باريس في عام 2012. كان ذلك ختام قصة حب بدأت في 11 مارس 1973.

عن "الحرة"

للمشاركة:



مناوشات في جلسة مساءلة الغنوشي.. ونواب: زعيم النهضة خطر على أمن تونس القومي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

شهد البرلمان التونسي، في جلسته المنعقدة اليوم، مشادات كلامية بين نواب محسوبين على تنظيم الإخوان ونظرائهم ممن يرفضون ممارسات رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وتدخلاته التي تضر في بلدهم، حول آلية إدارة جلسة مساءلة الغنوشي أمام البرلمان بشأن تحركاته الخارجية التي باتت تهدد دبلوماسية تونس.

جلسة مساءلة الغنوشي تشهد مشادات كلامية بين نواب محسوبين على الإخوان ونظرائهم ممن يرفضون ممارسات الغنوشي

واتهم أعضاء بالبرلمان حركة النهضة الإخوانية بالسعي لتقليص الوقت المتاح للنواب لمساءلة الغنوشي، فيما توعد برلمانيون بتقديم إثباتات تزعج الحركة، ولوح آخرون بسحب الثقة من الغنوشي، بعد استيفاء الشروط القانونية، وفق ما نقلت شبكة "سكاي نيوز".

وقبيل انطلاق الجلسة أكدت النائبة عبير موسي أنّها ستكشف عن تعمد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي تنفيذ الأجندة الإخوانية، مؤكدة أنّ العديد من النواب تعهدوا بالإمضاء على عريضة سحب الثقة منه.

كما تعهّدت رئيسة كتلة الدستوري الحر بالكشف عن "تعمد الغنوشي تجاوز صلاحياته في السياسة الخارجية، وتمكين سياسة المحاور من التغلغل في تونس وتوريطها في زعزعة استقرار المنطقة" وفق تعبيرها.

ورغم أنّ العديد من النواب تعهّدوا بالتوقيع اليوم على عريضة سحب الثقة من رئيس البرلمان، بحسب موسي، إلا أنها أشارت إلى وجود "ضغوطات تُمارس على بعضهم".

عبير موسي: الغنوشي تعمد تنفيذ الأجندة الإخوانية، والعديد من النواب تعهدوا بالإمضاء على عريضة سحب الثقة

وقالت موسي إنّ "النواب أصبحوا مقتنعين بضرورة سحب الثقة من الغنوشي وبأنّ بقاءه على رأس السلطة التشريعية خطر على البرلمان وعلى المصلحة العليا للبلاد وعلى الأمن القومي التونسي".

ويمثل الغنوشي رئيس حركة النهضة الإخوانية أمام الكتل البرلمانية للإجابة عن أسئلتهم المتعلقة بأسرار علاقته بالتنظيم الدولي للإخوان وتحركاته المشبوهة في محيط الجماعات المسلحة الناشطة في ليبيا والمدعومة تركياً وقطرياً.

ويخضع الغنوشي لمساءلة كتل كل من: الدستوري الحر (18 مقعداً)، وتحيا تونس (14)، وقلب تونس (26)، والديمقراطية (40)، والإصلاح الوطني (15)، والمستقبل (10)، والكتلة الوطنية (10).

للمشاركة:

الخطوط القطرية تخوض معركة مع شركتي إيرباص وبوينج.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

تواجه شركة الخطوط القطرية أزمات كثيرة بسبب المقاطعة الخليجة التي تدخل عامها الثالث، فضلاً عن جائحة كورونا التي ألقت بظلالها السلبية عليها.

أكبر الباكر يطلب من شركتي إيرباص وبوينج بتأجيل تسلم طائرات بسبب تبعات فيروس كورونا

وبدأت الشركة الحكومية منذ الشهر الماضي بمحاولة لملمة شتات ما تبقى منها بفصل المئات من الموظفين، ظناً منها أنّها ستتجاوز الأزمة، لكن مع تزايد حالات فيروس كورونا في قطر أخذت الأزمة في التصاعد، مما سبب عدم الالتزام من قبلها مع شركات تصنيع الطيران. 

وفي هذا السياق، حذّر الرئيس التنفيذي للخطوط القطرية، أكبر الباكر، أمس، شركتي إيرباص وبوينج من رفض طلبات شركة الطيران بتأجيل تسلم طائرات في معركة على من سيتحمل وطأة أزمة فيروس كورونا، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".

وتجري شركة الطيران التابعة للدولة، التي عُرف عن رئيسها التنفيذي انتقاد التأجيلات من جانب شركات صناعة الطيران، محادثات مثل العديد من المنافسين لتأجيل التسليمات بسبب تداعيات الأزمة.

وقال باكر: "نتفاوض مع بوينج وإيرباص لتلبية طلبنا للتأجيل ونأمل في أن يلتزم كلا المنتجين".

وأضاف "لا تملكان بديلاً عن القبول وإذا جعلا الالتزام صعباً... لن نقوم بالعمل معهما مجدداً".

وذكر الباكر أنّه يأمل في التوصل لاتفاقات مع الشركتين، والا ستلغي شركة الطيران الطلبيات إذا لم يكن التأجيل ممكناً، مؤكداً أنّ الشركة ستبيع الطائرات الخمس التي تم تسليمها وتأمل التوصل "لاتفاق" بشأن الطائرات التي طلبتها.

وطلبت الخطوط القطرية طائرات بعشرات المليارات من الدولارات من أكبر شركتين لصناعة الطائرات في العالم.

ولكن بعد تهاوي الطلب على السفر جواً، تقول الشركة إنه لا يوجد مجال لإضافة طائرات جديدة وإنها ستقلص أسطولها المكون من نحو 200 طائرة.

وامتنعت بوينج عن التعقيب. وقالت إنّ المناقشات مع العملاء سرية.

للمشاركة:

المسماري: هذه شروط القبول بالعودة لطاولة المفاوضات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

أكد الناطق باسم الجيش العربي الليبي، اللواء أحمد المسماري، أنّ قبول الجيش للمفاوضات مشروط بانسحاب مرتزقة أردوغان، وحل ميليشيات حكومة الوفاق، مشيراً إلى أنّ ما يقوم به الجيش حالياً هو محاربة الإرهاب المدعوم خارجياً.

قبول الجيش للمفاوضات مشروط بانسحاب مرتزقة أردوغان وحل ميليشيات حكومة الوفاق

وقال المسماري، في لقاء "أون لاين" مع عدد من الصحفيين المصريين أمس، إنّ هناك اقتراحاً لعقد مفاوضات من قبل الأمم المتحدة ورحب بها الجيش العربي الليبي بشروط أبرزها؛ انسحاب الأتراك والمرتزقة، وحل ميليشيات الوفاق، وعدم شمول داعش أو النصرة بوقف إطلاق النار، وفق ما نقلت صحيفة "اليوم السابع".

وأعرب عن عدم تفاؤله، قائلاً "لا أتوقع النجاح لهذه الجهود بسبب عدم التزام الوفاق بهذه الشروط، مما قد يعني أنّ الجيش الوطني الليبي سيواصل عملياته في هذه الحالة".

وأضاف أنّ ما يقوم به الجيش الليبي حالياً محاربة الإرهاب المدعوم من دول خارجية وهذا التوصيف لا تستند إليه الأمم المتحدة والغرب، ولو تبنوه لتم حل الأزمة الليبية.

وتابع "القول إنّ هذه معركة سياسة أو معركة على السلطة"، توصيف غير صحيح، مشيراً إلى أنّ العالم بدأ يقتنع بوجود تنظيم داعش في ليبيا وأنّ جماعة الإخوان التي تسيطر على حكومة الوفاق بطرابلس، تنظيم خطير يخرج من عباءتها حركات التطرف والعنف.

المسماري: العالم اقتنع بوجود داعش في ليبيا وأنّ تنظيم الإخوان يخرج من عباءته حركات التطرف والعنف

وانتقد تخاذل المجتمع الدولي إزاء تهريب تركيا السلاح والمرتزقة إلى ليبيا، قائلاً "إنّ ليبيا تعرضت لأكبر عملية تهريب أسلحة من تركيا وتشمل، مدفعيات الميدان المتطورة، والطائرات المسير والدبابات أم 60 ".

وقال المسماري، إنّ تركيا أرسلت إلى ليبيا مرتزقة ينتمون للتنظيمات المتطرفة مثل الإخوان والنصرة وجماعات مثل حراس الدين، ومما يعرف بالجيش الوطني السوري، محذراً من أنّ أردوغان يجند مرتزقة من شمال سوريا في ليبيا، ولو نجح في ليبيا سيجند شباباً من ليبيا وسوريا في دولة أخرى.

وقال: "إننا نتعامل مع التدخل التركي الذي جاء إلى ليبيا تحت الطاولة منذ عدة أعوام، ولكن الآن أصبح الوجود التركي أمام الناس علنا، لقد دمرنا كثيراً من الطائرات المسيرة التركية، وأنهينا أسطورة أردوغان التي يتباهى بها".

وحول إعلان تركيا عزمها التنقيب عن الغاز والنفط في ليبيا، قال: "إنّ تركيا ليس لديها شركات كبرى في مجال النفط والغاز، وليبيا لديها عقود للاستكشاف والتنقيب عن النفط في المياه الإقليمية مع شركات دولية".

تركيا أرسلت إلى ليبيا مرتزقة ينتمون للتنظيمات المتطرفة مثل الإخوان والنصرة وحراس الدين

وأضاف أنّ هذه المشكلة ليست مشكلة ليبيا فقط، بل تتعلق بالمجتمع الدولي وخاصة الشركات المستثمرة في ليبيا مثل "إيني" الإيطالية و"توتال" والشركات الأمريكية الأربع والشركات الصينية.

وقال "إننا نرفض جميع ما وقع من اتفاقات مع تركيا من قبل السراج، ولن نرضى أن تكون ليبيا مصدر تهديد لدول جارة وسنحافظ على تعاقدتنا مع الشركات الأجنبية".

وبخصوص الحديث عن تحول في الموقف الأمريكي تجاه الأزمة الليبية، قال "إنّ الموقف الأمريكي جاء بعد إعلان تركيا التنقيب عن النفط والغاز في ليبيا ولم يذهب في اتجاه السراج بل المحافظة على المصالح الأمريكية".

وعن الموقف الروسي، قال إنّ روسيا أصبحت أقوى إقليمياً خاصة عبر دورها في سوريا، وأردف قائلاً: "لا نعلم شيئاً عن تنسيق روسي تركي، وعلاقتنا بروسيا علاقة جيدة وقديمة، وهي لم تتدخل في 2011 في ليبيا، ولم تساعد الإخوان في السيطرة على ليبيا".

وقال: "نحن جاهزون دوماً لاستخدام السلاح الروسي الذي تعود عليه الجيش الليبي، وننظر للعلاقات الروسية أنّها علاقات صداقة قديمة ونرجو أن يتم رفع حظر السلاح إلى ليبيا".

وحول موقف القيادة العسكرية الليبية من فكرة إقامة قواعد أجنبية في لييبا، قال "نرفض وجود قواعد في بلادنا حتى لاتكون ليبيا طرفاً في صراع دولي".

وأضاف "أردوغان يقوم حالياً بتجهيز قاعدة الوطية العسكرية في الشمال الغربي الليبي ليستخدمها، ولكن الأمر لن يستمر لفترات طويلة، وستسمعون أنباء سارة بشأن الوطية".

وحول الموقف الجزائري والتونسي، قال إنّ الموقف الجزائري لا نستطيع أن نحدد اتجاهاته، أما الموقف التونسي فهو موقفان، فهناك موقف 70% من الشعب التونسي المؤيد لوحدة ليبيا، وهناك موقف راشد الغنوشي والإخوان وهو لايعمل لصالح تونس بل تحت راية جماعة الإخوان.

للمشاركة:



حول طلب السودان استقدام بعثة أممية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

بابكر فيصل

تقدم رئيس وزراء الحكومة الانتقالية في السودان، عبد الله حمدوك، في فبراير الماضي بطلب للأمم المتحدة لإرسال بعثة لتساهم في تحقيق السلام وتعزيز التحول الديمقراطي في بلده اعتمادا على ما يقره الفصل السادس من ميثاق المنظمة الأممية.

لا شك أن الوثيقة الدستورية الحاكمة لمرحلة الانتقال في السودان قد منحت مجلس الوزراء صلاحيات تخول له الحق في طلب مثل هذه البعثة من الأمين العام للأمم المتحدة، حيث تنص الفقرة الثانية من المادة السادسة عشر في الوثيقة على أن صلاحيات المجلس تشمل: "العمل على إيقاف الحروب والنزاعات وبناء السلام".

يعيش السودان أوضاعا متردية من كافة النواحي الاقتصادية والسياسية والتنموية وحتى البشرية جراء السياسات التي اتبعها النظام الإسلاموي الشمولي الذي أسقطته ثورة شعبية عارمة العام الماضي وهو الأمر الذي جعل البلد عاجزة عن تحمل تبعات ذلك الوضع دون مساندة المجتمع الدولي.

على الرغم من هذه الدوافع والخلفيات الواضحة لطلب رئيس الوزراء إلا أن قوى النظام الإسلاموي البائد شنت هجمة إعلامية منظمة لتصوير الخطوة وكأنها تدخل سافر في السيادة الوطنية واستدعاء لجيوش الاستعمار، في الوقت الذي يعلم فيه القاصي والداني أن نظامهم الاستبدادي هو الذي فرَّط في السيادة حينما ارتكب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور مما اضطر المجتمع الدولي لأن يضع السودان تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة وإرسال بعثة لحفظ السلام في ذلك الإقليم.

من المعلوم أن الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة يعنى بمعالجة وحل النزاعات سلميا كما جاء في عنوانه الرسمي (الفصل السادس ـ في حل المنازعات حلا سلميا) ويحتوي على عدد من المواد بموجبها يحق لمجلس الأمن تقديم توصيات لأطراف النزاع وليس قرارات إلزام، وهذه التوصيات تنطبق على الصراعات بين الدول كما تنطبق على الصراعات الداخلية والحروب الأهلية.

أما الفصل السابع من الميثاق الأمم المتحدة الذي عنوانه "ما يتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان"، فإنه يعنى بحفظ السلام والأمن الدولي وبه من المواد ما يمنح مجلس الأمن صلاحية فرض العقوبات مثل وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية وغيرها كليا أو جزئيا، كما أنها تجيز له أن يتخذ بطريقة القوات الجوية والبحرية والبرية ما يلزم لحفظ السلم والأمن لإعادته لنصابه، وبمعنى آخر تسمح له باستعمال القوة وتكون قراراته ملزمة وليست مجرد توصيات كما في الفصل السادس.

في مطلع العام الماضي طرأ تغيير على عمليات حفظ السلام حيث أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تعديلات في هياكل إدارة حفظ السلام سمح بتقسيمها إلى إدارتين إحداهما تسمى الإدارة السياسية وبناء السلام والأخرى تسمى إدارة عمليات السلام. وهكذا أصبحت مهام بناء السلام تشمل الإشراف على البعثات السياسية الخاصة بمنع النزاعات وبناء السلام في فترات ما بعد النزاع.

الأمر المهم في هذا الخصوص والذي يكمن فيه الرد على ادعاءات قوى النظام الإسلاموي البائد هو أن البعثات المشار إليها يتم إرسالها بناء على طلب ورغبة الدولة المعنية لتنفيذ ما تضعه تلك الدولة من خطط وبرامج وفقا لاحتياجاتها الوطنية مما يعني أن حكومة ذلك البلد هي التي تتحكم بالكامل في عمل البعثة من خلال إنشاء لجنة وطنية تكون مهمتها الإشراف على البعثة حتى تقوم بإنزال الأهداف التي تنشدها تلك الدولة لأرض الواقع.

بناء على ذلك قام السودان بتكوين "اللجنة الوطنية العليا للتعامل مع الأمم المتحدة" التي اطلعت الأسبوع الماضي على مسودة مشروع قرار المنظمة الأممية لإرسال البعثة، حيث صرح وزير الدولة في الخارجية ومقرر اللجنة، عمر قمر الدين، الأسبوع الماضي بأن لجنته قامت بإجراء "التعديلات المطلوبة على مسودة مشروع القرار الأممي ليتوافق مع خطاب حكومة السودان لطلب مساعدات فنية، تمثلت في المساعدة لدعم جهود السلام، والمساعدة على حشد الدعم للمؤتمر الاقتصادي، والمساعدة على العودة الطوعية للاجئين والنازحين، إضافة إلى المساعدة في التعداد السكاني وقيام الانتخابات العامة بنهاية الفترة الانتقالية".

وشدد قمر الدين على مبدأ السيادة الوطنية في التعامل مع المنظمة الدولية وحفظ حق البلاد الأصيل في طلب الدعم بصفته عضوا فاعلا في هيئة الأمم المتحدة موضحا أن برنامج المساعدات المطلوب "لا يتضمن أي مكون عسكري أو شرطي، وأن حفظ الأمن والسلم مسؤولية من صميم أعمال الحكومة السودانية".

من ناحية أخرى، شهد السودان خلال فترة الحكم الإسلاموي الاستبدادي دخول البعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لعمليات السلام في دارفور المعروفة اختصارا باسم "يوناميد" في عام 2007 والتي تم إنشاؤها تحت البند السابع وضمت ما يربو على 20 ألف جندي وشرطي، وما تزال هذه البعثة موجودة في البلاد، ومع ذلك لم يتجرأ الإسلامويون على الحديث عن استباحة السيادة السودانية وعودة الاستعمار، مما يوضح بجلاء أن أصواتهم التي تتعالى ضد طلب رئيس الوزراء ليست إلا مجرد مزايدة للكسب السياسي.

ورث السودان تركة ثقيلة من النظام الشمولي الذي أحكم قبضته على مقاليد الأمور لثلاثة عقود، وقد تمثلت أبرز وجوه تلك التركة في الحروب الأهلية والفساد المستشري فضلا عن التدمير الممنهج لمؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وجميع هذه الأمور تلحق أضرارا كبيرة بعملية الانتقال والتحول الديمقراطي لذا صار من المنطقي أن تطلب الحكومة من المجتمع الدولي مساعدتها بالدعم السياسي والفني حتى تستطيع العبور بالبلاد إلى آفاق الاستقرار والحكم الديمقراطي وتحقيق شعارات الثورة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة والتنمية.

عن "الحرة"

للمشاركة:

تلويح حزب الله بالانقلاب على الدستور

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

محمد قواص

لا يستطيع حزب الله تغيير النظام السياسي في لبنان. لم تستطع قبله الوصاية السورية الثقيلة أن تفعل ذلك. ولا يملك الحزب من موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية ما يسمح له أن يحلم بالأمر. يعي الحزب وأمينه العام حسن نصر الله هذه الحقيقة، وما التهويل بالأمر إلا أدوات لها مقاصد أخرى.

بعد استقلال لبنان عام 1943 كان لا بد لدستور البلاد أن ينتظر حوال خمسة عقود قبل أن يُدخل اتفاق الطائف، المبرم عام 1989، التعديلات التي أنتجت "الجمهورية الثانية" المعمول بها حتى يومنا.

لم تكن الحرب الأهلية (1975-1990) سبب هذه التعديلات بل مناسبة لها، وليست موازين القوى المحلية اللبنانية هي التي فرضت "الطائف"، ولم يتفجر احتراب اللبنانيين أساسا بسبب خلل في دستور البلاد.

قرر العالم وليس المتحاربون إنهاء الحرب اللبنانية. تغيير النظام السياسي والدستور في بلد مثل لبنان يحتاج إلى نظام دولي وإلى انتظام بشأن تحوّل من هذا النوع. اللبنانيون أنفسهم لم يصدقوا أن تصويب الدستور وتقويما لبعض اعوجاجاته أنهيا حربا دموية كثيرة الأطراف وافرة الأبعاد متكاثرة الجبهات.

جاءت إرادات خارجية حاسمة حشرت "نواب الأمة" في مدينة الطائف السعودية، بحيث كان واضحا أن ضغوطا عربية قادتها السعودية، شاركت بها دمشق، وأخرى أميركية، شاركت بها عواصم نافذة (لا سيما فرنسا)، فرضت على الجميع نصا دستوريا خطّه مشرعون لبنانيون وقوة قهر كانت قوات دمشق واجهاتها الجلية.

لا يملك حزب الله هذه العوامل التي تسمح له أن يلمح بالعزم على تغيير "نظام الطائف" (على ما لوّح نصر الله في دعواته السابقة المترددة بالذهاب إلى مؤتمر تأسيسي)، أو الانقلاب على "صيغة 1943" (على ما طالب مؤخرا المفتي الجعفري أحمد قبلان).

لا يستطيع حزب الله أن يفرض على اللبنانيين النظام السياسي الذي يرتئيه. باستطاعة سلاحه أن يرهبهم (وفق روحية "7 أيار" الشهير) وأن يحمي منظومة السياسة والفساد التي تغطي وجوده، لكنه لا يملك أن يلعب بدستور البلاد، فذلك ليس من اختصاصه ولا قدراته، ويحتاج إلى أغطية إقليمية ودولية غير متوفرة.

لا يستطيع حزب الله التعويل على حربه في سوريا، ذلك أن مآلات النظام تمتلكها موسكو وليس طهران، وخيارات نظام دمشق المقبلة لن تتأثر بأنفاس إيران بقدر خضوعها لتسوية تبدو فيها إيران وحزبها اللبناني خاسرين.

يكفي تأمل مفاعيل وتوقيت البدء بقانون قيصر الأميركي لاستنتاج ذلك التقاطع الأميركي الروسي، وربما التركي الإسرائيلي أيضا، لإخضاع سوريا لقواعد تنفخ رياحا بعيدا عن أشرعة سفن جمهورية الولي الفقيه.

يعلم حزب الله ذلك بدقة ولا أوهام لديه في هذا الصدد. تلميحات الحزب ودعوات المفتي قبلان ليست سوى تخاطب داخلي مع الشيعة أنفسهم في السعي لتهدئة تساؤلاتهم حول الطريق الذي أخذهم الحزب، به منذ أن بات دم أبنائهم وقودا للصلاة في القدس، من خلال حروب في سوريا وبلدان أخرى في المنطقة يتقرر إطلاقها في طهران ولمصالح طهران.

تسعى الشيعية السياسية بقيادة حزب الله -بعد أن باتت تجارة تحرير فلسطين تعاني ركوداً لدى الطائفة- إلى إقناع الشيعة بتجارة أخرى توسّع من حصتهم في النظام السياسي اللبناني.

جرى الحديث سابقا، وعلى نحو غير مباشر، عن "المثالثة" بديلاً عن المناصفة بين المسلمين والمسيحيين (التي يفرضها دستور الطائف) على نحو يمنح الشيعة حصصا إضافية تقتطع من الحصص التي أوحى بها ميثاق الاستقلال بين بشارة الخوري (الماروني) ورياض الصلح (السني) على ما باحت كلمات المفتي قبلان به في هذا الشأن.

ولئن تأتي ردود فعل لبنانية رافضة لـ "التأسيسي" والانقلاب على الميثاق والدستور، إلا أن تلك الردود كلاسيكية في معارضتها لحزب الله، لكنها غير قلقة من قدرة الحزب على المسّ بدستور البلاد.

يعرف الشيعة أنفسهم أن "الشيعية السياسية" استولت على "الطائف" منذ بداية التسعينيات. بات نظام البلاد حينها طيّعا بيد حركة أمل بحكم الاستقواء بوصاية دمشق، ثم طيعا بيد حزب الله بحكم الاستقواء بـ "فائض السلاح"، وأن أي حرمان تعانيه الطائفة مصدره القيمين عليها وما يسميه الشيعة أنفسهم "قوى الأمر الواقع". ويعرف الشيعة أيضا أن وعدهم بدستور "منصف" لن يغير شيئا من واقعهم، أولاً لأن الدولة غائبة بسبب هيمنة الدويلة، وثانياً لأن أي تعديل في معادلة تقاسم السلطة والثروة في البلاد يوسع من نفوذ "الأمر الواقع" ولا يبدل شيئا من أمرهم وواقعهم.
يعاني حزب الله قلقا شديدا من هذا القادم المجهول وهو يلمس التبدل الداهم في العراق. استباقا، سيسعى الحزب كل يوم لتقوية عصب شيعي حوله، تارة بتخويفه من الآخر (غير الشيعي) وتارة بإغرائه بزمن شيعي واعد في لبنان.

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

العراق يطلق عملية واسعة لملاحقة "داعش" في كركوك

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-03

أشرف رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، أمس (الثلاثاء)، على إطلاق أوسع حملة عسكرية ضد تنظيم «داعش» منذ توليه منصبه في 6 مايو (أيار) الماضي. وتهدف الحملة التي تحمل اسم «أبطال العراق - نصر السيادة» وتدعمها طائرات التحالف الدولي، إلى ملاحقة خلايا «داعش» في محافظة كركوك والحدود الفاصلة بين هذه المحافظة ومحافظة صلاح الدين المجاورة.
وأطلق الكاظمي العملية خلال زيارة قام بها إلى مقر القيادة المتقدم في كركوك. وأفاد مكتبه في بيان بأنه «أكد أنه في هذه الظروف الصعبة والتحديات العديدة التي يمر بها البلد، فإن أبطالنا من القوات المسلحة بكافة صنوفها تتحدى العدو وتقوم بدور بطولي لتجفيف منابع الإرهاب». وأضاف البيان أن الكاظمي أطلق تسمية «أبطال العراق ـ نصر السيادة» على العمليات التي انطلقت أمس. وأوضح أن عملية «أبطال العراق» تهدف إلى «تعزيز الأمن والاستقرار وتجفيف منابع الإرهاب وملاحقة بقايا فلول (داعش) الإرهابي في مناطق جنوب غربي كركوك والحدود الفاصلة بين محافظتي صلاح الدين وكركوك».
وأعلن جهاز مكافحة الإرهاب العراقي مشاركة التحالف الدولي في عمليات «تدمير أوكار وأنفاق لـ(داعش)» في مناطق مختلفة بالتزامن مع هذه العملية. وقال الجهاز في بيان له إن «تشكيلات جهاز مكافحة الإرهاب، المتمثلة بقيادتي العمليات الخاصة الأولى والثانية، شرعت، بالتزامن مع انطلاق عمليات (أبطال العراق ـ نصر السيادة)، بواجبات تفتيش شملت مناطق قضاء وصحراء الحضر - منطقة جُرف النصر - مناطق جنوب وجنوب غربي بغداد) بإسناد طيران الجيش العراقي وطيران التحالف الدولي». وأضاف أن «تشكيلات الجهاز تمكنت من تدمير كهوف وأنفاق وأوكار وقتل ما بداخلها من الإرهابيين».
كذلك أعلن الناطق الإعلامي باسم القائد العام للقوات المسلحة العميد يحيى رسول أن طيران الجيش والقوة الجوية لهما دور كبير في عمليات (أبطال العراق)». وأضاف رسول في تصريح للوكالة الرسمية للأنباء في العراق أن «صقور القوة الجوية العراقية باشرت مِن ساعات الصباح الأولى بإسناد محاور عمليات (أبطال العراق - المرحلة الثانية) من خلال طائراتهم التي تعزف نشيد النصر في سماء الوطن»، على حد وصفه. وتهدف هذه العملية إلى تفتيش مناطق جنوب غربي كركوك في الحدود الفاصلة مع محافظتي صلاح الدين وكركوك، بمساحة تتجاوز 738 كيلومتراً مربعاً.
وقال الناطق باسم التحالف الدولي، الكولونيل مايلز كاغينز، في تغريدة على «تويتر» أمس، إن «الكل يعمل معاً من أجل تحقيق هزيمة (داعش)، حيث تتضافر جهود أبطال القوات المسلحة العراقية بكل صنوفها مدعومة من صقور القوة الجوية العراقية في ملاحقة فلول (داعش) ضمن عملية (أبطال العراق - المرحلة الثانية)، بينما يواصل التحالف تقديم الدعم الجوي من خلال الغارات الدقيقة».
وفي هذا السياق، يقول الخبير الأمني فاضل أبو رغيف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «مناطق جنوب شرقي كركوك تمثل الحلقة الأكثر تشدداً في العراق؛ لأن التنظيم برمته يكاد يكون في تلك المناطق، بدءاً من تدريس الشريعة إلى وجود مضافات كبيرة جداً، وهي مناطق تتخللها وديان بين محافظتي كركوك وصلاح الدين»، مبيّناً أن «هناك تواصلاً بين ولاية صلاح الدين وولاية دجلة (لدى داعش)، وهذه مناطق خطرة جداً وتُعدّ فعلاً ملاذات آمنة» للتنظيم. وأوضح أبو رغيف أن «عبد الله كركوك، أمير التنظيم الجديد، يعدّ كركوك مثل لقمة الأسد، لأنها تحدها محافظات ساخنة مثل غرب نينوى وصلاح الدين وصحراء تكريت وديالى وصحراء حديثة، وهي مناطق تشجع التنظيم على أن يتعامل مع كركوك بوصفها منطقة ذات مكانة وموقع خاص بالنسبة له، كما أن التنظيم يستفيد كثيراً من الخلافات السياسية في كركوك بين مكوناتها وكتلها وأحزابها».
أما الباحث الأمني هشام الهاشمي فأشار على «تويتر» إلى انطلاق «عمليات عسكرية عراقية لملاحقة فلول (داعش) في جبهات متعددة، بوقت واحد؛ في شمال شرقي ديالى وجنوب غربي كركوك وشرق صلاح الدين وغرب الثرثار وشمال بابل»، مضيفاً أن هذه العمليات تشارك فيها «الوحدات التقليدية للقوات الأمنية و(الحشد العشائري) و(الحشد الشعبي)».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية