مضيق هرمز وإيران: تهديد بالحرب أم محاولة انتحار؟

إيران

مضيق هرمز وإيران: تهديد بالحرب أم محاولة انتحار؟

مشاهدة

16/06/2019

منذ اكتشافه، ثم استخدامه في التجارة والتنقل، لم يعد مضيق هرمز مجرد مضيق بحريّ طبيعي، فقد كان يُسمّى قديماً باسم (باب الشرق السحري) إلى أن تشكلت العديد من الدول العربية والآسيوية حوله مطلع القرن العشرين، ليتحول من شريان حياة طبيعي، إلى معلم جغرافي مهم لتصدير النفط.

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى سيصمد سيناريو عض الأصابع بين أمريكا وإيران؟
ومع مجيء النفط، حضرت السياسة، وطوال القرن العشرين، نهضت قوى إقليمية ودولية مختلفة، لتلعب أدوارها في الشرق الأوسط، وكثيراً ما ذُكر مضيق هرمز في مسائل النزاع، والحرب، والسلم، فما هي أبرز الأحداث التي تشكلت حوله؟ خصوصاً مع وجود دولة إيران، التي تتخذ منه مؤخراً أداة تهديد لدول الخليج العربي والعالم.

ماء وسياسة
يقع مضيق هرمز في منطقة تفصل بين إيران وسلطنة عُمان، ويربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب. كما "يبلغ عرض المضيق 33 كيلومتراً عند أضيق جزء منه، لكن الممر الملاحي له، لا يتجاوز عرضه ثلاثة كيلومترات في كلا الاتجاهين" بحسب تقريرٍ لـ"MCD" في 13 أيار (مايو) الماضي، ويشير موقعه الحساس جغرافياً، إلى أهمية بقائه مفتوحاً طوال الوقت، وبعيداً عن الصراعات السياسية والعسكرية، خصوصاً أنّه شريان حيوي لتصدير النفط من دول الخليج العربي وإيران، إلى دولٍ عديدة كاليابان والهند والصين وأمريكا وغيرها.

منذ اكتشافه ثم استخدامه في التجارة والتنقل لم يعد مضيق هرمز مجرد مضيق بحريّ طبيعي

لكن وقائع القرن العشرين، تثبت أنّ مضيق هرمز لم يتمتع يوماً بالأمان المنشود، فقد تعرض مراتٍ عديدة للتهديد منذ "استيلاء البرتغال عليه بعد معارك طاحنة مع الدولة العثمانية، ثم خاضت بعد ذلك العديد من الدول الأوروبية حروباً للسيطرة عليه وخاصة بريطانيا التي اعتبرته طريقاً للوصول إلى الهند، فخاضت معارك ضد فرنسا وهولندا والبرتعال للسيطرة عليه بالتوازي مع إنشاء شركة الهند الشرقية"، وفقاً لدراسة نشرها موقع "اتحاد العمال الكويتي" في 2012. وبعد الحرب العالمية الثانية، صارت الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إليه كأهم مضائق العالم، وكشريانٍ نفطيٍ مهم.

موقع حساس لمضيق هرمز المطل على شواطئ عربية نفطية مهمة

المضيق، لم يظهر كورقة تهديد عسكريةٍ وجيوسياسية بشكلٍ واضح، إلا بعد احتلال إيران لمجموعة جزرٍ إماراتية تشرف على المضيق العام 1971. ومن ثم صعود الخميني إلى السلطة في 1979. فقد تحول مسار محاولات اللعب بالمضيق وموقعه المهم من أداة استعمارية تكاد تتلاشى مع تلاشي الاستعمار المباشر، إلى أداة ضغطٍ إقليمية، تستخدمها (جمهورية الثورة الإسلامية) ضد الدول العربية التي تمتلك حقاً أساسياً بإدارة المضيق اقتصادياً، الذي يربط مائياً بين العديد من شواطئها، خصوصاً خليج عُمان، ودولة الإمارات العربية المتحدة.

اقرأ أيضاً: إيران إلى أين في ظل كل هذه الضغوط الأمريكية؟
وقد حاولت إيران مبكراً، خلط الماء بالسياسة منذ احتلالها الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى)، وبدأت سلسلة المضايقات الطويلة، التي تمتد إلى اليوم، والتهديدات التي ازدادت حول إمكانية إغلاقه أو ضرب السفن المارة به، بسبب استمرار الحرب في اليمن بعد 2011، بين قوات التحالف العربي والحوثيين من أتباع دولة إيران، إضافةً إلى التهديدات الإيرانية والأعمال التخريبية المحتملة ضد سفنٍ نفطية في خليج عُمان وقرب موانئ دولة الإمارات أخيراً. 

ربما تسهم مسألة تفعيل خطوط نقل النفط البرية والبحرية في حل جزءٍ من المشكلة

ويبدو أنّ إيران لا تدرك أهمية مضيق هرمز إلى العالم ككل، وترى أنّ الدعوات لوقف أطماعها في العالم العربي، هي دعواتٌ تستوجب قض مضاجع العالم أجمع؛ إذ إنّ "40% من نفط العالم يمر عبر المضيق، إضافة إلى 88% من نفط المملكة العربية السعودية و98% من نفط العراق وكل نفط دولتي الكويت وقطر، كما تستفيد دولٌ كبرى كالصين واليابان والهند من هذه الصادرات مباشرةً"، وفقاً لتقريرٍ أعدته "بي بي سي" في 5 حزيران (يونيو) الجاري.

اقرأ أيضاً: ماذا تستفيد إيران من الهجمات في خليج عُمان وعلى السعودية؟
ورغم ذلك، تراهن إيران أنّ هنالك دولاً ربما تقف بصفها في حال استمرت بإيذاء السفن النفطية وتهديد أمن دول الحليج والعالم العربي، غير أنّ الأرقام السابقة، تشير إلى أنّ محاولات إيران استفزاز دول عربية وعالمية، ربما تسفر في النهاية عن عقوباتٍ أشد ضدها، وعن مواجهة توقف استنزاف اقتصاد وأمن هذه الدول، لكن، هل هذه الحلول كافية فعلاً أو منطقية؟ بما فيها خيار الحرب، وما هو مستقبل الخليج العربي مع مضيق هرمز وإيران؟

لن تردع إيران العالم باعتداءاتها المحتملة بل ربما تضطر لتحمل العواقب مستقبلاً

صيادون في ممرٍ ضيق

بالنسبة إلى دولٍ الخليج العربي، فإنّ عمليات تصدير النفط والتجارة البحرية وغيرها، ترتبط بصورةٍ طبيعيةٍ بالاستقرار الأمني، ومضيق هرمز، الذي يسمح بمرور سفينةٍ أو ناقلة نفط كل نصف ساعة تقريباً، يتسع للجميع في حال تم نبذ الخلافات، فالحروب ليست في مصالح دولٍ تنشد الاستقرار، حتى إيران التي تمر صادراتها النفطية عبر المضيق ذاته، ولكنّها الدولة الأكثر عدائية بشأنه، من أجل إدارة ملفاتها السياسية الخاصة، المتعلقة بالتدخلات في دولٍ عربية كاليمن ولبنان، وكذلك ملفها النووي العالق مع أمريكا.

ظهر مضيق هرمز كورقة تهديد عسكريةٍ وجيوسياسية بعد  احتلال إيران لمجموعة جزرٍ إماراتية تشرف على المضيق في 1971

وبالعودة إلى تقرير "MCD"، فإنّ دول الخليج تحاول التغلب على معضلاتها مع إيران بشأن المضيق، من خلال "القفز على ضروريات تصدير النفط من خلاله، وذلك من خلال مد مزيد من خطوط أنابيب النفط، مثل خط بترولاين (خط أنابيب شرق-غرب): هو خط سعودي عامل تبلغ طاقته الاستيعابية 4.8 مليون برميل يومياً، وهو غير مستغل تماماً، وكذلك خط  أنابيب أبوظبي للنفط الخام: خط إماراتي عامل سعته 1.5 مليون برميل يومياّ، يُستخدم منها نصف مليون برميل بينما تبلغ الطاقة غير المستغلة مليون برميل".

إيران تهدد مضيق هرمز:

 

 

وربما تسهم مسألة تفعيل خطوط نقل النفط البرية والبحرية في حل جزءٍ من المشكلة، وتحويل الورقة الإيرانية جزئياً إلى ورقةٍ غير صالحة للتهديد، غير أنّ هذا لا يكفي أبداً، فبرأي الباحث الجزائري صخري محمد، فإنّ "إيران منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، تخوض صراعاً إقليمياً ودولياً بشأن مضيق هرمز، وتتخذ قواتها العسكرية وسياستها الأمنية من محاولات السيطرة على المضيق، نقطةً استراتيجيةً طويلة الأمد، ليس من أجل حماية أمنها من تهديداتٍ غربية فقط كما تدعي، بل ومن أجل التحكم مستقبلاً ربما، بمصالحها وأطماعها في الخليج ومحيطه العربي".
ويضيف الباحث في دراسته المنشورة في 2012، عن مركز "موسوعة الدراسات الاستراتيجية والأمنية الجزائرية"، أنّ "إيران بَنَت العديد من القواعد البحرية للاستمرار في تهديد نفط الخليج الاستراتيجي بصورةٍ مستمرة، امتداداً من ميناء باسباندر قرب حدود باكستان، وحتى ميناء بندر عباس الإيراني، المطل على المضيق".

من أجل أطماعها لا يُقلق إيران تقويض اقتصاد ومصالح الخليج والعالم العربي والعالم ككل

بذلك تكشف دراسة الباحث الموثقة، أنّ محاولات تفادي تصدير كمياتٍ كبيرةٍ من النفط العربي عبر مضيق هرمز، لن يردع إيران عن أطماعها وتهديداتها المستمرة منذ عقود مستقبلاً، والمتجلية اليوم بالحوادث الاستفزازية ضد دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ودولة عمان.
أخيراً، إنّ الموقف السياسي الدولي الحالي، يشير إلى مدى تضرر إيران من العقوبات التي فرضتها أمريكا عليها في الآونة الأخيرة؛ حيث تراهن دولٌ عديدة على رضوخ إيران لمفاوضاتٍ جديدة، تغير معادلاتٍ سياسية داخلية إيرانية، وأخرى خارجية في العالم العربي، وإن لم تفكر إيران بعواقب سياساتها هذه على مدى عقودٍ ماضية،  وأخرى لاحقة، فإنّ عليها الاستعداد مستقبلاً لتلقي النتائج أكثر من ذي قبل، فلغة الاقتصاد العالمي والأرقام، ومحاولات إنهاء حرب اليمن، وإيقاف التغول في سوريا والعراق ولبنان، تكشف جميعها عن زمنٍ قريب ستنكمش فيه إيران، لتستوعب مشكلاتها الداخلية على أرضها هي، وتتوقف عن لعب دور (البلطجي) وتصدير أزماتها إلى أراضي الوطن العربي.

الصفحة الرئيسية