مراكب من الركام... صيادو غزة يبحرون بأخشاب منازلهم المهدمة

مراكب من الركام... صيادو غزة يبحرون بأخشاب منازلهم المهدمة

مراكب من الركام... صيادو غزة يبحرون بأخشاب منازلهم المهدمة


21/04/2026

داخل مرفأ الصيادين بمدينة غزة يستعيد الصياد صبحي عواد (47 عاماً) تفاصيل اللحظة القاسية التي فقد فيها مركبه، ويقول بنبرة يعتصرها الألم: "كان مركبي طوله نحو ثمانية أمتار، وهو مزود بمحرك بقوة أربعين حصاناً، عملت عليه أنا وإخوتي لأكثر من عقد كامل، نسجنا فيه تعب السنين وعرق الأيام، وفي لحظة واحدة، وفي يوم عصيب، تلاشى كل شيء، كأنّ سنوات الكد قد محيت بضربة قاسية لا ترحم." 

ويتابع بصوت خافت يثقله الانكسار: "المركب لم يكن مجرد خشب ومحرك، بل كان رأس المال، وعماد الرزق، وذاكرة العمر كلها، وحين فقد لم نخسر قطعة من الممتلكات فحسب، بل تهاوى كل ما بنيناه، كأنك تعود فجأة إلى نقطة الصفر، عارياً من كل ما ادخرته على مرّ السنين." 

ويعمل 5 آلاف صياد في قطاع الصيد، وقد تقلص العدد حالياً إلى 400 يعملون على قوارب صغيرة جداً ضمن نطاق بحري لا يتجاوز 800 متر تحت تهديد يومي مستمر من البحرية الإسرائيلية.

وقال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة: إنّ 100% من الثروة السمكية تضررت نتيجة استهداف الاحتلال لمناطق الصيد.  

ووفق اتفاقية أوسلو التي أبرمت بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل عام 1993، كان يفترض أن يمتد المجال الحيوي البحري لغزة إلى 20 ميلاً بحرياً.

لكن منذ عام 2006 جرى تقليص المسافة إلى ستة أميال بحرية، قبل أن تتقلص المساحة بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلى عمق لا يتجاوز ثلاثة كيلومترات، في حين حددت المسافة المسموح بها مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ 800 متر فقط من الشاطئ.

مركب من ركام 

ويشرح عواد بالأرقام كاشفاً حجم التدهور الحاد: "كنا نخرج بمعدل أربع إلى خمس رحلات أسبوعياً، وفي الرحلة الجيدة كنا نعود بين خمسين إلى سبعين كيلوغراماً من السمك، أمّا اليوم، فقد انقلبت الموازين، فإذا عدت بخمسة كيلوغرامات فقط، يُعدّ ذلك يوماً استثنائياً." 

وبعد فقدان مركبه، لم يكن أمام عواد سوى خيار قاسٍ واحد هو أن يبدأ من الصفر، مستعيناً بمواد لم تصمم أصلاً لمواجهة قسوة البحر، ويكمل: "شرعت بجمع الأخشاب من منزلي المدمر من أبواب ونوافذ، وحتى ألواح الخزائن، لكنّ المعضلة أنّ هذه الأخشاب غير معالجة لمقاومة الماء، وهو ما يجعلها هشة أمام الرطوبة، وسريعة التلف، وعاجزة عن الصمود طويلاً في وجه الموج والملح".

ويضيف بتفصيل دقيق: "اضطررنا لاستخدام طبقات من النايلون وقطع قماش بالية بين الألواح، في محاولة يائسة للحدّ من تسرب المياه، ثم نطليها بزيت محروق أو بأيّ مادة متاحة، كي توفر قدراً ضئيلاً من العزل، وهذه حلول بدائية، لكنّها كانت الخيار الوحيد في مواجهة واقع قاسٍ لا يرحم." 

ويشرح آلية التثبيت، عاكساً بدائية الوسائل وقسوة الواقع: "لا تتوفر لدينا أيّ معدات حديثة، واعتمدنا على مسامير قديمة، كثير منها أصابه الصدأ، وأحياناً نلجأ إلى ربط الألواح بالحبال لتثبيتها، والقارب بأكمله يكاد يكون عملاً يدوياً خالصاً، صنع بإمكانات شحيحة وإصرار يواجه المستحيل." 

غياب المحركات 

ويؤكد، موضحاً ضيق المساحة وقسوة الظروف: "القارب الحالي لا يتجاوز طوله ثلاثة أمتار، وعرضه أقلّ من متر ونصف، ممّا يجعل الحركة داخله بالغة الصعوبة، وهو يعكس بوضوح حجم التراجع القاسي عمّا كان عليه الحال."

وأحد أكبر الفوارق بين الماضي والحاضر يتمثل في غياب المحركات، وهو ما غير ملامح العمل رأساً على عقب، ويواصل عواد: "كان المحرك يختصر الوقت والجهد، ويمنحنا القدرة على الوصول إلى مناطق أكثر غزارة بالسمك، أمّا اليوم، فنحن نجدف بأيدينا، فتخيل أن تقضي ساعة كاملة في التجديف لتبتعد مسافة محدودة عن الشاطئ." 

ويضيف وملامح الإرهاق بادية في كلماته: "العودة أشدّ قسوة، خصوصاً حين يعلو الموج، وغالباً نبلغ الشاطئ ونحن في حالة إنهاك تام، كأنّ البحر استنزف ما تبقى فينا من قوة." 

ولم تسلم معدات الصيد الأخرى من الدمار، ويشرح عواد حجم الخسارة المتراكمة: "الشباك القديمة تمزقت واحترقت، وما تبقى منها نضطر إلى ترقيعه بشكل شبه يومي." 

من مراكب حقيقية إلى قوارب هشة

الصياد حسن الهسي، في الخمسين من عمره، يجلس قرب قاربه الصغير الذي يبدو أقرب إلى لوحة فسيفسائية من ألواح متباينة الألوان والأحجام، يمرر يده على الخشب بخشوع ممزوج بالألم، ويقول: "هذا القارب، ليس أوّل مركب لي، فقد كان لديّ مركب صيد حقيقي، تعبنا عليه سنوات طويلة، لكنّه ذهب كله." 

ويصمت الهسي لحظة، ثم يضيف بنبرة مثقلة: "انقصف المركب خلال الحرب، وبعدها بفترة تهدم البيت، فشعرت كأنني خسرت حياتي مرتين، لا مرة واحدة." 

ويتابع بصوت يختزن مرارة التجربة: "كنت وأولادي نعمل على مركب متوسط الحجم، نخرج إلى مسافات أبعد ونعود بصيد جيد، أمّا اليوم، فالمركب لم يعد موجوداً." 

ويشير إلى أحد الألواح قائلاً: "هذا اللوح من باب غرفة أولادي، عندما رأيت الركام قلت لنفسي: إذا ضاع المركب، فلا بدّ أن أعود إلى صناعة واحد بأيّ وسيلة." 

ذاكرة مزدوجة، بيت وقارب

ويتابع بواقعية قاسية: "القارب ليس قوياً، وفي كل مرة أخرج أشعر بالخوف من أن ينكسر في عرض البحر، لكن ما البديل؟ لا عمل، ولا مصدر رزق، والبحر هو ما تبقى لنا." 

ويضيف الهسي موضحاً: "لا نستطيع الابتعاد كثيراً، فالقارب لا يتحمل، ونبقى قريبين من الشاطئ، لكنّ السمك هناك قليل، ممّا يعني أنّ الخسارة تتضاعف يوماً بعد يوم." 

ويكمل بصوت منخفض: القوارب التي كانت تحمينا دمرت جراء القصف، وما تبقى لا يمنح الأمان، وكأنّ كل رحلة إلى البحر أصبحت مقامرة مفتوحة على المجهول." 

ويختتم الهسي حديثه قائلاً: "الغريب أنك تجلس على خشب بيتك، وفي الوقت نفسه تفكر بمركبك القديم الذي فقدته، كأنك تعيش خسارتين في آنٍ واحدٍ، ومع ذلك لا خيار سوى الاستمرار." 

تدمير واسع لقطاع صيد الأسماك 

يقول رئيس النقابة العامة للعاملين بالصيد والإنتاج البحري في قطاع غزة، زكريا بكر: إنّ "قطاع الصيد في غزة فقد نحو 95% من مكوناته، نتيجة القصف الجوي والبحري والاقتحامات البرية الإسرائيلية لميناء الصيادين، التي أسفرت عن تدمير عدد كبير من مراكب الصيد وغرف الصيادين، إضافة إلى مصنع الثلج وسوق السمك المعروف بـ (الدلالة)." 

ويوضح بكر: "ما تبقى من نشاط الصيد يتركز في مناطق محدودة بمحافظتي دير البلح وخان يونس، في حين تم تدمير كامل أسطول الصيد في رفح وشمال غزة ومدينة غزة." 

ويضيف أنّ "الحرب انعكست بشكل بالغ الخطورة على القطاع، إذ كان الصيادون قبل اندلاعها يمتلكون نحو 1050 مركب صيد تعمل بالمحركات، إضافة إلى نحو 1000 مركب تعمل بالمجاديف، إلا أنّ معظمها دُمّر ولم يعد يصلح للاستخدام، وهو ما أدى إلى فقدان آلاف الصيادين مصدر رزقهم وتدهور أوضاعهم المعيشية إلى ما دون خط الفقر المدقع." 

ويوضح بكر: "الإنتاج السنوي لقطاع الصيد قبل الحرب كان يناهز 4 آلاف طن من الأسماك، بينما تراجع حالياً إلى نحو 2% فقط من هذا الحجم، في ظل القيود الإسرائيلية المشددة على عمل الصيادين داخل البحر." 

ويتابع: "رغم حجم الدمار والمخاطر المستمرة، ما يزال ما بين 500 و600 صياد يحاولون ممارسة عملهم في البحر، باستخدام مراكب بدائية الصنع من أبواب الثلاجات وأخشاب المنازل المدمرة، على مسافة أقلّ من كيلو متر واحد من الشاطئ، وسط تعرّضهم المتكرر لإطلاق النار من قبل الزوارق الحربية الإسرائيلية، وهو ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى واعتقالات في صفوفهم." 

ويكمل: "قطاع الصيد فقد خلال الحرب المستمرة 232 صياداً، بينهم 67 قتلوا أثناء ممارسة مهنة الصيد، إضافة إلى اعتقال نحو 100 صياد وإصابة العشرات بجروح متفاوتة، بعضها أدى إلى بتر أطراف." 

وختم بالتأكيد على أنّ "تعافي قطاع الصيد في غزة يبقى غير ممكن في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على المعابر ومنع إدخال معدات ومستلزمات الصيد، مشيراً إلى أنّ "هذه القيود مستمرة منذ سنوات وتفاقمت بشكل أكبر خلال الحرب الحالية."




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية