مكاسب اليونان وقبرص الاقتصادية من الصدام التركي مع مصر والخليج

مكاسب اليونان وقبرص الاقتصادية من الصدام التركي مع مصر والخليج

مشاهدة

27/10/2021

تشهد العلاقات اليونانية والقبرصية بين الثلاثي العربي (مصر، والإمارات، والسعودية) طفرة كبيرة في التعاون الاقتصادي والعسكري والسياسي، ويُضاف إليهم شركيان آخران، هما؛ البحرين وفرنسا، ويجمع هذه الدول منتدى الصداقة للتعاون بين الخليج وشرق المتوسط "فيليا"، والذي أعلنه وزراء خارجية هذه الدول في اجتماع بالعاصمة اليونانية، أثينا في شباط (فبراير) الماضي.

اقرأ أيضاً: تركيا تعترض على اتفاق دفاعي بين اليونان وفرنسا... ما علاقة شرق المتوسط؟

ولولا العداء التركي لمصر ودول الخليج لما كان بالإمكان كسر الحواجز التاريخية لتعميق العلاقات العربية مع اليونان، والتي طالما راعت الجانب التركي في خلافاته مع اليونان، خصوصاً دول الخليج، بحكم التاريخ الديني والسياسي المشترك، وهو الأمر الأقل تأثيراً في العلاقات المصرية اليونانية، لكن رغم محورية العداء التركي في التقارب العربي اليوناني إلا أنّ هناك عوامل أخرى أساسية، لولاها ما وصلت العلاقات إلى حدّ الصداقة، والاقتراب من وصفها بأنّها تكاد تكون إستراتيجية بين مصر واليونان وقبرص، وفي طريقها لذلك من جانب الإمارات والسعودية والبحرين.

الدورة التاسعة للقمة الثلاثية بين زعماء مصر واليونان وقبرص

ويأتي على رأس هذه العوامل؛ ملف الطاقة، وممرات الملاحة الدولية، والتعاون الأمني، وخلق تكتل اقتصادي سياسي في ظل التحوّلات الدولية، والانسحاب الأمريكي من المنطقة لصالح المواجهة مع الصين.

مصر واليونان وقبرص

جاء التقارب المصري مع قبرص أسبق من اليونان، ففي كانون الأول (ديسمبر) 2013، بعد خمسة أشهر من الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر، بعد ثورة 30 يونيو، وقّعت مصر وقبرص الاتفاقية الإطارية لتقاسم مكامن الهيدروكربون، التي تعدّ توقيعاً لاتفاق سابق لترسيم الحدود بين البلدين، ومكّن ذلك مصر من استكشاف منطقتها الاقتصادية في شرق المتوسط، واكتشاف حقل الغاز الطبيعي العملاق "ظُهر"، عام 2015، وحفزت الإمكانات الهائلة لمخزون الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط الصراع بين تركيا وقبرص واليونان من ناحية، وإمكانات التعاون بين مصر وقبرص واليونان من ناحية أخرى.

يخدم التعاون مستقبل هذه الدول في بناء تكتل اقتصادي متصل عبر الطرق البحرية من الخليج العربي مروراً بالبحر الأحمر وشرق المتوسط وصولاً إلى أوروبا

عام 2014، عقد رؤساء مصر واليونان وقبرص، أول اجتماع للقمة الثلاثية في القاهرة، واستضافت أثينا الدورة التاسعة لهذه القمة الشهر الجاري، وخلال هذه القمم تنامت العلاقات بين الدول الثلاث بشكل غير مسبوق، في مجالات نقل الغاز القبرصي إلى مصر لإعادة تصديره بعد تسييله، وآخرها توقيع اتفاق إطاري بين مصر واليونان لإنشاء كابل بحري لنقل الكهرباء المصرية، إلى أوروبا عبر اليونان، وسبق ذلك ربط مصري مع قبرص.

وتكلل التعاون الثلاثي بتدشين منتدى شرق المتوسط، عام 2019، والذي تحوّل إلى منظمة إقليمية في العام التالي، وتوقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان بعد شهر من إعلان منظمة غاز شرق المتوسط. ويرتبط بذلك التعاون العسكري والأمني بين الدول الثلاث، والذي أخذ شكل توقيع اتفاقيات تعاون عسكري مشترك، وتنفيذ العديد من المناورات والتدريبات العسكرية على أراضي الدول الثلاث، لمختلف أفرع أسلحة الجيوش، وضمّت بعض هذه المناورات الإمارات. وعقدت الإمارات والسعودية مناورات أخرى مع اليونان وقبرص.

الباحث الاقتصادي المصري د. محمد شادي

ويقول الباحث الاقتصادي بالمركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، محمد شادي: تقوم العلاقات المصرية مع اليونان وقبرص على محورين؛ الأول مشروع مصر للتحول إلى مركز إقليمي لتداول الطاقة، ويعتمد ذلك بشكل أساسي على اليونان، كونها أول دولة أوروبية مواجهة لمصر، ولديها محطات إعادة تغييز الغاز المسال، الذي تقوم مصر بتصديره في شكل مسال بعد استيراده من قبرص إلى جانب فائض الاستهلاك لديها، ومن اليونان يصل الغاز إلى أوروبا.

اقرأ أيضاً: تركيا تستفز اليونان بهذه الطريقة... هل تتجهان إلى التصعيد؟

وأضاف شادي، في حديثه لـ "حفريات": اليونان أيضاً هي بوابة الكهرباء المصرية، بعد الربط مع قبرص إلى أوروبا، وستكون اليونان مستقبلاً شريك الربط الأساسي بين مصر والداخل الأوروبي، ومستقبل الدولتين في تداول وعبور الطاقة يقوم على الاعتماد المتبادل، وهو أمر يعزز قيمة اليونان لدى شركائها الأوروبيين.

الخليج واليونان وقبرص

وتشترك السعودية والإمارات والبحرين مع مصر في مواجهة العدوان التركي على الدول العربية، وتأثرت علاقات تركيا السياسية والاقتصادية سلباً، بعد تحوّلها للعداء بعد أعوام طويلة من سياسة صفر مشاكل، جنت خلالها مكاسب كبرى من الشراكة مع جيرانها ومحيطها الإقليمي والعربي، ونتيجة للعدوان التركي زادت العلاقات الخليجية مع اليونان، ووصلت حدّ تدشين منتدى الصداقة بين السعودية والبحرين والإمارات ومصر وقبرص واليونان وفرنسا، ولكن رغم عداوة تركيا لجميع دول المنتدى إلا أنّ هناك عوامل اقتصادية وسياسية وعسكرية مهمة وراء تعزيز العلاقات بين هذه الدول.

اقرأ أيضاً: مصر وقبرص واليونان تدعو تركيا لاحترام القانون الدولي شرق المتوسط... ما الجديد؟

ويشير الباحث محمد شادي إلى أنّ تركيا وقفت عائقاً لأعوام طويلة أمام التقارب الخليجي اليوناني، مستغلة ثقلها في منظمة المؤتمر الإسلامي، والهوية الإسلامية، لكنّ العداء التركي للخليج ساهم في كسر هذا الحاجز، وانطلقت دول الخليج تبحث عن مصالحها مع اليونان.

ويقول شادي: لدى دول الخليج اهتمام مثل مصر باليونان، فلديها مشاريع ضخمة للتحوّل إلى إنتاج الطاقة من المصادر المتجددة، وتطمح، بحلول عام 2035، إلى إنتاج ما بين 350 - 400 غيغاواط من الطاقة، وتريد تصدير هذه الطاقة الهائلة إلى أوروبا، ولهذا تحتاج اليونان بعد استبعاد طريق العراق - تركيا للربط مع أوروبا، بسبب الأزمة السياسية والاقتصادية في العراق، والأزمة السياسية مع تركيا، فضلاً عن إخفاق تركيا في معالجة المسائل السياسية مع أوروبا.

شاركت طائرات سعودية في مناورة عسكرية في اليونان

وأضاف شادي: يدرك الخليج أهمية قيام علاقات قوية مع اليونان بشكل سريع، للوصول لتفاهمات لنقل الطاقة الخليجية عبر اليونان، مروراً بمصر، وإلى جانب ذلك تعدّ اليونان أهم الوجهات السياحية للسياح من الخليج، وتتطلع السعودية إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة لليونان في السياحة الشاطئية والثقافية في التنمية السياحية الكبيرة داخلها.

اقرأ أيضاً: تركيا تهدد اليونان وقبرص... هل انتهى الهدوء الحذر شرق المتوسط؟

وفي 2018، وقّع صندوق الاستثمارات العامة السعودي مذكرة تفاهم مع صندوق رؤية "سوفت بنك" لإنشاء مجمع للطاقة الشمسية، بقدرة إنتاج إجمالية من الطاقة تبلغ 200 غيغاواط، بحلول 2030، بتكلفة 200 مليار دولار، وهي قدرة تبلغ نصف حجم القدرة النووية العالمية أو نصف القدرة الشمسية العالمية عام 2018.

ما هي خسائر تركيا؟

وكان بإمكان تركيا أن تكون أحد أهم معابر الطاقة العربية إلى أوروبا؛ ففي عام 1997 أنهت تركيا الجزء الخاص بها من الربط مع سوريا، التي أنهت الجزء الخاص بها عام 2003، وكان هناك مخطط باسم "الربط الثماني" يربط بين ليبيا ومصر وفلسطين والأردن والعراق وسوريا ولبنان، وصولاً إلى تركيا، وهو ما لم يتحقق لأسباب عديدة، أهمها؛ الاضطرابات التي سادت الدول العربية، عام 2011، والعداء التركي.

الباحث الاقتصادي محمد شادي لـ "حفريات": يدرك الخليج أهمية قيام علاقات قوية مع اليونان بشكل سريع، للوصول لتفاهمات لنقل الطاقة الخليجية عبر اليونان، مروراً بمصر

ويقول الباحث الاقتصادي محمد شادي: مداخل أوروبا من ناحية الجنوب محدودة، وأهم معبرين هما دولتا تركيا واليونان، وبنظرة متأنية على وضع الاقتصاد التركي نجد أنّ ما حققه من مكاسب نتيجة للموقع الجغرافي كدولة على أطراف أوروبا، ووفرة العمالة الرخيصة، ولهذا لعبت تركيا دور المصنع الصغير لأوروبا، فهي تستورد المواد الخام والطاقة وتعيد التصنيع ثم تُصدر، خاصة لأوروبا، لكن بسبب المشاكل مع المحيط الإقليمي بدأت تركيا تخسر هذه المكانة، وهو أمر ملحوظ في واقع اقتصادها، فلم تعد تحصل على المواد الخام والطاقة بأسعار تفضيلية وبسلاسة من محيطها العربي، ومن المتوقع أن تلعب اليونان هذا الدور في ظلّ العجز التركي والعداء مع المحيط وأوروبا، ولهذا اتجه العرب لليونان.

اقرأ أيضاً: لماذا عادت خلافات تركيا واليونان إلى الواجهة؟

ولم تكن هذه الخسائر ماثلة للعيان أمام تركيا، عام 2011، كون معظم التحولات الاقتصادية والسياسية العربية، خصوصاً في السعودية ومصر، جاءت خلال العقد الماضي، في ظلّ العداء التركي لهما، ومن المؤكد أنّ تركيا راهنت على مكاسب اقتصادية عبر التدخل العسكري في البلاد العربية، وكان الإخفاق نصيبها، نتيجة صلابة الموقف المصري - السعودي - الإماراتي، والذي تلاقى في مصالح إستراتيجية مع اليونان وقبرص وفرنسا.

مخطط الربط الكهربائي الثماني

وفي ظلّ التحوّلات الكبرى في مستقبل التنمية في المنطقة كانت تركيا بعيدة كلّ البعد، بسبب سياستها العدوانية، ويبدو أنّها لم تخرج بعد على المستوى السياسي من النظر للعلاقات الخليجية والمصرية مع اليونان وقبرص على أنّها نكايةً فيها.

ويؤكد الباحث الاقتصادي محمد شادي؛ أنّ العلاقات الخليجية والمصرية مع قبرص واليونان مبنية على مصالح اقتصادية، ورؤى مستقبلية بشكل تجاوزت النكاية في تركيا، وخرج العرب من فكرة العداء الإسلامي لليونان، إلى التعاون الإستراتيجي في الاقتصاد والأمن والسياسة.

اقرأ أيضاً: اليونان تعزز قوتها القتالية بـ6 مقاتلات رافال... ما علاقة تركيا؟

إلى جانب ذلك يخدم التعاون السابق مستقبل هذه الدول في بناء تكتل اقتصادي متصل عبر الطرق البحرية من الخليج العربي مروراً بالبحر الأحمر وشرق المتوسط وصولاً إلى أوروبا، وهو ما يعزز تنافسية هذه الدول الاقتصادية، ومكانتها السياسية في ظلّ الانسحاب الأمريكي من المنطقة، والذي لا ترضى عنه هذه الدول، ولهذا فتعزيز الروابط يساهم في تعزيز الأمن المشترك، وخلق مكانة اقتصادية في مواجهة الاقتصاديات الكبرى والتغيرات الدولية المتسارعة.



الصفحة الرئيسية