
ترجمة: عبود الجابري
النيرفانا هي الغاية النهائية، ونهاية كلّ رحلة روحية، وهي رحلة لا يعود منها أحد بعد رحيله ليخبرَك ما هي أو ما تعنيه، وكمن يدخل إلى الأبد بُعدًا مختلفًا له؛ لا نستطيع التواصل معه بأيّ وسيلة، وقد لا يشارك من اختبرَها وما زال على قيد الحياة تجربتَه مع الآخرين تجنبًا لحدوث تشويش على أفكاره، وهذا المفهوم فريد من نوعه في التقاليد الدينية الهندية، وليس في البوذية فقط.
لم يبتكر بوذا هذه الكلمة، بل استخدم مفهومًا موجودًا مسبقًا لشرح التنوير الذي اختبره تحت شجرة بودي، وتعود جذور النيرفانا إلى اللغة السنسكريتية، والثقافة الفَيدية، وتقاليد الزهد المرتبطة بها، وقد عرفَ زهّادُ الهند القدماء قبل بوذا بوقت طويل مفهومَ التحرر النهائيّ، واستخدموا أسماءً مختلفةً لوصفه، من بينها النيرفانا، وأشار بوذا إلى أنّ النيرفانا هي حالة من السلام والفرح والسعادة، تنشأ في غياب الرغبات والسعي والكفاح، وهي كذلك حالة الراهب الذي وصل إلى نهاية رحلته الروحية وعاش النعيم والحرّية.
مع ذلك، لا أحد يعلم يقينًا ما يحدث لذلك الراهب المستيقظ بعد وفاته، ولم يُسهبْ بوذا، الذي منعَ التكهُّنات في كثير من المواضيع لتجنّب الالتباس والتشتُّت، في شرح هذا الجانب من النيرفانا، لأنّهُ شعرَ أنّ التكهُّنات حول حالة النيرفانا لن تساعد الناس على تجاوُز مُعاناتهم أو تحقيق الغاية المنشودة، فأرادَ أن يُعرّفَهم باختصار على ماهيتها دون الخوض في التفاصيل. يبدأُ المسار البوذيّ بوعي الدارما، ويستمرّ بممارسة المسار الثمانيّ والعيش بوعي، وينتهي بالنيرفانا أو الانحلال النهائيّ. لا شيء بعد ذلك، لذلك يعتقد البعض أنّها رحلة إلى العدم.
معنى النيرفانا
المعنى الحرفيّ للنيرفانا هو الانطفاء أو إطفاء مصباح أو نار، وتبعًا لتقاليد المجتمع الفيديّ القديم، كانت النار محورًا للممارسات الدينية، حيث كانت جميع القرابين تُقدَّم للآلهة بالنار فقط، وكان أصحاب المنازل ملزمين بإشعال أربعة أو خمسة أنواع من النيران المنزلية في أماكن محدَّدة من منازلهم لأداء القرابين اليومية وغيرها من الطقوس، وكان يتوجَّب عليهم الحفاظ على هذه النيران مشتعلةً باستمرار بكلّ الوسائل، فإذا انطفأت لأيِّ سببٍ من الأسباب، كان على ربّ الأسرة إعادة إشعالها طقسيًّا وفقًا لإجراءات راسخة.
شجَّعَ التقليد الفيديُّ الناسَ على ممارسة فارناشراما دارما، تمهيدًا للدخول في النيرفانا، حيث كان على كلِّ رجل من الطبقة العليا، ممّن اختاروا أن يعيشوا حياة ربِّ أسرةٍ، أن يمرّ بأربع مراحل حياتية محددة؛ وهي: براهماشاريا (حياة الطالب العازب)، وغريهاستا (حياة ربّ الأسرة)، وفانابراستا (حياة ساكن الغابة)، وسانياسا (حياة الزهد).
تدريب العافية الرّوحيّة
كان من المعتاد أن يتخلّى ربّ الأسرة عن استخدام النار وإطفاء النيران المنزلية قبل خوض غمار السانياسا، أو المرحلة الرابعة من فارناشراما دارما، وقد أدّى هذا المسار نحو النيرفانا (الحياة بدون استخدام النار) في النهاية إلى إطفاء جميع نيران الجسد، نيران الرغبات، والوهم، والجشع، والحسد، والكراهية، والشهوة، وغيرها، وصولًا إلى التحرر. عندما تنطفئ هذه النيران، يختبر المرء السلام والسعادة والرضا، ويصبح ذا عقل مستقر، وهذه هي، وفقًا لبوذا، حالة النيرفانا أو حالة من يبلغونها.
للنيرفانا معانٍ أخرى عديدة، حيث تعني نهاية كلّ شيء. وبمعنى أبسط، تعني الموت، أو التوقُّف، أو الذوبان، أو الاختفاء، والنيرفانا هي أيّ شيء يُشير إلى نهاية شيء أو كلّ شيء، فعلى سبيل المثال، يُصنَّف غروب الشمس أيضًا، بمعنًى محدودٍ، على أنّه نيرفانا، أمّا روحيًّا، فتعني نهاية الفردية، أو الوجود، أو الشخصية، أو الوجود الفرديّ.
تُستخدمُ النيرفانا أيضًا للإشارة إلى حالة النشوة، ولذلك، للأسف، غالبًا ما يُساء استخدامها للدلالة على حالات الهلوسة الناتجة عن استخدام الأدوية والمخدِّرات المُسكرة، وهذا النوع من "نيرفانا التاماسي" لا يُنهي المعاناة، بل يُفاقمُها لدرجة تُصبح مدمّرةً للذات.
حالة النيرفانا
تُشير النيرفانا في البوذيَّة، إلى حالة الحرّية التي تُخمَد فيها جميعُ الرغبات وتُحلُّ المعاناة، وهي تنشأ عندما يتحرر العقل من مخلَّفاته (الأسافا) وآلامه (الكليسا)؛ وبالتالي، يُمكن تفسيرها على أنّها حالة من الهدوء المطلق، خالية من السعي والكفاح والمعاناة، ووفقًا لتعليمات الديانة البوذية، شرحَ بوذا حالة النيرفانا بالكلمات التالية:
"هناك ذلك البُعد الذي لا يوجدُ فيه أرضٌ، ولا ماءٌ، ولا نارٌ، ولا ريحٌ؛ لا بُعدَ غير محدود للفضاء، ولا بُعدَ غير محدود للوعي، ولا..."، لا بُعدَ للعدم، ولا بُعدَ للإدراك ولا للعدم؛ لا هذا العالم، ولا الآخرة، ولا الشمس، ولا القمر. وهناك، أقول، لا مجيء ولا ذهاب ولا بقاء؛ لا فناء ولا نشوء: غير ثابتٍ، غير متطورٍ، بلا سندٍ (موضوع ذهنيّ)، وهذا يعني نهاية التوتّر.
والنيرفانا كذلك حالة من الكمال، لا سيّما الكمال الأخلاقيّ والعقليّ، وتنجم هذه الحالة عن ممارسة تقنيات تحويل الذات مثل المسار الثمانيّ، والتقشّف، وأنواع مختلفة من اليوغا، أو ممارسة الياماس والنياما (القواعد والقيود)، إضافةً إلى تطهير شوائب العقل والجسد تمامًا على هذا المسار، حيث يُنَمّي من يلجأ إليها الفطنةَ والتحرُّرَ من الرّغبات والشهوات، وهو ما يسمحُ له برؤية الأشياء كما هي، ويتجنّب فخاخ الحياة. وهكذا، تتميَّز النيرفانا بأربع صفات خاصَّة: النعيم أو السعادة، والكمال، والإدراك أو البصيرة، والتحرُّر من جميع القيود والمعاناة.
تتميز حالة النيرفانا في العديد من التقاليد ذات الأصل الهنديّ، بالصّفات التالية:
- غياب الأنانية، والخوف، والفردية، والشخصية، والازدواجية، والانجذاب، والنّفور.
- التحرُّر من الموت والبعث أو من السامسارا (عبوديّة التفكير بالولادة والموت).
- الرضا التامّ، والسعادة المطلقة أو النعيم، الذي ينشأ عندما يتحرر العقل من الآلام والتغيرات.
- التحرُّر التامّ من الارتباط أو العلاقات والتعلُّق، حيث يبقى المرء وحيدًا.
- السكينة، والاتِّزان، والتماثل، والوحدة، والتسامي، التي يصعب تفسيرها لأنّها غير قابلة للإدراك بالعقل والحواس.
النيرفانا ليست تجربةً دراميةً يرى فيها المرء برقًا وصورًا سماويةً وومضاتٍ من التألق، أو يسمع ضجيجًا مدوّيًا وموسيقى عذبةً، بل هي حالة ميمونة من السلام والنعيم والسكينة، حيث لا يعود المرء مُنزعجًا ممّا يحدث في الداخل والخارج. قد لا يُظهِر الشخص الذي بلغ هذه الحالة أيَّ علامات ظاهرة عليها، ويبقى هادئًا ورصينًا بتواضعٍ في حضور الآخرين.
العوامل التي تؤدّي إلى النيرفانا
حدَّدَ بوذا سبعة عوامل تؤدّي إلى النيرفانا، وتُعرَفُ هذه العواملُ بأطراف الاستنارة (بودي أنغاس)، وهي كما يلي:
- اليقظة الذهنية الرباعية (ساتي)، وهي للجسد، والمشاعر، والعقل، والأشياء الذهنية.
- البحث الحقيقيّ في دارما (دارما فيشارا) لاكتساب الوضوح، والوعي، والفهم الصحيح.
- طاقة لا تعرف الكلل (فيريا) حتى يكون المرء نشيطًا ومنتبهًا بعزيمة وموقف سليم حتى مع الاكتفاء بالطعام الخفيف.
- الحالة النفسية للرضا والسعادة (بريتي) التي لا ترتبط بالملذّات.
- السكينة الجسدية والعقلية (باسادي) التي تُكتسَبُ بممارسة ضبط النفس والتصرف الصحيح.
- التركيز (السامادهي) الذي يؤدي إلى التمييز أو وضوح رؤية الأشياء كما هي مع استقرار العقل.
- الاتزان (أوبيكشا) وهو التماثل، واللّامبالاة، أو التحرر من الانجذاب والنفور، ويُزرَعُ من خلال التجرد.
ماذا يحدث للإنسان بعد النيرفانا؟
لا يُجابُ عن هذا السؤال بشكلٍ كافٍ في البوذية، حيث يعتقد البوذيون أنّ وجود الشخص من عدمه بعد بلوغ النيرفانا لا يُهمُّ من يُعانون من المعاناة والعبودية، ويسعون جاهدين لبلوغ الكمال على الطريق الثماني، لأنّ هذه المعرفة لا تُساعدُهم بأيّ شكل من الأشكال على تجاوز معاناتهم أو الشعور بالسلام والسعادة.
تُشير النصوص البوذية إلى أنّ حالة الشخص المُحرَّر بعد الموت لا تُقاس ولا تُوصف، تمامًا كما لا يُمكن تفسير ما يحدث للنار بعد انطفائها. (أموجودةٌ هي أم لا؟ أم موجودةٌ ولكنّها غيرُ موجودة في مكان آخر؟). لا يستطيع العقل البشريّ ببساطة استيعاب الحالة التي يصل إليها الشخص المُحرَّر عند وفاته، لأنّه لا يملك معرفة بها ولا سبيل لفهمها. إنّ عدم القدرة على الفهم ليس مُشكلةً منطقيةً فحسبُ، بل هو أيضًا محدوديةٌ في قدرة العقل على استيعاب حالة أو مفاهيم لا يُمكن استيعابُها.
المصدر: (جايارام الخامسJayaram V): مؤسِّس ورئيس موقع Hinduwebsite.com، وهو باحثٌ مرموقٌ في الديانات ذات الأصول الهندية.
hinduwebsite.com

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_16_2_1_2_7.jpg.webp?itok=z23MusTg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1699623_0_0_1.jpg.webp?itok=-uocDzy5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA%20.jpg.webp?itok=ZphtZC9P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_1.jpg.webp?itok=TU8ZrqB7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=MOzjq6o-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B1%D8%AE%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%20%D8%A3%D9%86%D8%AF%D8%B1%D9%88%20%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%B1%D8%AA%D8%B3.jpeg.webp?itok=JalEsM_e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A_24_3_2.jpg.webp?itok=zwsdF7DC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%87_7.jpg.webp?itok=ElHFkX9u)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_3.jpg.webp?itok=1JQXVRZ2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9%20%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%20%D8%AA%D9%81%D8%AA%D8%AD%20%D9%85%D9%84%D9%81%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81.jpg.webp?itok=W4C8vfw8)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%85.jpg.webp?itok=rOpfP4ap)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1_12.jpg.webp?itok=IZ6ZBjOJ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A7%D9%87%D8%A7%D9%8A.jpg.webp?itok=vDZKlrI8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D9%85%D9%8A.jpg.webp?itok=OIS5SU94)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B4%D9%8A%D9%83.jpg.webp?itok=guPYxGvp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_13_1_0.jpg.webp?itok=l5Nvq3_z)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D8%B3%D9%8A.jpg.webp?itok=3W9B1XtB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
