مختارات مثيرة من الفكر السياسي العربي في القرن العشرين

مختارات مثيرة من الفكر السياسي العربي في القرن العشرين

مختارات مثيرة من الفكر السياسي العربي في القرن العشرين


كاتب ومترجم جزائري
11/06/2024

ترجمة: مدني قصري

أصدر المركز الوطني للبحث العلمي CNRS بباريس كتابات سياسية عربية. التناص، إنتولوجيا الفكر السياسي في  المشرق / المغرب العربي في القرن العشرين Écrits politiques arabes. Intertextualités, une anthologie de la pensée politique du Machrek/Maghreb au XXe siècle لليلى سورات وجيهان صفير. يقترح موقع Orient XXI الذي ساهم في تمويل هذا العمل المرجعي مقتطفات من مقدمته. يشرح المؤلفان الموضوع والتأطير والطريقة التي سادت تحقيق هذا العمل الضخم. 

لقد أتاحت لنا كل هذه النصوص التفكير في الاقتصاد العام لعملنا وتحديد موقع أنفسنا بشكل أفضل من أجل تحررنا عما هو موجود بالفعل. لذلك اخترنا الحد من تمثيل الإسلام السياسي، أوّلاً لأن العديد من المختارات مكرسة له، ولكن أيضاً لأنه يبدو لنا أنّ الإسلاموية قد وصلت إلى مثل هذا المستوى من التشبع في الدوائر السياسة والأكاديمية إلى حد يمنع من التفكير في المراجع الأخرى التي غذّت أيضاً التاريخ الاجتماعي والسياسي لمجتمعات المنطقة. كانت الحاجة الأخرى هي إعادة المكانة الكاملة للمفكرين والممثلين ذوي الأصول الشرق أوسطية مع مواجهتهم بالكُتّاب المغاربة والجزائريين والتونسيين.

الحديث عن "العالم العربي" يعني الانضمام، عن وعي أو بغير وعي، إلى تقليد استشراقي يعزو بشكل تعسفي خصائص مشتركة لمجتمعات المنطقة. فإذا لم يكن هناك معيار سياسي مشترك بين الدول العربية فإنّ هناك مع ذلك، كما قال الباحث جان فرانسوا بايارت ترابطاً بين فضاءاتها الرمزية. "العوالم العربية" المعاصرة تخترقها في الواقع مجموعة من المراجع المشتركة التي تغذي المخيالات (التصورات) السياسية: نهاية الإمبراطورية العثمانية، واتفاقيات سايكس بيكو، وإنشاء المستعمرات، وتكريس الهيمنة الاستعمارية بعد الاستقلال، والانقلابات العسكرية، وهي جملة من الأحداث التي تُعدِّل بشكل عميق التصورات السياسية للمجتمعات في المنطقة. إنّ استيعابَ المشتركِ في هذا "الفضاء السياسي العربي" ينطوي ضمناً على التفكير في تمفصل التسلسلات الرئيسية التي تزعزع المخيالات السياسية وتغيّرها.

"لا توجد أفكار" إسلاموية في حد ذاتها

على عكس القراءات المفاهيمية المختلفة فإنّ هذا العمل يسعى إلى إنصاف العديد من التجاوزات والتطورات التي تساهم في تكوين الأفكار السياسية. فهذه الأفكار ليست مذاهب جامدة ولذا ينبغي فهمها من حيث أنها بناءات صاغها فاعلون يتحركون في بيئات متغيرة باستمرار.

يهدف الجزء الأول إلى التعريف بالعديد من أشكال التعريفات الثقافية والسياسية والإقليمية والرمزية للأمة

لا توجد أفكار "إسلاموية" أو "قومية" في حد ذاتها. فإذا كانت المنافسة والعداء قد ميّزا العلاقة بين هاتين القوّتين الأيديولوجيتين في أغلب الأحيان فإنّ القومية والإسلام السياسي مبنيان أساساً على علاقتهما ببعضهما البعض. يعترف الإسلاميون بالدور المركزي الذي لعبه العرب في تطور الحضارة الإسلامية، بينما يعترف القوميون بالمكانة الخاصة للإسلام في الحضارة العربية.

وراء المفردات المشتركة الشائعة غالباً ما تختفي ترجمات متضاربة. يمكن أن تحتوي "فئة" معيّنة على تفسيرات مختلفة لنفس المفهوم والتي تختلف باختلاف الفترات والسياقات الوطنية. إنّ فكرة القوم qawm  العزيزة جداً على التقليد العربي بعيدة في الواقع كل البعد عن تحديد الشيء نفسه بالنسبة لجمال عبد ناصر أو بالنسبة للقذافي الذي يشبهها بصلةٍ من نمطٍ سلالي أو عائلي بدلاً من النمط الوطني. فقد دحضها زعيم الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين نايف حواتمة الذي يربطها بقومية حصرية بشكل جد مفرط.

إنّ تصور حدود الأمة يعني أيضاً إبراز الإسقاطات المكانية المختلفة التي تختلف بين المعنى الواسع للإقليم (القومية) وبين الوطنية الضيقة حول الحدود الوطنية (الوطنية)

لذا، فإنّ فهم الأفكار ونشأتها وإنتاجها يعني قبل كل شيء تركيز الاهتمام على سياقات معينة، سواء على مستوى التسلسلات التاريخية الرئيسية أو على النطاق المحلي لفضاءات التنشئة الاجتماعية والتسييس. فهكذا تسببت الحروب أو الثورات في إحداث تغييرات عميقة في طرق فهم النظام الاجتماعي والسياسي. وكان هذا بشكل خاص حال هزيمة 1967 والثورة الإسلامية عام 1979.

إن الاهتمام الذي يولَى لمساحات التنشئة الاجتماعية والالتزامات المسؤولة يسلط الضوء أيضاً على التتاقضات والالتباسات والتداخلات بين القومية والإسلاموية. كان هذا حال جماعة الإخوان المسلمين التي كانت قبل عام 1952 ممثلة بقوة في الجيش والشرطة، وشكلت قاعدة شعبية ضرورية لنجاح عبد الناصر. على مستوى المسارات الدقيقة لا بد من التذكير أنّ عدداً من النشطاء والمثقفين انتقلوا بعد 1967 من اليسار إلى الإسلام ثم إلى الليبرالية ابتداء من الثمانينيات، مثل نايف حواتمة، الماركسي القومي، أو صادق جلال العظم الماركسي الليبرالي.

التفكير في استخدامات الأفكار في علاقات السلطة

لا تقوم ممارسة السلطة أبداً على العنف وحده، بما في ذلك السياقات الاستبدادية. على العكس من ذلك فإنّ اللجوء إلى الأيديولوجيا يجعل من الممكن الحد من استخدام القوة الجسدية من أجل تشكيل الضمائر في شكل آخر أقل قسرية. فهكذا غرف معظم القادة الوطنيين إلى حد كبير من الإسلام الموارد اللازمة للتعبئة وجعل سلطتهم أكثر قبولاً. كان استخدام القرآن الكريم لتبرير العروبة أو تعزيز المشاعر القومية موثقاً جيداً. يذكرنا هذا على سبيل المثال بـ "حملة الإيمان" التي أطلقها صدام حسين، أو المسيرة الخضراء للحسن الثاني. بحثاً عن الأصالة استمد القادة القوميون أيضاً من الإسلام المكونات الأساسية لإضفاء الشرعية على اشتراكيتهم. بعد عام 1967 ادعت الناصرية أنّ هناك اشتراكية إسلامية سبق أن طورها الإخوان المسلمون، حتى إنّ أفكاراً معيّنة للإخوان قد ظهرت في وقت إعداد دستور عام 1971.

 المركز الوطني للبحث العلمي CNRS بباريس

اللجوء إلى التاريخ أتاح لكل هؤلاء الفاعلين إضفاء الشرعية على وجودهم من خلال إظهار استمرارية على المدى الطويل. لقد استند الإسلاميون والقوميون العرب على حد سواء إلى ماضٍ مضى: يندرج الإسلاميون ضمن الأيام الأولى للإسلام لتبرير ظهور دولة إسلامية أو عودة الخلافة. أمّا القوميون فإنهم يعتبرون أنّ الأمة العربية، القائمة على اللغة والثقافة والعرق كانت موجودة على الدوام. في كلتا الحالتين فإنّ إعادة هذا التقييم للماضي وفقاً لمتطلبات الحاضر تتيح   لكل طرف الادعاء بأنه الأكثر "أصالة".

تهجينات أيديولوجية

تأثرت القومية العربية بشدة بالنظريات القومية الأوروبية. فمن القومية الألمانية في القرن التاسع عشر ومن فيشت Fichte  بشكل خاص استمد المفكران القوميان زكي الأرسوزي وساطع الحصري إلهامهما الفكري الذي يستند إلى النموذج البسماركي للجمع بين كيانات منفصلة يتحدث فيها السكان نفس اللغة. كانت العروبة، بشكليها البعثي والناصري مستوحاة بقوة من الأنظمة الشمولية الأوروبية وحتى من الاشتراكية.

استمد المفكران القوميان زكي الأرسوزي وساطع الحصري إلهامهما الفكري الذي يستند إلى النموذج البسماركي للجمع بين كيانات منفصلة يتحدث فيها السكان نفس اللغة

من ناحيتهم اعتمد الشيوعيون العرب بشكل كبير على الاتحاد السوفيتي كنموذج يحتذون به. بينما كان الحزب السوفيتي الروسي يعتبر غير قابل للحل في دول العالم الثالث كان الهدف هو إيجاد طريقه خاصة بهم لصياغة ماركسية خالية من أي طابع غربي.

تقع فلسطين في قلب هذه التهجين الأيديولوجي، خاصة منذ قبول خطة تقسيم فلسطين من قبل الاتحاد السوفيتي في عام 1947، ولم يعد العديد من المناضلين الشيوعيين يعتبرون موسكو مصدراً لتقليد شرعي.

ما هي أسس الأمة؟

يأخذ هذا العمل كنقطة انطلاق الفترة بين الحربين وينتهي عند عام 2011. بصفتها لحظة محورية في التاريخ السياسي والاجتماعي للشرق الأوسط شهدت فترة ما بين الحربين العالميتين اختفاء الإمبراطورية العثمانية وإلغاء الخلافة وبناء دول جديدة بدأت تواجه منذ ولادتها الهيمنة الاستعمارية.  ويجدر التذكير أنّ هذه اللحظة هي أيضاً لحظة الثورة في روسيا وانتشار الأفكار الاشتراكية ووصولها إلى جزء من المثقفين العرب. في سياق استمرار الجدل الذي بدأ في نهاية القرن التاسع عشر كانت فترة ما بين الحربين العالميتين أيضاً فترة المناقشات التي ركزت بشكل خاص على أسس الأمة وطبيعة الأنظمة السياسية التي سيتم تبنيها,

يتكون الكتاب من أربعة محاور رئيسية: حدود الأمة، وممارسة السلطة السياسية، والاستقلال الاقتصادي والتنمية، وأخيراً النقد الذاتي. لا يتم التعامل مع فلسطين على أنها جزء أو جزء فرعي محدد. فكونها جزءاً لا يتجزأ من مسألة القومية العربية ومرجعاً رئيسياً للماركسية الثورية، وأداة بين أيدي الأنظمة السياسية التي تمنع أي حل انفصالي، تتواجد فلسطين في العمل بأكمله، حتى الدور المركزي لهزيمة 1967 في الروح العربية.

يبدأ الجزء الثالث بمقدمة يتعارض فيها قسطنطين زريق وشكيب أرسلان حول مسألة دور الغرب كنموذج يحتذى

يهدف الجزء الأول إلى التعريف بالعديد من أشكال التعريفات الثقافية والسياسية والإقليمية والرمزية للأمة. لقد مهّد الأديب طه حسين، باعتباره شخصية نموذجية للمثقف الطريقَ لمفاهيم مختلفة للقومية العربية، لا سيما تلك التي صاغها ساطع الحصري، أحد أشهر منظري القومية العربية. لقد تغذى الانتماء إلى الأمة بشكل أساسي من التجارب المناهضة للاستعمار، سواء ضد الوجود الأجنبي المادي أو ضد الهيمنة الثقافية أو الرمزية. بعد هزيمة 1967 جددت المقاومة الفلسطينية أساليب التماهي مع الأمة، فيما وجد الذين خاب أملهم في الناصرية أنفسهم في المشروع الاشتراكي الثوري.

إنّ تصور حدود الأمة يعني أيضاً إبراز الإسقاطات المكانية المختلفة التي تختلف بين المعنى الواسع للإقليم (القومية) وبين الوطنية الضيقة حول الحدود الوطنية (الوطنية). بعد منعطف عام 1967 جاءت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 لتَظهر أيضاً كقطيعة كبرى نحو التفكير في إعادة تشكيل مفهوم التماهي بالأمة: لقد أنتجت من ناحية انصهاراً أيديولوجياً بين القومية والإسلام (كما يتضح ذلك من تحوّل العديد من المسارات الماركسية نحو الإسلام) ومن ناحية أخرى استقطاباً إقليمياً مبنياً على معارضة مذهبية بين الشيعة والسنة.

يهتم الجزء الثاني بمسألة توجيه الشؤون السياسية. هنا يتعارض نموذجان للحكومة الإسلامية: دولة الخلافة والدولة الإسلامية، المبنيان على الاقتراض الخارجي للدولة - الأمة الأوروبية. يتأسس الحكم أيضاً على إقامة روابط مع منظمة فوق وطنية. هذه العلاقات مع الجهات الفاعلة الموجودة خارج الحدود الوطنية لا تقتصر على التجارب الإسلامية (الشيعة والسنة) ولكن يمكن مقارنتها بممارسات أخرى كممارسات الشيوعيين أو القوميين العرب.

يركز الجزء الثالث على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. بعد مقدمة موجزة يتعارض فيها قسطنطين زريق وشكيب أرسلان حول مسألة دور الغرب كنموذج يحتذى به للدخول في طريق التنمية يستعرض العمل الخطوط العريضة لثلاثة نقاشات رئيسية، الأول يتعلق بالعلاقة بين القومية والاشتراكية: في أساس العروبة تتيح الاشتراكية أيضاً لمن هم في السلطة بتمييز أنفسهم عن خصومهم الشيوعيين. ولكونها موضوع تفسيرات مختلفة فقد ظهرت مسألة تحريم الربا والعدالة الاجتماعية في الإسلام كنقاش مركزي آخر موروث عن "اليسار الإسلامي" الشهير الذي دعا إليه حسن حنفي بعد 1979. وأخيراً يأتي تناولُ القضايا الاقتصادية فيدخل أخيراً في قضايا الطبقات الاجتماعية، ورؤية ما يختفي وراء إدانات برجوازية تدعم الأنظمة العربية وتمدد الاستعمار.

أخيراً يضم الجزء الرابع والأخير أشكالاً من النقد الذاتي الذي صاغه المثقفون وردود الفعل الانعكاسية من قبل نشطاء سابقين. يتمحور هذا النقد بشكل أساسي حول موضوعين رئيسيين: أزمة الدولة وثقافة الميراث. وكموضوع رئيسي للمناقشات التي دارت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين يأتي الاستشراق ليختتم هذه الإنتولوجيا (المختارات) حول مسألةٍ صيغت في سياق غربي والتي لا تزال تلقي بثقلها على نسيج الأفكار السياسية في ما وراء المشرق والمغرب العربي.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

orientxxi.inf


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية