من ينتصر: رصانة مصر أم عنجهية تركيا؟

من ينتصر: رصانة مصر أم عنجهية تركيا؟

مشاهدة

15/09/2020

المتابع لأحاديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على مدار الأعوام السبعة الماضية لا يكاد يرصد تصريحات يُسمّي فيها الرئيس تركيا على نحو مباشر، على الرغم ممّا مثلته أنقرة وقتها من مهدّد رئيسي لمصر ومعقل ومموّل لجماعات إرهابية في القاهرة، واعتاد أن يواري تصريحاته تحت مُسمّى "أهل الشر".

اقرأ أيضاً: مصر تهاجم تركيا بعد تصريحات أنقرة الودية... لماذا؟

على النقيض، اعتاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كيل الهجوم الفجّ على مصر وحكومتها، ونعت النظام بـ"الانقلابي"، والوقوف في خطب شعبوية، تستمدّ مادتها الرئيسية من العنجهية، والدفاع عن حقوق الإنسان وحرية التعبير، فيما ينتهكها أردوغان في الداخل.

اعتاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كيل الهجوم الفجّ على مصر وحكومتها

وبين نموذجين من السياسات: الأوّل يميل نحو الرصانة، ويستمدّ فلسفته من "الانضباط العسكري"، والآخر ينهل مادته من الحشد والجعجعة، يبرز تفوّق النهج المصري في تحقيق مآلاته، حيث يبدو النظام المصري أكثر استقراراً من التركي المثقل بملفات خارجية عديدة وطموح جامح، وتنهش الأزمة الاقتصادية في مفاصله.

اقرأ أيضاً: هل تحاول تركيا التقرب من مصر؟ هذا ما قاله مستشار أردوغان

وفيما تترسّخ أقدام مصر في البحر المتوسط باكتشافات هي الأكبر، وتحالفات ممتدة مع كافة الأطراف الفاعلة، تعاني تركيا أزمة وقلقاً من أن تخرج من قسمة مغانم المتوسط بخفّي حنين.

 وأمام ذلك، وفي ظلّ ما تمثله مصر من ثقل إقليمي ورمّانة ميزان في المتوسط، بخطوات ثابتة في أن تصبح مركزاً إقليمياً للطاقة، لن تجد تركيا سبيلاً سوى في التخلي عن العنجهية ومحاولة التقارب مع مصر.

 

نظراً لما تمثله مصر من ثقل إقليمي لن تجد تركيا سبيلاً سوى بالتخلي عن العنجهية ومحاولة التقارب

ولا تتمثل أهمية النهج التركي الأخير فقط في البرهنة على نجاعة النهج المصري الذي ركّز على استثمار ما يملكه وليس الطموح فيما لا يملكه، وإنّما تبرز الأهمية الرئيسية في هدمه للقاعدة التركية الراسخة التي يقوم عليها نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، في ادعاء المبادئ، وتبنّي مشروع شعبوي إسلاموي.

الطعنة التي يمثلها النهج التركي الأخير لجماهيره التي اعتادت على السمع والطاعة والتهليل في الحشود تمتدّ مباشرة إلى عضد فلسفته، وتؤكد أنّ الخطب الرنانة والمواقف العنجهية ما هي إلّا وسيلة لتحقيق طموح ما، لا يتوانى مطلقوها عن تغييرها متى اقتضت الحاجة ذلك.

اقرأ أيضاً: رسالة مصرية ـ فرنسية لتركيا: أمن شرق المتوسط أولوية

والعنجهية التركية لم يُكشف زيفها على المستوى الجماهيري فقط، لكنها فقدت تأثيرها على الساحة الدولية وفي الاشتباكات أيضاً.

ولعل قياس تأثير تهديد واحد للرئيس المصري للتدخل في ليبيا، إذا تجاوزت الميليشيات المسلحة خط "سرت ـ الجفرة" مطلقاً كلمته الشهيرة "هذه المنطقة خط أحمر"، مقارنة بتصريحات عديدة أطلقها الرئيس التركي صوب اليونان، يعكس مدى تأثير التصريحات النادرة حين تخرج مقارنة بسيل دائم من التهديدات المفتقرة إلى أيّ فرص حقيقية للنفاذ.

وفي الأزمتين، تفوقت مصر من جديد، حيث هبّت الأطراف الدولية وضغطت في سبيل حل سياسي تُرسم خطوطه حالياً بمشاورات الرباط "انطلقت في 5 أيلول (سبتمبر) 2020" دون تجاوز الخط الأحمر المصري، في مقابل انسحاب سفينة التنقيب التركية من المنطقة المتنازع عليها مع اليونان في 13 أيلول (سبتمبر) الجاري.

استقرار أمني

وسبب رئيسي في التفوّق المصري في الموقف حالياً على تركيا، يتمثل في قدرة القاهرة على تقويض التهديدات الأمنية التي واجهتها على مدار الأعوام الماضية، والتي تلقى انتقادات حقوقية في بعض جوانبها، غير أنها اتبعتها بفلسفة أنّ "مواجهة الإرهاب والحياة حقّ إنساني أيضاً"، وهو الردّ الذي أطلقه الرئيس المصري في أحد المحافل الدولية حين سئل عن ملف حقوق الإنسان.

تعاني تركيا أزمة وقلقاً من أن تخرج من قسمة مغانم المتوسط بخفّي حنين

اعتبرت القاهرة أنها في حرب ضدّ الكيانات المدعومة من دول خارجية، ورغم أنّ تلك المواجهة كلفتها الكثير من الضحايا، إلّا أنها استطاعت أن تصل فيها إلى الحدّ الذي لا تصبح فيه مادّة للمقايضة.

بمعنى أنّ محاولة تركيا للتقارب مع مصر، ردّت عليها مصر بمطالب ليس من ضمنها رفع يد الدعم عن جماعة الإخوان المسلمين، المصنفة إرهابية في مصر، إذ لم تعد الجماعة محلّ تهديد يُذكر للقاهرة، سوى من محاولات للعب دور المعارضة، يفسده العداء الراسخ من قبل الجماعة للنظام، والذي يشطح في أحيان كثيرة إلى العداء للدولة نفسها.

 وكان مستشار الرئيس التركي ياسين أقطاي قد أكّد على ضرورة الحوار بين القاهرة وأنقرة، بغضّ النظر عن الخلافات، مؤكداً على احترامهم للجيش المصري ووصفوه بـ"الأشقاء"، قائلاً: إنّ تركيا لا تريد المواجهة مع مصر.

في المقابل، هاجم وزير الخارجية المصري سامح شكري في 13 أيلول (سبتمبر) الجاري أنقرة، ووصف دورها في المنطقة بـ"المزعزع للاستقرار".

سبب رئيسي للتفوّق المصري حالياً على تركيا القدرة على تقويض التهديدات الأمنية

وردّاً على محاولات تركيا التقارب مع مصر قال: القاهرة تريد أفعالاً من تركيا وليس أقوالاً، وعدّد شكري مطالب القاهرة في أن تنسحب أنقرة من العراق وسوريا وليبيا، وأن تخفف التوتر القائم في شرق المتوسط، وتتوقف عن سياساتها التوسعية المقوّضة لاستقرار الشرق الأوسط.

وتكتسب تلك التصريحات دلالة مزدوجة عند إطلاقها خلال مؤتمر صحافي لشكري مع وزير خارجية أرمينيا، زوهراب مناتساكانيان. وكانت أرمينيا إحدى الدول في مصبّ نيران تصريحات أردوغان العنجهية إثر مناوشات عسكرية بين أرمينيا وأذربيجان في تموز (يوليو) الماضي، والأخيرة حليفة لتركيا.

فيما تحمل زيارة وزير الخارجية الأرميني إلى مصر في هذا التوقيت الحرج بالنسبة إلى تركيا رسالة مفادها أنّ القاهرة ستتصدّى لأنقرة في مواضع كثيرة، دون عنجهية، وبأسلوب رصين وهادئ؛ أي بالأفعال لا بالأقوال.

الصفحة الرئيسية