مصانع أدوية فلسطينية تتحدى القيود الإسرائيلية وتصدّر إلى الخارج

مصانع أدوية فلسطينية تتحدى القيود الإسرائيلية وتصدّر إلى الخارج
5528
عدد القراءات

2020-02-13

رغم الصعوبات والعراقيل الإسرائيلية، التي تهيمن على القطاعات الحيوية للصناعات الفلسطينية، تواصل صناعة الأدوية الفلسطينية تحقيق إنجازات ونجاحات غير مسبوقة في تغطية السوق المحلي بنسب مرتفعة، والمساهمة في رفع مستوى الاقتصاد الوطني، وإتاحة آلاف فرص العمل للكفاءات الفلسطينية، وإنتاج مستحضرات وأدوية طبية عالية الجودة، لضمان الأمن الدوائي الفلسطيني، وفتح آفاق مستقبلية لهذه الصناعة في داخل الدول العربية والأجنبية.

اقرأ أيضاً: "فلسطين ع البسكليت": للتعريف بالقرى المهددة بالاستيطان والمصادرة

وبدأت الصناعات الدوائية في فلسطين، عام 1967، بعد فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة؛ حيث فرضت السلطات الإسرائيلية حينها قيوداً على استيراد المنتجات الطبية من الخارج، وقامت بإغلاق الحدود، ما أدّى إلى غزو المنتجات الصهيونية الأسواق الفلسطينية المحلية ومن بينها الأدوية الإسرائيلية، حتى بدأ ظهور بعض مصانع الأدوية الفلسطينية، عام 1969، والتي قامت بإنتاج كميات قليلة ومتواضعة من المنتجات الطبية بفعل القيود الإسرائيلية عليها.

بدأت الصناعات الدوائية في فلسطين عام 1967

وينظم بروتوكول باريس الاقتصادي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، سوق الأدوية الفلسطيني كباقي الصناعات الفلسطينية، من ناحية آلية الاستيراد والتصدير والضرائب؛ حيث تعمل سلطات الاحتلال على التضييق على شركات الأدوية المحلية بإغراق السوق الفلسطينية بالأدوية الإسرائيلية، وتأخير عملية إنتاج الدواء، وتعطيل استيراد المواد الخام اللازمة للصناعة بحجة الفحص الأمني.

اقرأ أيضاً: مشروع استيطاني جديد في قلب الخليل المحتلة.. ما تفاصيله؟

وقالت وزيرة الصحة الفلسطينية، مي الكيلة: إنّ "55% من الأدوية في السوق الدوائية في فلسطين محلية الصنع، ونسعى إلى زيادة هذه النسبة" .

وأضافت الكيلة، في بيان صحفي عشية يوم المنتج الفلسطيني، الذي يصادف الأول من تشرين الثاني (نوفمبر): "صناعة الأدوية البشرية في فلسطين باتت من الصناعات الواعدة، وحققت تقدماً ملحوظاً في الأعوام الماضية"، مشيرةً إلى أنّ المنتج الدوائي الوطني بات ينافس المنتج الأجنبي، وعدة مصانع أدوية فلسطينية باتت تصدر أدويتها إلى الخارج، مبينة أنّ جودة الدواء المحلي لا تقلّ عن الدواء المستورد.

اقرأ أيضاً: فلسطيني يحوّل منزله إلى معرض لتدوير النفايات

وبحسب إحصائية صادرة عن مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية؛ فقد كشف تقرير صحي، عام 2017، حول الإنفاق الحكومي على الأدوية والمستلزمات الطبية؛ فإنّ مصروفات الأدوية واللقاحات والمواد المخبرية من المستودعات المركزية في وزارة الصحة الفلسطينية، بلغت ما يقارب 289 مليون و791 ألف و604 شيكل.

نجاحات بارزة
بدوره، يقول المدير التنفيذي لاتحاد الصناعات الدوائية الفلسطينية، عوض أبو اعليا، لـ "حفريات": إنّ "صناعة الأدوية في فلسطين حققت، خلال الأعوام العشرة الماضية، نجاحات بارزة من خلال تغطيتها نسبة كبيرة من احتياجات السوق المحلية، وذلك بفضل ثقة الأطباء والصيادلة والمجتمع الفلسطيني بجودة الأدوية الفلسطينية وقدرتها العلاجية".

اقرأ أيضاً: مستشفى للحمير والخيول للمرة الأولى في فلسطين

ولفت إلى أنّ "سوق الأدوية الفلسطيني يعدّ من الأسواق عالية التنظيم من خلال ارتباطه بمجموعة من القوانين والتعليمات، بدءاً من قانون الصحة العامة الفلسطيني للعام 2004، مروراً بأنظمة تسجيل الأدوية المقررة من وزارة الصحة وأنظمة التسعير الدوائي، والتي تحدّد طبيعة أسعار المنتجات الدوائية، وأنظمة الرقابة الدوائية على الأسواق والمصانع المحلية".

سوق الأدوية الفلسطيني يعدّ من الأسواق عالية التنظيم

وتابع أبو اعليا: "عدد مصانع الأدوية الفلسطينية يبلغ خمسة مصانع في الضفة الغربية، ومصنع وحيد في قطاع غزة، ويعمل في هذه المصانع ما يقارب 1800 موظف، وتنتج المصانع الستة 2000 صنف دوائي، بأشكال صيدلانية متعددة".

هناك 5 مصانع في الضفة ومصنع وحيد في غزة، ويعمل فيها ما يقارب 1800 موظف وتنتج 2000 صنف دوائي

وأضاف: "الصناعات الدوائية الفلسطينية تصدر ما يقارب 10% من مجمل إنتاجها للعديد من الدول العربية والأجنبية، كما تعمل بعض مصانع الأدوية الفلسطينية على التصنيع التعاقدي مع شركات عالمية ودولية كبيرة".

وعن أبرز المعيقات الإسرائيلية التي من شأنها أن تحول وتعرقل صناعة الأدوية الفلسطينية، أوضح أبو اعليا؛ أنّ "من أهم المعيقات صعوبة استيراد المواد الخام، خاصة لمصنع الشرق الأوسط للأدوية، في مدينة بيت حانون شمال قطاع غزة"، مشيراً إلى أنّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعرقل إمكانية قيام المصنع الوحيد بغزة من إرسال الأدوية إلى الضفة الغربية، وهو ما أدّى إلى محدودية القدرة التنافسية لهذا المصنع مع المصانع الفلسطينية الأخرى".
تعزيز الاقتصاد الفلسطيني
ويرى وزير الصحة الفلسطيني الأسبق، فتحي أبو مغلي؛ أنّ "صناعة الأدوية الفلسطينية استطاعت الحصول على شهادة التصنيع الجيد الأوروبية، وشهادات من بعض الدول الأخرى، الأمر الذي مكّنها من فتح أسواق جديدة لها في الخارج، لتعزيز الاقتصاد الفلسطيني، وفتح آفاق جديدة لهذه الصناعة في المستقبل، رغم الإجراءات والمعيقات الإسرائيلية".

اقرأ أيضاً: "أهلاً بكم في دولة هاني عامر": هكذا يهزأ الفلسطينيون من إسرائيل

ويضيف أبو مغلي في حديثه لـ "حفريات": "شركات الأدوية الفلسطينية، كغيرها من بعض الشركات العربية والعالمية، تحصل على المواد الخام الأولية لصناعة الأدوية من مصادر محددة، وتقوم بتصنيعها بأشكال صيدلانية مختلفة على شكل كبسولات وأقراص وحقن طبية، لعدم وصولها إلى إمكانية تصنيع المواد الخام الأولية محلياً".

ولفت إلى أنّ "ما يتمّ استهلاكه محلياً من أدوية من السوق الإسرائيلية يبلغ 10% فقط، وما يقارب 35% من الأسواق الأجنبية، ويتمّ اللجوء لاستيراد هذه الأدوية لصعوبة قيام الشركات المحلية بصناعتها كأدوية المناعة والسرطان، نتيجة للمعيقات الإسرائيلية الكبيرة، التي تمنع إدخال المواد الأولية لإنتاجها محلياً".
صناعة الأدوية الفلسطينية استطاعت الحصول على شهادة التصنيع الجيد الأوروبية

تأثير بروتوكول باريس
وعن كيفية تأثير بروتوكول باريس الاقتصادي في صناعة الأدوية الفلسطينية، يقول أبو مغلي: "بروتوكول باريس شكّل عائقاً أساسياً أمام صناعة الدواء في فلسطين، وقد جاء في البروتوكول؛ أنّ الأدوية التي يتمّ استيرادها من الخارج يجب أن يتمّ تسجيلها في إسرائيل، وهو الأمر الذي أدى إلى تحديد الأسواق التي يتوجب على الفلسطينيين استيراد الأدوية منها، وبأسعار مرتفعة مقارنة بما إذا تمّ شراء هذه الأدوية من مصادر عربية وأوروبية، دون أن يتمّ تسجيلها داخل إسرائيل".

وزير الصحة الفلسطيني السابق فتحي أبو مغلي لـ"حفريات": إسرائيل تضع عراقيل على إدخال الأدوية الفلسطينية إلى المستشفيات

وبيّن أنّ "إسرائيل تضع عراقيل على إدخال الأدوية الفلسطينية إلى المستشفيات في القدس الشرقية، وكذلك المناطق داخل الخط الأخضر"، مشيراً إلى أنّ "سلطات الاحتلال تمنع الشركات الفلسطينية من استيراد عدد من المعدات والأجهزة والمواد الكيماوية، التي تدخل في صناعة بعض الأدوية، بحجة أنّ لها استخدامات أمنية".
ودعا أبو مغلي إلى "ضرورة توفير الحماية للمنتج الوطني لتعزيز الصناعات الدوائية المحلية لتحقيق الأمن الدوائي، ووقف استيراد الأدوية من الأسواق الإسرائيلية، واللجوء إلى الأسواق العربية والأوروبية لسدّ العجز في بعض الأدوية التي لا يمكن للصناعات المحلية صناعتها حالياً أو مستقبلاً، باعتبار أنّ استيرادها أقل تكلفة من تصنيعها محلياً".
أدوية بمواصفات عالمية
من جانبه، يقول نقيب الصيادلة الفلسطينيين، أيمن خماش، في حديثه لـ "حفريات": "صناعة الأدوية الفلسطينية خطت خطوات سريعة نحو التقدم، وحصلت على شهادات متعددة، محلياً وعربياً ودولياً، وأصبحت شركات أدوية فلسطينية عديدة تسوّق أدويتها في أوروبا وأمريكا اللاتينية وبعض الدول العربية"، مبيناً أنّ "هناك مصانع تتبع لشركات أدوية فلسطينية تمّ إنشاؤها في عدة دول عربية وأجنبية؛ كإنشاء مصنع للأدوية في جزيرة مالطا، الذي يقوم على إعادة وتغليف الأدوية المصنعة داخل فلسطين، ومن ثمّ تسويقها داخل دول الاتحاد الأوروبي".

اقرأ أيضاً: كيف تتحكّم القيود السياسية والاجتماعية بالكوميديا الفلسطينية؟

ويضيف خماش: "هناك ثقة كبيرة بالصناعات الدوائية الفلسطينية، التي بدأت بعد الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية، عام 1967؛ حيث منعت السلطات الإسرائيلية حينها استيراد الجانب الفلسطيني الأدوية من بعض الدول العربية والأجنبية، تنفيذاً لاحتكار السوق الفلسطينية، وإغراقه بالمنتجات والأدوية الإسرائيلية".
هناك ثقة كبيرة بالصناعات الدوائية الفلسطينية

دعم الصناعات الدوائية
ولفت إلى أنّه "لسدّ الفراغ الدوائي في السوق الفلسطيني؛ تمّ التفكير فلسطينياً لإيجاد حلول عملية لمقاومة سياسة الاحتلال الإسرائيلية ومشاريعه الاقتصادية، مما دفع ذلك بعدد من الأشخاص الفلسطينيين، الذين كانوا يعملون كوكلاء لعدد من شركات صناعة الأدوية الأجنبية، لتأسيس وإنشاء مصانع للأدوية من أجل تأمين الدواء للمواطن الفلسطيني".

اقرأ أيضاً: لماذا يُجبَر الفلسطينيون على اعتماد مناهج تعتبر إسرائيل دولة الشعب اليهودي؟

وأوضح خماش أنّ "الأدوية الفلسطينية يتمّ تسجيلها في سجلات وزارة الصحة الفلسطينية بعد إجراء جميع الفحوصات اللازمة عليها، لضمان جودتها وفعاليتها العلاجية"، مستدركاً بأنّه "لا يوجد سوق سوداء للأدوية المحلية الفلسطينية، بينما تنتشر هذه الأسواق، والتي تتعامل بالأدوية الأجنبية والإسرائيلية، بشكل غير قانوني، في بعض مناطق الضفة الغربية، التي لا تمتلك السلطة الفلسطينية السيطرة الأمنية عليها".
وعن المطلوب فلسطينياً للنهوض بصناعة الأدوية يقول خماش: "على السلطة الفلسطينية دعم هذه الصناعة، محلياً وعربياً ودولياً، وتسهيل إجراءات تسجيل الأدوية في وزارة الصحة الفلسطينية، وتوعية المواطن الفلسطيني بضرورة مقاطعة الأدوية الإسرائيلية، والتعويض عنها بالصناعات الوطنية".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



خبراء يحذرون: لبنان يعاني إفلاساً تاماً ويحتاج إلى إنقاذ عاجل

2020-02-18

بين "متفائل" يقول إنّ لبنان على شفير الإفلاس، وآخر "متشائم" يؤكد أنّ البلد يعاني إفلاساً تاماً، تعمل الحكومة اللبنانية في الوقت الراهن على تبني إستراتيجية وفق خيارين محددين: إما أن تواصل الإيفاء بالتزاماتها وتكسب مزيداً من الوقت، أو تتقبل الموقف وتتخلف عن سداد سندات اليوروبوند التي تبلغ قيمتها 1.2 مليار دولار المستحقة في غضون أقل من شهر، وهي جزء من قيمة كل استحقاقات عام 2020 بالعملة الأجنبيّة تحديداً، وتبلغ قيمتها حوالي 6 مليارات دولار، بحسب نشرة أصدرها مركز الشرق للبحوث، أكدت أنّ "اقتصاد لبنان وصل إلى حالة إفلاس، بسبب الوضع الراهن الذي يعيشه لبنان، رغم أنّ بيروت لم تتخلف سابقاً عن الموعد النهائي لسداد ديونها؛ لاعتمادها إستراتيجية البقاء على ما يسمى بالهندسة المالية، التي يديرها البنك المركزي، والتي ساعدت لبنان على النجاة في خضم الضعف التام للقيادة السياسية، الذي شلَّ البلد لفترة طويلة، بيد أنّ هذه الهندسة المالية ليست أكثر من مخطط احتيالي".

 

منع التدهور
وفي تقدير المركز أنّ الشيء الوحيد الذي تستطيع بيروت أن تفعله، "هو منع تدهور وضعها المالي أكثر مما هو متدهور" الأمر الذي كان يفترض أن يتم العمل عليه منذ فترة زمنية طويلة. ونظراً للوضع القائم في لبنان، فإنّ سداد سندات اليوروبوند ليس منطقياً على الإطلاق، كما قد يبدو صعباً في نظر العديد من المستثمرين.

خبير اقتصادي: هناك قدر ضئيل من الوضوح بشأن الحالة الحقيقية لاحتياطيات الدولة من العملات أو إمكاناتها الاقتصادية

فهل يساعد التخلف عن سداد الدين في الخروج من الأزمة القائمة في لبنان؟
قطعاً لا، يجيب المركز؛ إذ إنّ الصعوبات المالية التي تعاني منها البلاد عميقة. ومن ناحية أخرى، فإنّ نسبة الناتج المحلي الإجمالي إلى الدين العام والتي تبلغ حوالي 160٪ تعمق المشكلة، كما أنّ الاستمرار في سداد أقساط الدين بدلاً من استخدام الموارد (المحدودة للغاية) في دعم الاقتصاد سيكون قراراً سيئاً للغاية. فضلاً عن أنّ الأزمة القائمة في لبنان أدت إلى يقين الأسواق العالمية بأنّ لبنان سوف يتخلف عن سداد ديونه عاجلاً أم آجلاً، بصرف النظر عن القرار الذي سيتم اتخاذه الشهر المقبل.

اقرأ أيضاً: نصرالله: لبنان قد "لا يبقى"
ويكمن جوهر المشكلة في القضايا السياسية وانعدام الثقة، وفي الفترة الأخيرة بدأ صندوق النقد الدولي بالتدخل في الأزمة (في الوقت الحالي يقدم المشورة للحكومة فقط)، لكن في ظل غياب قيادة سياسية قوية وخطة إصلاح شاملة ذات مصداقية، فإنّ الموقف سيزداد سوءاً.
ويعتقد وزير الاقتصاد اللبناني السابق ناصر سعيدي، في تصريح لوكالة "رويترز" للأنباء، أنّ لبنان في حاجة إلى حزمة إنقاذ مالي تتراوح بين 20 مليار و25 مليار دولار، بما في ذلك دعم من صندوق النقد الدولي، للخروج من أزمته المالية.
الوقت يوشك أن ينفد
وقال سعيدي إنّ الوقت يوشك أن ينفد، وإنّ دعماً بقيمة 11 مليار دولار سبق أن تعهد به مانحون أجانب يشكل الآن تقريباً نصف المبلغ اللازم لتحقيق انتعاش.
وأضاف سعيدي "خطورة الوضع الحالي أننا نقترب من انهيار اقتصادي من المحتمل أن يخفض الناتج المحلي الإجمالي (للعام 2020) بواقع عشرة في المئة".
ويرجح خبراء اقتصاديون أن يشهد 2020 أول انكماش اقتصادي للبنان في عشرين عاماً، ويقول البعض إنّ الناتج المحلي الإجمالي سينكمش اثنين في المئة.

 

ويتنبأ آخرون بركود طويل لم يسبق له مثيل منذ استقلال لبنان عن فرنسا في 1943 أو خلال الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد بين عامي 1975 و1990.
وقال سعيدي "صنّاع السياسات لدينا لا يريدون الاعتراف بالمدى الذي وصلت إليه مشكلاتنا... هم يحتاجون إلى الشجاعة لإبلاغ الشعب اللبناني بأنّ أوقاتاً عصيبة قادمة".

 

اقرأ أيضاً: نصر الله يكشف تفاصيل دور سليماني في لبنان والعراق
وخفّضت وكالات التصنيفات الائتمانية التصنيف السيادي للبنان وتصنيفات بنوكه التجارية على خلفية مخاوف من تخلف عن السداد.
وقال سعيدي إنّ حزمة تتراوح قيمتها بين 20 مليار و25 مليار دولار قد تضمن سداد بعض الدين العام للبلاد، وهو ما يمكنها من إعادة هيكلته لتمديد آجال الاستحقاق وخفض أسعار الفائدة. وأضاف أنّ ذلك "سيحتاج إلى دعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ودول غربية وخليجية".
الدولار والليرة اللبنانية
يشار إلى أنّ الليرة اللبنانية تقترب من خسارة نحو نصف قيمتها عملياً. ففيما لا يزال سعر الصرف الرسمي مثبتاً على 15011 ليرة مقابل الدولار، كما رصدت "حفريات" أمس، فإنّ  الدولار لامس عتبة 2500 ليرة في السوق الموازية، بحسب صيارفة.

خفضت وكالات التصنيفات الائتمانية التصنيف السيادي للبنان وتصنيفات بنوكه التجارية على خلفية مخاوف من تخلف عن السداد

ومنذ 17 تشرين الأول (أكتوبر)، خرج عشرات الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع والساحات وقطعوا الطرق، احتجاجاً على أداء الطبقة السياسية التي يتهمها المتظاهرون بالفساد ويحملونها مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي وعجزها عن تأهيل المرافق وتحسين الخدمات العامة الأساسية.
وفي تقريرها العالمي 2020 قالت "هيومن رايتس ووتش" إنّ السلطات اللبنانية تتقاعس عن معالجة الأزمة الاقتصادية والسياسية الخطيرة في البلاد والتي تهدد حصول المواطنين على الخدمات الحيوية، من ضمنها الرعاية الصحية.
ويحذّر عاملون في القطاع الطبي ومسؤولون حكوميون من أنّ المستشفيات قد تصبح قريباً عاجزة عن إجراء الجراحات المنقذة للحياة، وتوفير الرعاية الطبية العاجلة للمرضى. وتنبع الأزمة من عدم سداد الحكومة مستحقات المستشفيات العامة والخاصة، بما فيها المستحقات المتوجبة على "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي" والصناديق الصحية العسكرية. ويعرقل هذا، بحسب المنظمة الدولية، قدرة المستشفيات على دفع أجور عامليها وشراء اللوازم الطبية. كما أنّ النقص في الدولار أيضاً تسبّب في تقييد استيراد السلع الحيوية ودَفَع المصارف إلى تقييد الخطوط الإئتمانية.

 

"الكساد العظيم"
ويهدد الاستنزاف المتواصل لما تبقى من احتياطيات بالعملات الصعبة لدى البنك المركزي اللبناني، بنية المدخرات البالغة نحو 170 مليار دولار، والخاضعة حالياً لتدابير منع التحويل والتقنين القاسي للغاية بسبب ندرة السيولة بالنقود الورقية (البنكنوت).

وزير الاقتصاد اللبناني السابق ناصر سعيدي: لبنان يحتاج لحزمة إنقاذ مالي تتراوح بين 20 مليار و25 مليار دولار

وبرز في المقاربات الاقتصادية، تشبيه رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس الوضع الاقتصادي السائد بفترة "الكساد العظيم" الذي شهدته أمريكا قبل 90 عاماً، وخصوصاً لجهة المعطيات والنتائج، حيث تضافرت ثلاثة عوامل، هي الاقتصاد والمكون النقدي، مع الشح بالسيولة، وتراكم المديونية في الدولة وفي القطاع الخاص.
ونقلت صحيفة "الشرق الأوسط" عن شماس توصيفه للوضع الاقتصادي، بقوله: "لا بيع ولا شراء ولا دفع ولا قبض، ولا تجديد في المخزون، وبالتالي تقنين وأزمات تموين، ولا تلبية لحاجاتنا من سيولة أو تحويلات أو عملة أجنبية، فإقفال مؤسسات وتسريح موظفين أو على الأقل اقتطاع في المرتبات وتخلف عن التمويل للموردين وفقدان ثقة معمرة للتاجر اللبناني، وعجز في القدرة على سداد الضرائب والمتوجبات الرسمية إلى أجل غير مسمى، وتدهور في قيمة الليرة وفي القدرة الشرائية، ولا بصيص أمل في الأفق".

اقرأ أيضاً: حزب الله اللبناني ورقة إيران البديلة بعد سليماني لتوجيه ميليشياتها في العراق
ويعتقد تيموثي آش، الخبير في الأسواق الناشئة لدى بلو باي لإدارة الأصول في تصريح لرويترز بأنه من الصعب أن تضع أرقاماً دقيقة بشأن حجم شطب الديون، أو حجم ضخ السيولة الذي يحتاجه لبنان في نهاية المطاف.
وقال إنّ هناك قدراً ضئيلاً من الوضوح بشأن الحالة الحقيقية لاحتياطيات الدولة من العملات، أو إمكاناتها الاقتصادية، أو كيف يمكن لقطاعها المصرفي الهائل الحجم التماسك حيث تبلغ الأصول فيه نحو أربعة أمثال حجم الاقتصاد تقريباً.
وقال آش "الأمر لا يتعلق فقط بمعدلات الدين. في النهاية يتعين عليك أن تسأل لماذا وصل لبنان إلى ذلك الوضع الذي بلغه. كانت سنوات من السياسات السيئة... سيرغب صندوق النقد في أن يرى أنّ هناك رغبة في الإصلاح".

للمشاركة:

مغربية تتخلى عن جنسيتها الإسبانية لملاقاة فارس أحلامها في غزة

2020-02-18

رافعة شارة النصر، وعلى كتفيها العلم المغربي، تقف إلى جانب زوجها الذي توشّح بالعلم الفلسطيني، بالقرب من الحدود الشرقية لمدينة خانيونس، جنوب قطاع غزة، لتحقق حلمها برؤية الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي، ولو حتى من مسافات بعيدة.

محجوبة قنون؛ فتاة مغربية تنحدر من مدينة سبتة المغربية، عُرفت بحبها الشديد للقضية الفلسطينية والفلسطينيين، وكانت تتضامن معهم عند تعرضهم للحروب من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وتمنّت أن تزور أرض فلسطين، ولو لمرة واحدة فقط.

وبعد طول انتظار تحققت أمنية الفتاة المغربية، التي تبلغ من العمر 26 عاماً، واستطاعت القدوم إلى قطاع غزة، ولكن لم تكن الزيارة مؤقتة، وإنما كانت للزواج من الشاب الفلسطيني، محمد العامودي، الذي تربطها به علاقة حبّ من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

دشنت محجوبة قناة يوتيوب خاصة بها وبدأت بالتجول في شوارع غزة، وتصوير مقاطع فيديو وإجراء مقابلات مع الناس

كانت محجوبة تفضّل متابعة القنوات التلفزيونية الفلسطينية والعربية، التي تبثّ أخباراً عن الفلسطينيين، للتعرّف أكثر إلى حياتهم، وأخذ انطباعاتهم، فهي أتقنت اللهجة الفلسطينية جيداً، وأصبحت تتحدث وكأنها فلسطينية وليست مغربية.

حبّ فلسطين وأهلها
وتقول محجوبة قنون، لـ "حفريات": "حبي الشديد لفلسطين وأهلها دفعني لمتابعة كافة الأحداث على الساحة الفلسطينية، وفي أحد الأيام شاهدت مقطع فيديو لشاب تعرض لطلق ناري أثناء مشاركته في الجمعة الثالثة من مسيرات العودة على حدود غزة، وهو يرفع شارة النصر رغم آلامه، هذا المشهد دفعني إلى إضافته عبر الفيسبوك للاطمئنان على وضعه الصحي بعد الإصابة".

محجوبة قنون؛ فتاة مغربية تنحدر من مدينة سبتة المغربية

وتضيف: "بعد موافقة محمد على طلب الصداقة الذي أرسلته له بدأت بالحديث معه، للتعرّف أكثر إلى الاعتداءات التي يتعرضون لها خلال مشاركتهم في مسيرات العودة، وكيف يتعامل معهم جنود الاحتلال، وأصبحت أتحدث معه بشكل يومي، حتى دخل قلبي وأحببته، وفي يوم من الأيام طلب مني أن أتحدث مع والدته وشقيقته، وبعد حديثي معهما طلبتا يدي للزواج من محمد".

اقرأ أيضاً: مصانع أدوية فلسطينية تتحدى القيود الإسرائيلية وتصدّر إلى الخارج
وتواصل حديثها: "وافقت على الزواج من محمد دون تردد، رغم معارضة بعض أقاربي وصديقاتي؛ لأنّي سوف أغادر المغرب، وأتخلى عن وظيفتي والجنسية الإسبانية التي أحملها، من أجل العيش في قطاع غزة المحاصر مع شاب مصاب، لكني أقنعتهم بأني سوف أجد سعادتي معه، فأبدوا موافقتهم على سفري إلى غزة للزواج من الشخص الذي أحب".
تحقيق أمنيتها
وتخبر محجوبة "حفريات" بأنّ محمد لم يتمكن من السفر إلى المغرب بسبب إصابته، الأمر الذي دفعها للقدوم إلى قطاع غزة وحدها، وفور وصولها إلى قطاع غزة، عبر معبر رفح الحدودي، سجدت وحمدت الله كثيراً؛ لأنّها تمكنت من تحقيق أمنيتها التي تنتظر تحقيقها منذ صغرها، وأن فلسطين أقرب من كافة دول العالم إلى قلبها.

محجوبة قنون مع زوجها على الحدود الشرقية لمدينة خانيونس‎
وتذكر محجوبة أنّها بعد عدة أيام من وصولها إلى قطاع غزة، تزوجت من الشاب الذي أحبّته دون أن تراه على أرض الواقع، وأقيم حفل زفافهما، بتاريخ 9 آذار (مارس) 2019، على الحدود الشرقية لمدينة خانيونس، بالقرب من المكان الذي أصيب به محمد، بحضور جمهور واسع من الفلسطينيين، وعدد من القيادات الفلسطينية.
وتبين أنّه، وعلى الرغم من معرفتها الكثير عن غزة من خلال متابعتها للقنوات التلفزيونية الفلسطينية، والحديث مع أشخاص فلسطينيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنّ الصورة على التلفاز تختلف عن الواقع، فهي تعرفت إلى أمور كثيرة تجهلها عن حياة الغزيين، وكيف يجمعون بين الألم والأمل في آن واحد، وعن مساعدتهم لبعضهم رغم الظروف القاسية التي يمرون بها.

اقرأ أيضاً: تقرير أمني يكشف تجسّس حركة حماس على الفلسطينيين
نقل معاناة الفلسطينيين
ولم يكن قدوم محجوبة إلى غزة للزواج فقط، بل كان لديها هدف آخر، وهو التعرّف إلى معاناة الشعب الفلسطيني عن قرب، ونقلها إلى العالم الخارجي، فدشنت قناة يوتيوب خاصة بها، وبدأت بالتجول في شوارع غزة، وتصوير مقاطع فيديو، وإجراء مقابلات مع الناس.

أصبح محمد العامودي عاجزاً على القيام ببعض المهام إلا أنّ زوجته محجوبة كانت له بمثابة السند وخففت أوجاعه

وبحسب محجوبة؛ فإنّ حياتها في قطاع غزة تختلف كثيراً عن الحياة التي كانت تعيشها في المغرب، فهي تعيش في بيت صغير سقفه من الصفيح لا تتجاوز مساحته 30 متراً مربعاً، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة خلال اليوم، وسماع دوي الانفجارات بشكل متكرر، وعلى الرغم من ذلك إلا أنّها تعيش بسعادة مع زوجها، وتفضل أن تبقى في غزة.
وتردف قائلة: "عندما أخبرت عائلتي وصديقاتي عن الحياة التي أعيشها في غزة، وعن فقداني للجنين بسبب القصف الإسرائيلي بالقرب من منزلي قبل ثلاثة أشهر، طلبوا مني العودة إلى المغرب على الفور، خوفاً على حياتي، ولكني رفضت ذلك؛ لأنّ حبي لغزة وسكانها زاد كثيراً بعد العيش معهم، والتعرّف إليهم عن قرب".

اقرأ أيضاً: هل يكون قبول المغرب بصفقة القرن بوابة للاعتراف بسيادته على الصحراء؟
حُبّ تخطى الحدود
وبعد إصابته بطلق ناري في قدمه اليمنى لم يتوقع محمد العامودي أن يجد فتاة توافق على الزواج منه؛ لأنّه أصبح من ذوي الاحتياجات الخاصة، لكنّ محجوبة وافقت على الزواج منه، وقطعت ما يزيد عن 3000 كيلومتر للعيش معه في غزة المحاصرة، والتي تختلف اختلافاً كلياً عن بلدها المغرب.
وقد أصبح الشاب العامودي، عاجزاً على القيام ببعض المهام، إلا أنّ زوجته محجوبة كانت له بمثابة السند، وخففت أوجاعه، فهي تساعده في ارتداء الملابس والحذاء، وكانت تذهب معه بشكل مستمر للمشاركة في فعاليات مسيرات العودة.

العامودي أخبر "حفريات" بأنّه عندما كان يتحدث مع محجوبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وطلب منها الزواج، لم يعدها بحياة وردية، وشرح لها ظروفه، والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في غزة، ورغم ذلك وافقت على الزواج منه، وأنّها جسدت كافة معاني الوفاء، وأثبتت له أنّ المال، والحياة الفارهة لا يساويان شيئاً أمام الحب.

اقرأ ايضاً: محللون لـ "حفريات": تركيا تدعم حماس لتقوية التواجد الإخواني في غزة
وكان محمد، الذي يبلغ من العمر (27 عاماً)، يعمل في بيع وشراء الهواتف الخلوية المستعملة في أحد أسواق مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، لكن بفعل إصابته لم يستطع العمل، حيث إنّه يتلقى مساعدة مالية من الهيئة العليا لمسيرات العودة تقدر بـ 300 شيكل شهرياً، أي ما يعادل "80 دولاراً أمريكياً"، وبالكاد يستطيع توفير المستلزمات الأساسية لبيته.

للمشاركة:

من التنظيم الخاص إلى حسم.. الظاهرة الجهادية قلق مصر المزمن

2020-02-18

"الماضي لا يموت أبداً"، تلك هي القاعدة التي تحكم البنية التحتية للسياسة في مصر، وهي لا تنطبق على شيء كما تنطبق على الاستمرارية التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين، بكل ما صحبته من انغلاق وعنف وتطرف؛ وإذا ما كان هناك مشكلة يمثل فيها الماضي الحاكم والمهيمن فهي استمرارية جماعة الإخوان التاريخية.

جماعة الإخوان المسلمين واسعة وتضم عدداً من الأعضاء وهم ليسوا جميعاً على مستوى واحد من الدرجة التنظيمية

في مواجهة الإهمال الاعتباطي لماضي الإسلاموية، والذي أفرز حاضرها المُربك، نظّم مركز "دال" بالقاهرة، الأربعاء الماضي، ندوة لدراسة أوجه التماثل والاختلاف بين أشكال العنف الديني في الأربعينيات، وبين تجلّياته في العقد الثاني من الألفية الثالثة؛ سعياً لبلورة مقاربة مختلفة تستوعب دروس الماضي الجهادي وتفكّك بنية حاضره؛ فإذا كانت الحركات العنفية حديثة النشأة، لم تبدأ من الصفر فإنّ فهمها وامتلاكها العلمي ينبغي أن يكون على المستوى نفسه.
لقد نجحت الدولة المصرية في كبح الظاهرة الجهادية حتى انحسرت على نحو ملموس؛ حيث تراجع عدد الهجمات الإرهابية في سيناء، وتضاءلت بشدة في غيرها من المحافظات، كما استطاعت الحكومة وأد حركات جهادية كان من المتوقع أن تتمدد وتزدهر عقب 30 حزيران (يونيو) 2013، مثل حركة "حسم" الإخوانية؛ إلا أنّ مخاطر السياسة العنيفة لم تتبدد بشكل كلي؛ فمع استمرار مناخ التشنج السياسي والتهميش الاقتصادي والقمع، سيكون هناك من يرى بعض الجاذبية في هؤلاء الذين يتحدّون أسس وشرعية الدولة القائمة ويخططون للانتقام السياسي ممّن ساهموا في إسقاط حكم الجماعة، وهو إغراء خطير يجب مواجهته بكل السُّبُل الممكنة.

التاريخ هو المحك

تحدّث مقُدّم الندوة؛ الباحث رامي شفيق، عن ضرورة صُنع مقاربة تاريخية للعلاقة بين التنظيم الخاص وحركة "حسم"؛ فمن الصعب، بحسبه، تقديم قراءة موضوعية ومنهجية لحدثٍ ما دون ربطه بالسياق التاريخي والأحداث التي سبقته.
وأشار شفيق إلى أنّ النقطة الأهم التي ينبغي الانتباه إليها عند الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين، هي عدم التعامل معها باعتبارها نسقاً واحداً عبر هذه الأعوام الطويلة، دون ملاحظة التغييرات التي مرت بها الجماعة؛ فهي جماعة واسعة تضم عدداً من الأعضاء، ليسوا جميعاً على مستوى واحد من الدرجة التنظيمية؛ فهناك الأخ المساعد والأخ المنتسب والأخ العامل، ومن مرتبة الأخ العامل فقط ينطلق الأخ الجهادي.

اقرأ أيضاً: كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟
والنزوع الجهادي لدى أعضاء الجماعة، إحدى القضايا الحاسمة في فكر ومناقشات الإخوان منذ رسالة المؤتمر الخامس التي قررها المؤسس حسن البنا، وهي، بحسب تعبير شفيق؛ "نقطة مفصلية في عمر الجماعة، ليس على مستوى المضمون فقط، بل على جملة التغييرات السياسية التي عصفت بمصر في ذلك التوقيت، والتي أعطت للمؤتمر الخامس زخمه وأثره في مسيرة الجماعة؛ ففي هذه الفترة وقعت مصر معاهدة عام 1936 مع بريطانيا".
ولعل الأثر السياسي الأبرز لهذه المعاهدة هو ضمور الجاذبية السياسية لحزب الوفد المصري وللملك فاروق في آن، وبداية الصعود الصاروخي لجماعة الإخوان؛ ممّا دفع حسن البنا إلى الشروع في مرحلة جديدة في حياة التنظيم، تعتمد القوة المسلحة في التغيير والوصول للسلطة.

أدّت معاهدة مصر مع بريطانيا عام 1936 إلى ضمور الجاذبية السياسية لحزب الوفد وللملك فاروق وبداية صعود جماعة الإخوان

ونسج المُحاضر؛ الدكتور عمرو الشوبكي، أطروحته، على المنوال التاريخي نفسه؛ فألح على أهمية عدم فصل النص / الظاهرة، عن السياق التاريخي الذي يتحركان في إطاره؛ فأي حركة سياسية بشكل عام، وحركات الإسلام السياسي بشكل خاص، لا يمكنها الإفلات من سطوة سياقها الاجتماعي والسياسي؛ فلا يمكن تحليل النصوص / الظواهر، سواء كانت دينية أو سياسية، بمعزل عن السياق الاجتماعي، وهذا يمكن أن يساعدنا في فهم سبب استدعاء كتابات ابن تيمية في بعض اللحظات التاريخية وخفوت استغلالها في لحظات أخرى.
وتأسيساً على هذه القاعدة المنهجية، انتقل الشوبكي إلى سؤال مشروع حول اللجوء لخيار العنف لدى الجماعة، فقد لجأت الجماعة لهذا الخيار في العهد الملكي وفي العهود الجمهورية جميعهاً، وبالتالي يجب إعادة النظر في سردية الجماعة التي تُحمّل مسؤولية انتهاجها العنف للأنظمة السلطوية؛ فقد طال حزب الوفد، على سبيل المثال، قمع الملك وقمع عبد الناصر وإقصاء السادات لكنه لم يمر بمواجهات مسلحة وعنيفة مع الدولة.

جانب من الندوة
وعلى سبيل المحاججة، تساءل الشوبكي؛ "إذا كان تبرير الإخوان للعنف بالقمع الذي طالهم في عهد عبد الناصر صحيحاً، فلماذا اشتبكت الجماعة بعنف مع كل النظم السياسية المتعاقبة والمتباينة التي مرت على مصر؟"، لافتاً إلى أنّ هذا يدل على خلل ما في صيغة جماعة الإخوان المسلمين نفسها.

معضلة الديني والسياسي

يُرجع الشوبكي الخلل في صيغة الجماعة إلى إشكالية مركزية تتمحور حول دخول جماعة دينية إلى المجال السياسي والعام، طارحاً إستراتيجية "الدمج الآمن" لحل هذه الإشكالية، التي طالما حدّت من تطور مصر السياسي، وفكرة هذه الإستراتيجية، كما شرحها الشوبكي، قائمة على افتراض إمكانية دمج الجماعات الدينية في العملية السياسية، لكن بشرط فصل الجماعة الدينية عن الحزب السياسي.

لا يمكن تحليل النصوص والظواهر سواء كانت دينية أو سياسية بمعزل عن السياق الاجتماعي والسياسي لها

وقد أُثيرت أطروحة الشوبكي حول الفصل بين العمل السياسي والدعوي (الجماعة / الحزب) على نطاق واسع منذ سقوط حسني مبارك، حيث ظلت محل نقاشات عاصفة ومحمومة من قِبل أنصار وخصوم الإسلام السياسي، على حدٍ سواء، فبرّرت الجماعة الجمع بين السياسة والدعوة؛ بأنّ البيئة السياسية العدائية التي انخرطت بها على مدار عقود، أجبرتها على العمل وفق هذه الصيغة المُلغّمة؛ إذ وضعت الأولوية لصراع البقاء، ولم تكن مستعدة لخطر تفتيت بنيتها بالفصل بين الدعوة والعمل السياسي، إلا أنّها لم تلتزم بهذا الفصل الضروري سوى على نحو شكلي ومخادع، حتى بعد أن أصبحت لاعباً سياسياً شرعياً ورئيسياً.
وكان الشوبكي، من أبرز الداعين لهذا الفصل الحتمي بين الأنشطة الدعوية وبين الحزب السياسي، الذي عليه الالتزام بالقواعد المدنية الدستورية، وطالما شدّد على ضرورة عدم السماح لجماعة دينية خارج التقاليد المدنية للدولة المصرية بوضع القواعد الدستورية والقانونية للنظام السياسي، على عكس ما حدث؛ فالذين وصلوا للسلطة بعد الثورة هم الجماعة الدينية وليس الحزب السياسي، حيث وضعت الأولى دستوراً يفتح الباب فعلاً لدولة دينية.
ويقارن الشوبكي دخول الجماعة إلى المجال السياسي بعد الثورة، بلحظة دخولها إلى المجال العام؛ حيث فعلت الأمرين بشروطها كجماعة دينية تهدف إلى تغيير المجتمع وقيمه، وهو ما أربك المشهد السياسي في الحالتين.

ليست لحظةً عابرة

منذ تشكّل الجماعة عام 1928 وحتى المؤتمر الخامس عام 1937، ظهر الإخوان كجماعة دعوية مسالمة، وتحدثت رسائل حسن البنا عن هدف دعوي بالأساس يسعى إلى تغيير قيم الأفراد وسلوكياتهم، معتبراً أنّه بتغيير 90 بالمئة من أفراد المجتمع سيتغير النظام السياسي تلقائياً، وبالتالي ليست هناك حاجة إلى ثورة أو تغيير جذري، أو حتى تحويل الجماعة إلى حزب، وقد تمّ الانقلاب لاحقاً على هذا الطابع المحافظ الذي صبغ الجماعة منذ نشأتها، حيث تحاول الجماعة اليوم إظهار نفسها كحركة ثورية، في تناقض مع أفكارها الأولى والأصيلة التي ترفض التغيير الثوري وفكرة الثورة في حد ذاتها.

طال حزب الوفد قمع الملك وقمع عبد الناصر وإقصاء السادات لكنه لم يمر بمواجهات مسلحة وعنيفة مع الدولة

وبعكس ريتشارد ميتشل، الذي ردّ فكرة التنظيم الخاص إلى النزعة الجهادية المستعرة لدى حسن البنا، يعتبر الشوبكي أنّ البنية التنظيمية متعددة المستويات، والبنية العقائدية متنوعة الدرجات لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين؛ هما اللتان أفرزتا فكرة التنظيم السري أو التنظيم الخاص، وبالنسبة إليه، فبإمكان البنية نفسها إلقاء المزيد من الضوء على تجربة "حسم" في الفترة الأخيرة؛ فلا توجد جماعة سياسية أو دينية تشتمل على هذا التعدد ولا تنتج تنظيماً عنيفاً.
وبحسب أدبيات الجماعة، كما يقول الشوبكي، فإنّ المستويات التنظيمية تشمل؛ الأخ المساعد، ثم الانضمام الأخوي أو الأخ المنتسب، ثم الأخ العامل، الذي يقضي عامين أو 3 مع الجماعة حتّى تتم تزكيته، ويدفع اشتراك 7 بالمئة من دخله لصالح الجماعة، والمستوى الأخير هو الانضمام الجهادي، ولا يصل إليه إلا من كان عضواً عاملاً لمدة 4 أعوام على الأقل.

اقرأ أيضاً: كيف يعمل الإخوان على أسلمة أوروبا؟
وهناك عناصر تكوينية في أدبيات الجماعة، لإعداد الكادر المجاهد؛ أهمها:
- دراسة عميقة للجهاد في الإسلام
- التدريب على الأعمال الشاقة
- التدريب على توزيع المنشورات
- التدريب على التخاطب بالشيفرة
- التدريب على استعمال الأسلحة
- المبايعة على السمع والطاعة
- كتمان السر
ووفقاً لذلك، اضطرت جماعة الإخوان المسلمين إلى تبني خطابين؛ أحدهما مُعلن حول الدعوة والإصلاح ورفض الثورة ورفض الحياة الحزبية، وآخر موازي خفي عنيف حول الجهاد والتضحية، والذي أسفر عن اغتيال النقراشي والقاضي الخزندار ومحاولة اغتيال عبد الناصر.

وفي خضم عملية الاستقصاء التي أجراها الشوبكي، تبيّن أنه مع التحولات التي مرت بها البلد، وبالتحديد في عهد الرئيس السادات ومجيء عمر التلمساني كمرشد للجماعة، خفتت ممارسة العنف وتبنت الجماعة خطاباً سلمياً منفتحاً يتناسب مع مرحلة الاستضعاف، قائم على المودة وقبول الآخر، وهو نقيض خطاب مرحلة التمكين الذي ظهر مع وصولها إلى السلطة.

يرجع الخلل في صيغة الجماعة إلى إشكالية مركزية تتمحور حول دخول جماعة دينية إلى المجال السياسي والمجال العام

وفي ملاحظة لامعة، يشير الشوبكي إلى أنّ فكرة العنف لم تخفت في أذهان قادة الجماعة منذ السبعينيات وحتّى سقوط نظام مبارك، رغم انتفاء ممارسة العنف عن سياسة الجماعة؛ حيث ظلت كامنة داخل ذهن اتجاه محافظ (القطبيين)، والذي حوّل الفكرة إلى مشروع كامل يقوم على افتراض أنّ الإخوان شيء والمجتمع المصري شيء آخر، ويُمثّل تعبير "الاستعلاء الإيماني"، على قسوته، أفضل تعبير عن هذا العنف الكامن.
وبحسب الشوبكي، دخلت فكرة العنف مرحلة الكمون، بسبب تغيّر السياق السياسي؛ فقد دخل الإخوان المشهد العام كفاعل سياسي منذ عهد السادات، وحين أصبحت الجماعة منبوذة منه عام 2013، تبنت رواية سياسية مناقضة للرواية السائدة، واستدعى قسم من الجماعة فكرة العنف، وهنا تبلورت حركة "حسم" التي انطلقت عام 2014 وقامت بعمليات نوعية متعددة ضد الجيش والشرطة.
ويرصد الباحث، التشابه الذي يجمع "حسم" بالتنظيم الخاص، ويؤكد على الاستمرارية التاريخية لفكرة العنف داخل بناء الجماعة العقائدي والتنظيمي؛ حيث إنّها تواجه العنف ضد النظام وحده (وليس على طريقة داعش التي تستهدف الكل، وذلك لأنّ الحركة تتبنى رواية انتقام سياسي مما حدث في ٣ تموز)؛ أما الفارق بين الظاهرتين فيكمن في أنّ التنظيم لم يكن قائماً على فكرة الثأر والانتقام بل على مفهوم "الجهاد"، وأنّ مستوى التكوين العقائدي في التنظيم الذي أسسه البنا، أعلى بما لا يقاس من حالة "حسم" التي تتبنى خطاباً سياسياً يشبه خطاب "الربيع العربي" مع تلوينه بمفردات وتعبيرات إخوانية، وتجاهل أدبيات الجماعة المحافظة ومدها بخطاب ثوري، لطالما عارضته في مسيرتها الطويلة الملتبسة.

للمشاركة:



قوات الشرعية تكبّد الحوثيين خسائر كبيرة.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

شنّت قوات حراس الجمهورية هجوماً شرساً على مواقع الحوثيين في مدينة الدريهمي، بمحافظة الحديدة، صباح اليوم .

وقالت مصادر محلية، نقلت عنها صحيفة "المشهد" اليمنية: إنّ "الهجوم جاء من ثلاثة محاور على مواقع الميليشيا الحوثية، بعد خرقها لأكثر من مرة لاتفاقات التهدئة السابقة".

هذا وقد سقط قتلى وجرحى من ميلیشیا الحوثي الانقلابیة إثر تجدّد المواجھات مع القوات المشتركة الموالیة للحكومة الشرعیة في جبھة الساحل الغربي بمحافظة الحدیدة (غرب الیمن).

قوات حراس الجمهورية تشنّ هجوماً شرساً على مواقع الحوثيين في مدينة الدريهمي بمحافظة الحديدة

وقال المركز الإعلامي لألویة العمالقة، في بيان له؛ إنّ بقایا جیوب الحوثیین حاولوا التسلل من مزارع الحسینیة صوب منطقة الجاح الإستراتیجیة في مدیریة بیت الفقیة بعد تلقیھم تعزیزات على مدى أسبوع.

وأضاف المركز؛ القوات المشتركة تمكنت من صدّ محاولة تسلّل للحوثیین إلى مواقعھا.

وأشار المركز الإعلامي إلى أنّ القوات المشتركة كبدت ميلیشیا الحوثي خسائر فادحة، مشیراً إلى سقوط قتیلین من القوات المشتركة.

وأكد أنّ تحركات الحوثیین كانت مرصودة منذ وصول التعزیزات وبدء الانتشار بین مزارع النخیل، الأمر الذي جعل محاولتھم انتحاریة تفتقر لعنصر المباغتة.

ألوية العمالقة: القوات المشتركة تمكّنت من التصدي لمحاولة تسلّل الحوثیین إلى مواقعھا عبر المزارع

في سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ كشفت وثائق حوثية مسربة، إقرار الميليشيات الحوثية بوجود مقاتلين صغار السن (أطفال) تمّ الاعتداء عليهم جنسياً في معسكراتهم.

وأكّدت إحدى الوثائق وجود أطفال في مراحل عمرية صغيرة في معسكر الاستقبال، يتبعون للقيادي "أبو نهم" الذي يتبع للقيادي أبو محمد القدمي.

على الصعيد نفسه؛ أشار تقرير صادر من اللجنة الثقافية في شعبة التأهيل والتدريب بوزارة الدفاع الانقلابية في بند السلبيات عن مواقع التدريب في إحدى المحاور العسكرية في المنطقة العسكرية المركزية، يذكر في رقم ٣ من السلبيات أنّ القيادي الحوثي، أبو يحيى الجريري، يوجد في مجاميعه أفراد صغار السنّ، كما يتضمن التقرير وجود انتهاكات جنسية طالت أطفالاً بهذه المعسكرات.

وثائق حوثية مسربة تؤكّد تعرض مقاتلين صغار السنّ (أطفال) لاعتداءات جنسية في معسكراتهم

إلى ذلك، ذكرت الوثيقة المرفوعة من قبل الأمن الوقائي في إحدى مواقع التدريب؛ أنّه تمّ ضبط واقعه اعتداء جنسي على طفل بموقع تدريبي تابع للمنطقة العسكرية المركزية التي يديرها عبد الخالق الحوثي.

وتذكر الوثیقة أنّ المدعو محمد مجعل، وھو أحد قیادات الميلیشیات في معسكرات التدریب، ضبط أثناء اعتدائه جنسیاً على أحد المقاتلین صغار السنّ، یوم ١١ كانون الثاني (ینایر) ٢٠١٩.

من جانبها، استنكرت وزارة التربیة والتعلیم الیمنیة، في وقت سابق، استمرار میلیشیا الحوثي في عملیات تجنید الأطفال في جمیع المحافظات الواقعة تحت سیطرتھا، ودعت المجتمع الدولي والمنظمات العاملة في حقوق الإنسان وحمایة الأطفال إلى إدانة ھذه الانتھاكات، والضغط على المیلیشیات الانقلابیة لإیقاف عملیة تجنید الأطفال والزجّ بھم في العملیات القتالیة.

للمشاركة:

حملة اعتقالات جديدة في تركيا.. من تستهدف؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

أصدرت السلطات التركية اليوم مذكرات توقيف بحقّ حوالي 700 شخص؛ للاشتباه بارتباطهم بجماعة الداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب المزعومة، عام 2016.

وذكرت وكالة "الأناضول" الرسمية للأنباء؛ أنّ المحققين يبحثون عن 695 شخصاً، بينهم عسكريون وشرطيون وموظفون في وزارة العدل، وأوقف منهم ما لا يقل عن 159 شخصاً، صباح اليوم، وصدرت مذكرات التوقيف في إطار عدة تحقيقات عبر تركيا.

وفي أنقرة؛ طلبت النيابة العامة توقيف 467 شخصاً، يشتبه بترتيبهم عمليات تزوير خلال مسابقة للانضمام إلى الشرطة عام 2009 بهدف السماح لمؤيدين لغولن بالحصول على مناصب مسؤولية، بحسب وكالة "الأناضول".

السلطات التركية تصدر مذكرات توقيف بحقّ حوالي 700 شخص للاشتباه بارتباطهم بجماعة غولن

ويشتبه بأنّ جميع المعنيين بمذكرات التوقيف مناصرون لحركة الداعية فتح الله غولن، الذي يتهمه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بالوقوف خلف محاولة الانقلاب التي جرت في تموز (يوليو) 2016.

وينفي غولن، المقيم منذ حوالي عشرين عاماً في الولايات المتحدة، أيّ ضلوع له في الانقلاب الفاشل.

وتطارد السلطات منذ ذلك الحين أنصاره في حملات توقيف غير مسبوقة من حيث حجمها في تاريخ تركيا الحديث، أدت إلى توقيف أو إقالة أو تعليق مهام أكثر من 140 ألف شخص.

وتتواصل حملات التوقيف بشكل شبه أسبوعي، رغم مرور حوالي 3 أعوام على محاولة الانقلاب.

 

للمشاركة:

من الديمقراطيين.. من سينافس ترامب في انتخابات 2020؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

يخوض 9 مرشحين من الحزب الديمقراطي انتخابات للفوز بترشيح الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة، لخلافة الرئيس دونالد ترامب، الذي يسعى للفوز بولاية ثانية في الانتخابات التي ستجري عام 2020.

جون بايدن

أول المرشحين؛ هو نائب الرئيس السابق والسيناتور المخضرم، جو بايدن، الذي يمثل التوجه التقليدي للحزب الديمقراطي، ويستند برنامجه الانتخابي على إعادة بناء الطبقة المتوسطة، والاستثمار في البنية التحتية الاتحادية، ومجانية التعليم الجامعي، وفق ما أزردت "البي بي سي".

ويركز في حملته على ثورة الطاقة النظيفة، التي من شأنها أن تجعل الاقتصاد الأمريكي يعتمد على طاقة نظيفة بنسبة 100%، مع انبعاثات صفرية، بحلول عام 2050، وفرض رسوم وغرامات على الأطراف المتسببة بالتلوث.

دخل جو بايدن السباق الديمقراطي بصفته مرشحاً رئيساً، إن لم يكن المرشح الأوفر حظاً للفوز بالانتخابات، ويحظى بشبه اعتراف دولي، وبمستويات عالية من القبول داخل الحزب وبين المستقلين سياسياً، واسمه مرتبط بأعوام الرخاء (على الأقل بالنسبة إلى الديمقراطيين) خلال رئاسة أوباما، ولديه فرص جيدة لجمع مبالغ هائلة خلال حملات التبرع من خلال الشبكات التقليدية للديمقراطيين.

وقدّم بايدن نفسه في فيديو التعريف بنفسه وببرنامجه الانتخابي؛ على أنّه الشخص الذي لا ينطبق عليه، إلى حدّ بعيد، ما ينطبق على دونالد ترامب وما يريد القيام به.

يشترك بايدن في بعض نقاط الضعف السياسية التي ظهرت أيضاً في حملة هيلاري كلينتون الرئاسية؛ التي أتاح الوقت الطويل الذي قضته تحت أنظار الرأي العام، فرصة سانحة لخصومها حتى ينالوا منها، ويربطوا بينها وبين مؤسسة الحكم الأمريكية الحالية، التي يشعر أمريكيون كثيرون بعدم الثقة بها.

من المتوقع أن يركز خصومه في الانتخابات التمهيدية على موقفه من قضية إلغاء الفصل العنصري في الحافلات المدرسية في السبعينيات من القرن العشرين، ورئاسة جلسات الاستماع لتثبيت القاضي كلرانس توماس في المحكمة العليا، عام 1991، وتأييده لحرب العراق، عام 2003، والقوانين الصارمة الخاصة بالجريمة والإفلاس.

ويضاف إلى ذلك؛ سنّه المتقدم، وارتكابه زلات لفظية، والمزاعم المتعلقة بالاتصال الجسدي غير اللائق وخسارته السباق إلى البيت الأبيض مرتين.

وقال ترامب عنه: "مرحباً بك، سليبي جو (اللقب الذي يطلقه الرئيس ترامب على بايدن)، في السباق الرئاسي، أرجو فقط أن يكون لديك بعض الذكاء، وطالما شككت في ذلك، كي يؤهلك لإطلاق حملة انتخابات تمهيدية ناجحة".

بيرني ساندرز

المرشح الثاني؛ بيرني ساندرز، الذي يمثل اتجاهاً سياسياً جديداً لم تعرفه الولايات المتحدة سابقاً، خاض الانتخابات عام 2016، وحلّ في مرتبة متقدمة.

ويقوم برنامجه الانتخابي على الرعاية الطبية للجميع (ميدي كير)، وزيادة الضرائب على الأمريكيين الأكثر غنى، ورفع الحدّ الأدنى من الأجور.

كما يطالب بإلغاء 1.6 ترليون دولار أمريكي بشكل كامل من الديون الحالية على الطلبة، بغضّ النظر عن الدخل، وجعل الدراسة في الكليات والجامعات والمدارس المهنية مجانية، وتمويل ذلك عبر فرض ضرائب على وول ستريت.

ويتمتع ساندرز بمزايا اكتسبها من تبرعات صغار المتبرعين، والشهرة التي يحظى بها، وتنظيم الموالين له في خمسين ولاية أمريكية، بيد أنّ وضعه كمتسابق رئاسي رئيس ستترتب عليه تكلفة معينة.

وسيحتفظ السيناتور، البالغ من العمر 77 عاماً، بقاعدته الموالية له، لكن من غير المعلوم ما إذا كان سيختار بعض أنصاره السابقين وجهاً جديداً، هذا وقد يقود إلى نشوب نزاع مع أولئك الذين يعتقدون أنّ "الثورة" التي يقودها بيرني تمثل الطريق الوحيد المتاح، الأمر الذي سيلهب الجراح التي يعاني منها الديمقراطيون، علماً بأنّها لم تندمل بعد منذ الحملة الانتخابية الأخيرة.

ووصف ترامب بيرني بالمجنون، لكنّه يملك طاقة أكبر مقارنة ببايدن، ولهذا لا يمكنك أن تعرف الحقيقة.

إليزابيث وارن

المرشح الثالث، إليزابيث وارن، وهي الأكاديمية التي تمثل التوجه التقدمي في الحزب الديمقراطي.

وارن؛ عضوة مجلس الشيوخ عن ولاية ماساشوسيتس، والتي تعد شوكة في خاصرة البنوك الكبرى، تسلط في حملتها الانتخابية على ضريبة الثروة، والرعاية الصحية، وحقوق الإجهاض، وتجريم إهمال الشركات الكبرى، كما تطرح إلغاء الديون الجامعية بناء على مستوى دخل الأسر؛ الأسرة التي تكسب أقل من 250 ألف دولار أمريكي سنوياً ستحصل على مستويات مختلفة من تخفيض الديون، بينما الأسر التي تكسب أكثر من ذلك لن تستفيد، وجعل الكليات العامة مجانية؛ إذ سيتم فرض ضرائب على أصحاب الثروات الكبيرة.

وظلت إليزابيث وارن مفضلة لدى اليسار التقدمي، منذ بروزها على المشهد السياسي، بهدف الدفع باتجاه فرض قوانين تنظيمية أكثر صرامة على القطاع المالي بعد الأزمة المالية لعام 2008، وخلال خدمتها في مجلس الشيوخ، أصبحت معروفة باستجواباتها الاستقصائية للمديرين التنفيذيين في وول ستريت، وبكونها منتقدة بصراحة للتفاوت في الدخول.

هذه القاعدة الشعبية المخلصة قد تكون كافية لصاحبتها حتى تتصدر المشهد في حقل ديمقراطي مشتت.

هذا وقد تواجه وارن تحديَ صياغة برنامجها الانتخابي؛ فهي تتعرض للنقد باستمرار من طرف دونالد ترامب، الذي سخر مراراً وتكراراً من مزاعمها السابقة بشأن أصولها؛ إذ قالت إنّ أصولها تعود إلى السكان الأصليين في أمريكا، ورغم أنّها بالكاد تذكر الرئيس في خطاباتها هذه الأيام، لكن عليها إقناع الديمقراطيين بأنّها لن تكون السياسية الأخيرة التي استهان بها الرئيس، ثم هزمها."

وقال ترامب عنها: "أظنّ أنّ بوكاهانتس (امرأة أمريكية من السكان الأصليين في إشارة إلى وارن)، قد انتهت، إنّها خارج اللعبة، لقد انتهت. عندما اكتُشِف أنّ في عروقي دماء هندية أكثر منها، وبما أنّه تبين أنّني لا أحمل دماء هندية، لكنني ما أزال أحمل المزيد منها، كانت تلك نهاية عملية نصب استمرت لمدة 32 عاماً".

 بيت بوتيجيج

أما المرشح الرابع؛ فهو بيت بوتيجيج، هو من جيل الألفية، وهو عمدة مدينة صغيرة لكنّه حقق نتائج جيدة.

أصبح رئيس بلدية مدينة ساوث بيند في ولاية إنديانا عندما كان ما يزال في العشرينيات من عمره، وخدم في القوات البحرية، وهو أول مرشح مثلي علانية.

برنامجه الانتخابي يقوم على الإصلاح السياسي، وحقوق المثليين، وتخفيف عبء الديون الدراسية.

واقترح بوتيجيج إعادة تشكيل المحكمة العليا؛ لتضمّ خمسة قضاة ديمقراطيين، وخمسة قضاة جمهوريين، وخمسة قضاة يتم اختيارهم بموجب اتفاق القضاة العشرة المعينين.

ويجيد المرشح سبع لغات، من بينها العربية، ويخطف الأضواء في ترشيحات الديمقراطيين.

دخل بوتيجيج السباق بسيرة ذاتية فريدة؛ فهو مثلي علانية، وحائز على شهادة أكاديمية من كلية رود في جامعة أكسفورد، وشارك في حرب أفغانستان بصفته مقاتلاً مخضرماً، وبصفته رئيس بلدية في منطقة الوسط الغربي، أظهر جاذبية لدى الناخبين في منطقة ساعدت في تسهيل وصول دونالد ترامب إلى الرئاسة.

قال عنه ترامب: "ألفريد إي نومان (مجلة ماد للرسوم المتحركة) لا يمكنه أن يصبح رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية".

إيمي كلوبوشار

المرشحة الخامسة، إيمي كلوبوشار، وهي محامية وعضوة مجلس الشيوخ حالياً، لمع نجمها خلال استجواب القاضي الذي رشحه ترامب للمحكمة العليا.

برنامجها الانتخابي يقوم على الاستثمار في البنية التحتية، وبرامج الصحة العقلية، وتخفيض أسعار وصفات الأدوية.

كما تدعو كلوبوشار إلى تخصيص 100 بليون دولار أمريكي لمعالجة تعاطي المخدرات وقضايا الصحة العامة، على أن تتولى دفعها جزئياً الشركات التي تصنع مواد الأفيون من خلال توسيع نطاق التمويل والمحلي وعلى مستوى الولاية لبرامج الصحة العقلية.

قال عنها ترامب: "إيمي كلوبوشار أعلنت أنّها ترشح نفسها للرئاسة، وتحدثت بفخر عن مكافحة الاحتباس الحراري، بينما تقف عملياً في عين عاصفة ثلجية مصحوبة بالجليد وانخفاض درجات الحرارة، عند نهاية خطابها، بدت وكأنّها رجل ثلج (امرأة)!".

تولسي غابارد

المرشح السادس، تولسي غابارد، وهي من مواليد ساموا الأمريكية، تبلغ من العمر 37 عاماً، وتمثل مقاطعة هاواي في الكونغرس.

غابارد التقت رئيس النظام السوري، عام 2017، وتدعو إلى وقف التدخل الأمريكي في شؤون الدول الأخرى.

برنامجها الانتخابي يقوم على إنهاء السياسة الخارجية القائمة على التدخل، والتغير المناخي، وتقييد حيازة السلاح.

تدعو غابارد إلى تبني "قانون الاستغناء عن الوقود من أجل مستقبل أفضل" الذي طرحته، وينص على إنهاء الإعانات والتخفيضات الضريبية المتعلقة بالوقود الأحفوري، وحظر إنتاج الغاز الصخري، وإلزام شركات الكهرباء باستخدام 80% من موارد الطاقة المتجددة بحلول 2027، فضلاً عن إلزام السيارات بانبعاثات صفرية بحلول عام 2050.

وتعرضت المرأة المخضرمة التي شاركت في حرب العراق للنقد؛ بسبب لقائها بشار الأسد، في كانون الثاني (يناير) 2017، بعدما اتُّهِم الرئيس السوري باستخدام الغاز السام، بشكل متكرر، ضدّ المدنيين.

وقد تثير غابارد، وهي ابنة سياسي محافظ وناشط، غضب الناخبين الديمقراطيين أيضاً؛ بسبب انتقادها سابقاً من وصفتهم بـ "غلاة المثليين"، ومعارضتها لحقوق الإجهاض والزواج المثلي.

وعارضت أيضاً الاتفاق النووي مع إيران، ودانت "التطرف الإسلامي"، بلغة تذكرنا أكثر فأكثر بمرشح جمهوري.

 مايكل بينيت

أما المرشح السابع؛ فهو مايكل بينيت، وهو عضو مجلس الشيوخ عن كولورادو، ومدير سابق للمدارس العامة في دينفر، ويعدّ أحد اصحاب المليارات ويدعم قضايا الحريات.

برنامجه الانتخابي يقوم على الإصلاح الاقتصادي، والزراعة، وإصلاح النظام الجنائي، وهو أحد رعاة قانون الأسرة الأمريكي لعام 2019، والذي يسعى إلى توسيع الائتمان الضريبي للأطفال بناء على مستوى دخل الاسرة، على أن يُدفع شهرياً بدلاً من مُستردات الضرائب.

مايكل بلومبيرغ

المرشح الثامن: مايكل بلومبيرغ، وهو ملياردير ورئيس سابق لبلدية نيويورك، لكنّ سجلّه خلال توليه منصب عمدة نيويورك غير مشجع لدى القاعدة الديمقراطية.

برنامجه الانتخابي قائم على الاقتصاد، والهجرة، والحدّ من انتشار السلاح، والتغير المناخي.

واستهزأ ترامب ببلومبيرغ قبيل إعلان مشاركته في الانتخابات الرئاسية، قائلاً: "لا أحد أودّ خوض غمار الانتخابات ضدّه سوى مايكل الصغير".

توم ستاير

أما المرشح التاسع، توم ستاير؛ فهو ملياردير من كاليفورنيا يعمل في مجال التمويل، ويدعو إلى الحدّ من قوة الشركات الكبرى.

برنامجه الانتخابي يقوم على التغير المناخي، والرعاية الصحية، وركّز ستاير عند إطلاق حملة الرئاسية بالفيديو على "نقل السلطة إلى الشعب" وتحميل الشركات الكبرى مسؤولية معظم المشكلات "المستعصية".

ووصفه ترامب قبل أشهر قليلة من إعلانه أنّه سيخوض الانتخابات، بـ "غريب الأطوار".

 

للمشاركة:



هل فقد الفلسطينيون الحشد وعليهم أن يقبلوا بصفقة القرن؟

2020-02-18

ترجمة: إسماعيل حسن


يرى كتّاب وخبراء سياسيون إسرائيليون؛ أنّ القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية، وبعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تفاصيل صفقة القرن، قد سقطت ورقتهم بعد أن فقدوا الحشد والدعم الحقيقي في محاولة التصدي لقرارات الصفقة، في حين أنّه قد آن الأوان كي تفرض إسرائيل سيطرتها الكاملة على بلاد اليهود التاريخية، دون إذن من الفلسطينيين.

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية جداً ومع ذلك رفضوها

وفي هذا الإطار يقول الكاتب والمحلل السياسي، أفرايم غانور: "لقد فقدت القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية كافة أوراقها الأخيرة، فلا داعي للرفض ومحاولة حشد الدعم العربي الرافض للخطة، الرئيس أبو مازن خلق وراءه ناراً أشعلها في خطابه الكفاحي، أقلع إلى الجمعية العمومية بالأمم المتحدة في نيويورك ليعمل ما هو جيد فيه أكثر من أيّ شيء آخر، فيخطب أمام ممثلي الأسرة الدولية، ويطلب تأييدهم الذي لم يجده حتى الآن؛ لا في الشارع الفلسطيني ولا في العالم العربي المحيط به، بالتالي ليس هناك ما يحسد أبو مازن ورفاقه في القيادة الفلسطينية عليه، لقد بقوا بلا أوراق وبلا خيارات عمل، التوجه للأسرة الدولية لن يجدي نفعاً في ضوء الوقوف الذي لا لبس فيه من إدارة ترامب إلى جانب إسرائيل، وللحقيقة؛ الحديث لا يدور فقط عن ترامب وإدارته، فمعظم دول العالم امتنعت عن رفض خطة ترامب، ولا ترى فيها سبباً لتحطيم القواعد التي يهدّد فيها أبو مازن إسرائيل، من يدّعي أنّ ترامب ونتنياهو لم يتركا أمام الفلسطينيين غير طريق واحد، وهو طريق العنف، لكنّ أبو مازن يعرف أكثر منهما أنّ هذا الطريق مآله الفشل، ولن يؤدي إلى أيّة نتائج.

ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه
يصعب الافتراض أنّ ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه في أيام الانتفاضة في بداية أعوام الألفين، التي خلّفت أكثر من ألف قتيل إسرائيلي، يمكنهم تحقيقه اليوم في ضوء التفاوض الأمني والاستخباري الإسرائيلي، مثلما هو الحال دوماً، تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو الولايات المتحدة، في أعقاب الانتخابات القريبة في الدولتين، وكما هو الحال دوماً؛ يفضّل الفلسطينيون أن يعيشوا انطلاقاً من الخيار بين خطاب في الجمعية العمومية للأمم المتحدة وخطاب في جلسة مجلس الأمن، وبين انتخابات وانتخابات، ليكتشفوا وليخيب أملهم في كلّ مرة من جديد، أنّ شيئاً لن يحصل مهما يكن من أمر، وحتى حين لا يفعلون شيئاً غير الحديث والخطابة، فلعدم الفعل دينامية خاصة به، ولا يمكن إبقاء السلطة والحركة الوطنية الفلسطينية على قيد الحياة فقط، وعلى أساس الخطابات والأحلام والترقب لنتائج الانتخابات، فالسلطة كفيلة بأن تتفكك في نهاية اليوم، وستكون النتيجة اندفاعاً من الفلسطينيين نحو الإسرائيلية والمواطنة الإسرائيلية".

اقرأ أيضاً: غالبية الإسرائيليين يرفضونها: هل ستبوء "صفقة القرن" بالفشل؟
ويتابع غانور مقالته قائلاً: "الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون ويؤيدون ادّعاءاتهم المحقة، والذين يقفون إلى جانبهم في المظاهرات والكفاح؛ ففي المظاهرات التي جرت في تل أبيب ضدّ خطة الضمّ، بمبادرة ومشاركة منظمات اليسار والمئات من عرب إسرائيل، رفعت أعلام فلسطين بينما هتف حاملوها هتافات لا تتوقف، فلسطين مئة في المئة من البحر حتى النهر، الرسالة معروفة ومشهود لها، وتشكل جزءاً لا يتجزأ من عقيدة كفاح منظمة الإرهاب حماس، ثمة كثير من الحقيقة والحقّ في ادّعاءات عرب إسرائيل ضدّ البند الوارد في خطة ترامب، الذي يتحدث عن نقل جزء من بلدات وادي عارة إلى السلطة الفلسطينية المستقبلية.

عرب إسرائيل
الواضح أنّ عرب إسرائيل لا يحتاجون دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، وإذا كان هذا بالفعل هو حلمهم؛ فإنّ هذا البند بالذات في خطة ترامب سيساعدهم في تجسيد الحلم من خلال ضمّهم إلى الدولة الفلسطينية، لكن لماذا يتظاهرون؟ فالموضوع كلّه عن العلم الفلسطيني إلى جانب التطلع إلى دولة من البحر إلى النهر مكانه ليس هنا، بمعونة المظاهرات وهتافات كهذه، يقطع عرب إسرائيل الفرع اليهودي الإسرائيلي الذي يدعمهم ويحملهم، كلّ يهودي في هذه الدولة يفهم معنى هتاف يدعو إلى دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، بفضل هتافات كهذه تطرأ على رأس كلّ يهودي صور قاسية تحت عنوان "لن تكون هناك مرة أخرى أبداً"، وإذا لم يسارع عرب إسرائيل إلى الإصلاح والاعتذار عن هذا المشهد، فسيكتشفون في الأيام القريبة المقبلة أنّ الكثير من اليهود الذين يؤيدون تلك البنود التي تضمنتها خطة ترامب وتظاهروا واحتجوا ضدّها، من غير المستبعد أن نسمع في الأيام المقبلة ادّعاءات من اتجاهات مختلفة في الوسط العربي، بأنّ هذا لا يعكس موقف كلّ عرب إسرائيل، وأنّ الأمور لم تفهم كما ينبغي، التوقعات مختلفة ومتنوعة ليس فيها ما يقلل خطورة هذه الظاهرة، لقد حان الوقت لأن يفهم كلّ عربي يعيش هنا ويحمل بطاقة هوية زرقاء ويتطلع ويحلم بدولة فلسطينية من البحر إلى النهر، أنّ مكانه ليس هنا، ليس في دولة اليهود، إلى جانب هذا؛ على قيادة عرب إسرائيل، بكلّ تركيبتها، ولا سيما لجنة المتابعة ونوابها في الكنيست؛ أن يستوعبوا أنّ المسؤولية تقع على من يطلب من المؤسسة اليهودية المساواة الكاملة لعرب إسرائيل، ملزم قبل كلّ شيء بأن يكون موالياً وملتزماً بالدولة التي يطلبون منها مطالبهم وحقوقهم، لو جرت مظاهرة لرجال اليمين من حملة أعلام إسرائيل في بلدات وادي عارة، ودعا المشاركون فيها إلى نقل جلجوليا وباقة الغربية، وأم الفحم، وعرعرة، إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية، لانطلقت هنا صرخة رهيبة مع ادّعاءات بالعنصرية وما شابه خطاب أبو مازن في اجتماع الجامعة العربية، الذي عرض فيه حقائق كاذبة ومثيرة للحفيظة عن يهود رابطة الشعوب وأثيوبيا، تعزّز الرأي بأنّه لا يوجد مع من ووفق ماذا سيكون الحديث، لو كانت هناك حكمة في الطرف الفلسطيني لكان بوسعهم أن يصدوا ويغيروا خطة ترامب بسهولة، كان عليهم ببساطة أن يقولوا نعم للخطة ويرفقونها بعدة تحفظات لديهم، والاستعداد للبحث فيها في اللحظة نفسها؛ فإنّ عرض هذه الخطة كما عرضت كان سيتوقف أو ينزل عن جدول الأعمال، وحتى نتنياهو نفسه كان سيحرص على وقفها؛ لمعرفته أنّ شركاءه من اليمين لن يكونوا مستعدين لسماع وقبول خطة مع بند يتحدث بشكل واضح وقاطع عن دولة فلسطينية، بل وعن دولة يستعدّ الفلسطينيون لقبولها، هكذا هو الحال حين يحرص الفلسطينيون دوماً على ألا يفوتوا أيّة فرصة ليفوتوها.

أفضل الخطط السياسية الأمنية
في المقابل؛ يقول الكاتب الإسرائيلي، عاموس جلبوع: "إعلان تفاصيل خطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعدّ من أفضل الخطط السياسية الأمنية التي سبق أن طرحت على إسرائيل في الموضوع الفلسطيني، وعلى إسرائيل أن تتبناها جملة وتفصيلاً بما فيها البنود التي قد لا تكون مريحة لها، لعدة اعتبارات:

الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون معهم

أولاً: هذه الخطة تحطم المنظومة الفكرية الكونية دولة فلسطينية في حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وإخلاء المستوطنات التي ترسخت في العالم منذ المحادثات التي جرت سابقاً بين باراك وياسر عرفات، وفي أوساط ما كان عليه اليسار الإسرائيلي، هذه الخطة تلقى في سلة القمامة، بحدود 67 تسمح لإسرائيل بأن تقرر حدودها على أساس اعتراف أمريكي بالاحتجاجات الأمنية لإسرائيل، تعترف بالقدس الموحدة وتعترف بشرعية المستوطنات، وهكذا يخرج من الخطاب السياسي مصطلح الاحتلال، هذه خطة لها إجماع واسع في الحياة العامة الإسرائيلية، باستثناء الأغبياء وغريبي الأطوار في الهوامش المتطرفة من اليمين واليسار.

اقرأ أيضاً: وثيقة فلسطينية ترصد 300 تجاوز قانوني في "صفقة القرن"
ثانياً: هذه الخطة تعيد الحركة الوطنية الفلسطينية إلى نقطة الصفر؛ لا حدود 67، ولا حق عودة، ولا ما تلقوه كهدايا من باراك وأولمرت، السيطرة على نحو 95% من أراضي يهودا والسامرة وإخلاء مستوطنات وعودة رمزية للاجئين وسيطرة على الحرم والحوض المقدس، صحيح أنّ الخطة تتحدث عن دولة فلسطينية بعد أربعة أعوام، عاصمتها شرق القدس، بمعنى القرى مثل أبو ديس وقلنديا، لكن من أجل نيل هذه الجائزة على الفلسطينيين أن ينفذوا سلسلة من الشروط، وعلى رأسها الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، من ناحية الفلسطينيين فهذا تنكر للأمر الأهم وخيانة للجوهر وللهوية الفلسطينية، فضلاً عن ذلك؛ فإنّ دولتهم ستكون محدودة جداً في سيادتها، ولن تكون لها رقابة على الحدود، وكلّ ما قلته حتى الآن يذكّرني بالإرث الذي تركه إسحق رابين في خطابه في الكنيست قبل شهر من اغتياله، لن نعود إلى حدود 67، القدس ستبقى موحدة والكتل الاستيطانية ستضمّ، وغور الأردن بالمعنى الأوسع سيكون حدودنا الأمنية، ولن تكون دولة فلسطينية، بل شيئاً ما أقلّ من دولة.

ثالثاً: قطاع غزة وحماس، تتحدث الخطة عن نزع سلاح حماس وتجريد القطاع وربطه بيهود السامرة بواسطة نفق أرضي، برأيي هذا أمر مستحيل، وأحلام لا يمكن تحقيقها، من سينزع سلاح حماس؟ هذه المحاولات وبمجرد الحديث فيها فهي تنذر بالشر للخطة، نتنياهو يساوم حماس ويفتح المطارات والمعابر لإدخال الأموال القطرية إليها، إطلاق الصواريخ ما يزال متواصلاً، وهو ما يزال قيد التفاوض، وليس بيده قرار أو حلّ لنزع السلاح.
رابعاً: لقد جاءت الخطة في وقت توجد فيه إسرائيل في موقع قوة إقليمية، والدول العربية مشغولة في مشاكل كبيرة والولايات المتحدة في موقع تأثير في المنطقة، لم يكن لها في الماضي، وفوق كلّ ذلك لا يمكن أن ننسى ولو لأيّة لحظة؛ أنّ المشكلة الحقيقية في المنطقة هي إيران.

اقرأ أيضاً: "كورونا" و"بريكست"و"صفقة القرن" والهشاشة
خامساً: أبو مازن والقيادة الفلسطينية لن يرفضا الخطة فقط، بل وسيحاولان القتال ضدّها وتهديداتهما تناطح السحاب لهم، فمن الصعب اليوم تجنيد الشارع العربي لعنف بعيد المدى، من يمكنه أن يمارس العنف هما حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، فهل ستنتج خطة القرن عنفاً كهذا من قطاع غزة إلى أن يرفعنا هذا إلى لحظة الحقيقة بالنسبة إلى مستقبل حماس في القطاع؟ أرى خطرين آخرين محتملين؛ الأول: ألا يعرف سياسيون كيف سيتصدون للتحدي الأكبر الذي يواجه الدولة الآن، والخطر الثاني؛ ألّا ينتخب ترامب مرة أخرى في تشرين الثاني (نوفمبر)؛ لذلك ينبغي الصلاة من أجل انتخابه.

اقرأ أيضاً: "صفقة القرن"... إطار للحل أم توطئة للانفجار؟!
أما الكاتب والمراسل العسكري، يوسى هدار، فقد أشار معقباً على ما سبق إلى أنّه لا توجد هناك خطة سياسية تساوي الورق الذي كتبت عليه، إلا إذا كانت منخرطة جيداً في الواقع اليومي، ومنسقة ومتعاطية مع القوى العاملة في المنطقة نفسها، على الساحة السياسية ومدعومة من القوى العظمى، صفقة القرن، التي هي ثمرة عمل كدّ لإدارة ترامب وإنجاز سياسي لا بأس به لحكومة نتنياهو، تقترب من المقاييس العملية التي ذكرت هنا، رغم أنّها لا تحظى في هذه اللحظة بموافقة كلّ الأطراف، على السطح تبدو هذه خطة ممتازة لإسرائيل، خطة تاريخية تمنح الدولة حدوداً قابلة للدفاع وبسط السيادة على غور الأردن والمناطق المأهولة في يهودا والسامرة اعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل، بما فيها البلدة القديمة في شرقها، ومزايا عديدة أخرى إضافة إلى ذلك.

الجدير بالذكر؛ أنّ إسرائيل مطالبة بأن توافق على إقامة دولة فلسطينية، وإن كانت مجردة وبشروط مقيدة، إلّا أنّها ما تزال دولة تمتد على نحو 70% من المناطق التي يحسبها كثيرون من الجمهور الإسرائيلي مناطق من الوطن، وفي نظرة تاريخية، ينبغي القول: إنّ الفلسطينيين يحصلون في خطة ترامب على أكثر بكثير مما ينبغي إعطاؤهم إياه، عليهم أن يتذكروا أنّ التطلعات القومية للعرب سبق أن تحققت في نحو 20 دولة في أرجاء الشرق الأوسط، بينما التطلعات القومية والأخلاقية والشرعية للشعب اليهودي لم تجد تعبيرها إلا في دولة قومية واحدة صغيرة ومحوطة بالأعداء، وعليه فليس هناك مكان آخر لتنازلات بعيدة الأثر.
مشروع تقسيم متجدد
إنّ خطة ترامب عملياً هي مشروع تقسيم متجدد، وينبغي أن نرى فيها الخطوة الأقرب لتحقيق العدالة التاريخية، والاعتراف بالحقوق التاريخية والقانونية للشعب اليهودي على بلاد إسرائيل، وبسبب التجمعات السكانية الفلسطينية في المدن الكبرى، وبسبب أهمية احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، ينبغي السماح للفلسطينيين بإدارة المنطقة بأنفسهم، لكنّ الحلّ الأكثر عدلاً هو حكم ذاتي فلسطيني وكونفدرالية مع الأردن.

تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو أمريكا

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية، وسخية جداً، بعضها ليست من حكومات باراك وأولمرت، ومع ذلك رفضوها في ظلّ إصرارهم على تقاليد تفويت الفرص التي تعود إلى المشروع التقسيمي.
لا مفرّ من النظر على نحو سليم، والقول إنّ الفلسطينيين غير معنيين بالاعتراف بدولة يهودية، وعملياً هم معنيون بكلّ الأرض من النهر وحتى البحر، لم يعد ممكناً انتظار الفلسطينيين، وتحمّل رفضهم، والإرهاب الذي يمارسونه، فضلاً عن الولايات المتحدة التي تؤيد مبدئياً فرض السيادة الإسرائيلية، يحتمل أن يكون ممكناً ربط المحور السنّي بمثل هذه الخطة، كذلك الدول العربية المعتدلة، ورغم التصريحات التلقائية التي انطلقت من الاتحاد الأوروبي, يبدو أنّ بريطانيا وألمانيا وفرنسا لم يستبعدوا الخطة تماماً، وقد تؤيد أيضاً هي مثل هذه الخطوة، على إسرائيل أن تعلن الخروج من دائرة الرفض الفلسطيني، وتحدّد حدودها دون انتظار أكثر من ما مضى.


مصدر الترجمة عن العبرية: معاريف
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-747896
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-744152
https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-745049

للمشاركة:

"تجنيد الأطفال" وغياب المسؤولية الدولية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

حسين الشيخ
لا شيء في الحياة دون قواعد حتى الحروب التي لا مرادف لها إلا الموت والخراب والدمار لها قواعد تحكمها إلا أن هذه القواعد يتم تجاوزها من الأطراف كافة لتغليبها النصر على الأعداء على أي مطلب آخر، وبغض النظر عن النتيجة كإهمال حياة المدنيين وتدمير البنى التحتية واستخدام الأسلحة المحظورة وغيرها من التجاوزات، إلا أن الأمر الأكثر بشاعة هو تجنيد الأطفال وتدريبهم على حمل السلاح، واستخدامه في القتال.

إن تعريف "الطفل" أخذ كثيرا من الأخذ والرد على مستوى الاتفاقات الدولية والقانون الدولي بتحديده بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة من العمر، وبغض النظر عن العمر المحدد في الاتفاقات الدولية، فإن العمل على تجنيد الأطفال سواء على يد الجماعات والمليشيات أو حتى الجهات الرسمية التي تجندهم بطريقة التفافية ضمن مليشيات تابعة لها، فإن الأمر الأكثر رعباً هو تجنيد الآلاف من الأطفال ممن هم دون الخامسة عشرة من العمر.

ورغم الحظر الدولي لتجنيد الأطفال فإننا نجد المجتمع الدولي والمنظمات المسؤولة عن حماية الأطفال كمنظمة "اليونيسيف" التي تتعامل مع الموضوع بالتصريحات والانتقادات - وبازدواجية في المعايير في بعض الأحيان – دون اتخاذ خطوات جادة تفرض على المجتمع الدولي عدم التعامل مع أي جهة تسهم في تجنيد الأطفال لما له من تبعات جسيمة تنذر بدمار مجتمعات بأكملها وتحويل أجيال برمتها إلى امتهان القتل والدمار.

وفيما يلي سنرصد أبرز الجماعات المرتبطة بملف تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العسكرية، كما سنتعرض إلى واجبات المجتمع الدولي والمنظمات الدولية المختصة بتطبيق القانون الدولي وحماية الأطفال، وعلى رأسها منظمة "اليونيسيف":
المسألة الأولى تتعلق بأبرز الجماعات العربية المرتبطة بتجنيد الأطفال، في ظل الحروب والنزاعات الدائرة وطول أمدها على الرقعة العربية شكلت منعطفات خطيرة في فقدان الأمن وتحويل البوصلة الفكرية إلى التيارات المتشددة لغياب الحلول السياسية لأزماتها العالقة منذ سنوات طويلة، الأمر الذي ترتب عليه تدهور البنى التحتية، لا سيما قطاعات التربية والتعليم وتسرب الأطفال من مدارسهم، بالإضافة إلى الحالة الاقتصادية المزرية وفقدان أبسط سبل العيش.

الأمر الذي يشكل ظروفاً مناسبة لاستغلال الأطراف المتصارعة لها والعمل على تجنيد الأطفال الذين يحققون لها بعض المكاسب التكتيكية والاقتصادية من خلال سهولة تجنيدهم واستغلال قصورهم الفكري بإلحاقهم بمعسكرات معنوية تعمل على زرع العداوة والبغضاء تجاه الطرف الآخر، الأمر الذي يسهم في تكوين طفل متشدد لا يمكن له في يوم من الأيام أن يقبل الطرف الآخر فتحظى بمقاتل مستميت لنصرة الفكرة التي زرعتها به، عدا عن كونه سهل الحركة وأكثر طواعية في تنفيذ الأعمال العسكرية الموكلة له وبانصياع تام لمُراد مجنِّديه.

هذا الأمر عمل عليه كل من تنظيم "داعش" المهزوم في سوريا والعراق ومليشيات الحوثي في اليمن، علاوة على أن الأطفال يتم تجنيدهم بتكاليف مادية بسيطة من حيث التسليح والأجور، كما أن من لا يستطيع حمل السلاح منهم لأي سبب من الأسباب يمكن استخدامه في نقل الذخيرة أو بناء الدشم، وهو ما عملت عليه كل الجماعات والمليشيات المتصارعة على الأرض العربية، كالجماعات المتطرفة في ليبيا وجبهة النصرة في سوريا والحشد الشعبي في العراق والمليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني.

ولكن الجماعات الأبرز الضالعة بتجنيد الأطفال هما جماعة "بوكو حرام" في الصومال وجماعة "الحوثي" في اليمن، ففي الصومال وبحسب التقارير والإحصاءات الإعلامية يتم تجنيد ما يزيد على ألفي طفل، وفي اليمن ما يقارب الألف طفل، ما يجعلهما في مقدمة المجنِّدين للأطفال مقارنة بالمساحات الخاضعة لهما وتعداد سكانها.

المسألة الثانية تكمن في آلية تعاطي المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مع ملف تجنيد الأطفال..

رغم أن تجنيد الأطفال محظور دولياً وباتفاقات مبرمة لا مجال لتجاوزها، وباعتبار تجنيد الأطفال يرقى لجرائم الحرب، فإن تعاطي المجتمع الدولي معه يعد خجولاً مقارنة بقدراته القانونية والسياسية وحتى العسكرية، وذلك من خلال النظر لهذا الخطر على أنه موضوع ثانوي بل إنه لا يرقى حتى لمجرد مقاطعة أولئك المجنِّدين أو اشتراط التوقف عن تجنيد الأطفال كشرط أساسي قبل الجلوس معها على طاولة للحوار، كما في الملف اليمني والسوري.

أما المنظمات الدولية المعنية، لا سيما منظمة "اليونيسيف" فإنها لا تقتصر على التصريحات والمراقبة دون اتخاذ خطوات جادة، بل إنها تتعامل بازدواجية في بعض الأحيان، إذ تدين تجنيد الأطفال وتستصرخ المجتمع الدولي لمد يد العون وإنقاذهم.

وفي الوقت ذاته تعترف بالجماعات المجنّدة لهم من خلال إبرام الاتفاقات وإدخال المساعدات التي تعلم علم اليقين، أنها لن تصل إلى الأطفال، بل إنها ستنهب وتحوّل إلى جبهات القتال كما حدث في اليمن والتعامل مع مليشيات الحوثي، كما أنها تعتمد على تقارير مواربة رغم قدرتها على لمس الواقع بيدها، إذ تساوي بين الحكومة الشرعية والانقلابيين في موضوع تجنيد الأطفال.

وذلك رغم أن تقاريرها هي نفسها التي نشرها موقع "سكاي نيوز عربية" عام 2017، الذي جاء فيه أن "جماعة الحوثي تجند 1940 طفلا، بينما هناك 274 حالة تجنيد مسؤولة عنها الحكومة اليمنية"، جاء التقرير بلغة تشير إلى أن الحالات المسؤولة عنها الحكومة الشرعية تفتقر إلى التوثيق اللازم لهذا الانتهاك، علاوة على أن العدد - رغم إدانتنا لتجنيد أي طفل - المذكور بحق الحكومة الشرعية عدد ضئيل لا مجال للتأكد منه.

كل ذلك يجعل المجتمع الدولي والمنظمات الدولية مسؤولة وبشكل مباشر عن قضية تجنيد الأطفال وتحويل المجتمعات إلى فرق متناحرة تتجذر فيها قيم التطرف والتشدد واستساغة إراقة الدماء وتدمير الأجيال بحرف أهدافها وطموحاتها وطاقاتها من مقاعد الدراسة والانكباب على العلم والبناء إلى دشم القتال والتمترس وراء البنادق، ما ينذر بكارثة حقيقية لا مجال لاحتوائها إذا مضى وقت أطول دون التعامل معها بحزم أو إيجاد الحلول الجذرية لها.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

أردوغان والفائضون عن الحاجة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

خالد الغنامي

عندما وضع أردوغان إكليل زهور على قبر ثيودور هرتزل في عام 2005 لم يكن يطلق مجاملة عابرة، فتركيا هي ثاني دولة مسلمة تعترف بإسرائيل في عام 1949، بعد إيران التي اعترفت بها في عام 1948. العلاقة بين الجانبين في حقيقتها أقوى من علاقة طيور الحُب في 14 فبراير، خصوصاً على مستوى وزارتي الدفاع (التركية والإسرائيلية)، فالتعاون العسكري يطال العديد من المجالات التي تشمل الجو والبحر والأرض، ومن قوات المشاة إلى التسليح، ومن المجال الاستخباراتي إلى صناعة الطائرات والأسلحة والصواريخ.. وهو تعاون ينطلق أساساً من تعاون اقتصادي راسخ. إنه حلف استراتيجي مؤسسي وبنيوي يشتمل على لجان التوجيه والاجتماعات المنتظمة والحوارات التي لا تنقطع.. مهما مارس أردوغان من مسرحيات هزلية أمام المتفرجين. هذه المسرحيات هي ما جعلت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسخر من تظاهر أردوغان بعداوة إسرائيل، في حين يقدّر التبادل التجاري بين الجانبين بعشرات المليارات، ويسير على نحو متصاعد في كل عام.
الاتفاق التركي الإسرائيلي في فبراير 1996 يؤكد أنه عندما يكون هناك جنود لإحدى الدولتين، على أراضي الطرف الآخر، فإنهم لن يشاركوا في النزاعات بين الدولة المضيفة وأي طرف ثالث. هذا الاتفاق يتم تمديده سنوياً وقد مهد الطريق للزيارات العسكرية المتبادلة والتدريب الذي يشمل إرسال المراقبين للإشراف على المناورات العسكرية وتبادل الموظفين واكتساب المعرفة العسكرية، وقيام القوات الجوية والبحرية بزيارات متبادلة وتدريبات مشتركة.
وعلى صعيد الطيران العسكري، تُجرى التدريبات الدورية للقوات الجوية ثماني مرات سنوياً، في أربع عمليات انتشار في كلا البلدين. وتُجرى هذه التدريبات في تركيا بسبب حجم إسرائيل الضئيل، مما يتيح لقواتها الجوية أن تمارس التدريب الدوري في حوض البحر المتوسط، فيما يتدرب الطيارون الأتراك على ميدان إطلاق النار المحوسب في إسرائيل وفي مطار نيفاتيم.
ولابد أن نعلم أن إسرائيل قلّصت عبر العقود من مصالحها واستثماراتها في اليونان وكردستان، رغم التعاطف مع قيام دولة للأكراد، ضماناً لمصالحها مع تركيا. وفيما يتعلق بالتعاون الاستخباراتي، وهو مجال حيوي آخر تزدهر فيه العلاقات الإسرائيلية التركية، يجري تبادل المعلومات الروتينية وتحليل البيانات، بما فيها تلك التي جمعتها الأقمار الاصطناعية الإسرائيلية.
الدافع وراء العلاقات الإسرائيلية التركية هو المصالح الوجودية المشتركة التي نسجت علاقاتهما الوثيقة في محيط عربي تستبعدان الاندماج فيه، وتجدان أن شخصيتيهما «الغربيتين» تحثهما على التعاون، خصوصاً بعد أن اتضح أن فائدتهما للمصالح الغربية أصبحت موضع شك، منذ الإعلان عن نهاية الحرب الباردة، مما زاد من رغبتهما في التقارب والتعاون من أجل البقاء. هذا غيض من فيض، مما تشهد به الوثائق الرسمية المعلنة للعالم.
على هذه الخلفية، وفي الوقت الراهن تحديداً، وما تشهده علاقة العالم العربي بالدولة التركية الحالية من توتر.. لا يمكن أن نحسن الظن بأولئك الأتراك الأيديولوجيين الذين يهتفون في بلد ثالث: «بالروح بالدم نفديك يا أقصى»، وكان الأولى بهم أن يذهبوا إلى مقر السفارة الإسرائيلية في أنقرة وأن يهتفوا للأقصى من هناك، أو أن يذهبوا إلى مصانع السلاح التركية التي تصدّر إلى إسرائيل الذخائر التي تقتل بها الفلسطينيين، فيمنعوا تصديرها.
ومع كل هذا، تجد أن الفائضين عن الحاجة، بحسب تعبير نيتشه، وهم جماعة «الإخوان المسلمين»، ما زالوا يدافعون عن خليفتهم المزعوم أردوغان ويمارسون تضليلهم الإعلامي للإنسان العربي العادي الذي لا يملك الوقت للبحث والتقصي حول خلفياتهم ودوافع مواقفهم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية