محاولات "الإسلام السياسي" اختطاف السيرة النبوية

محاولات "الإسلام السياسي" اختطاف السيرة النبوية

مشاهدة

02/11/2017

 

لم يُقدم مؤتمر "السنة النبوية وتعزيز فكر الوسطية والاعتدال"، الذي انعقد أخيراً بمدينة الدار البيضاء، تحت إشراف مباشر من قبل تيار الإسلام السياسي العالمي، وتحت غطاء ما يعرف بـ"المنتدى العالمي للوسطية"، أيّ جديد ـ في نظرنا ـ على مستوى تجديد الفكر الإسلامي أو في إطار طرح مقاربات اجتهادية تخرج عما هو مألوف في هذا الباب.

 

كنت آمل العثور على دراسات علمية متقدمة تحرر سيرة الرسول، عليه السلام، من عمليات الاختطاف التي واكبتها طوال قرون من الزمن وتزيل عنها العوالق الإيديولوجية والتوجيهات السياسية التي تحكمت أثناء تدوينها.
يبدو أن تيار "الإسلام السياسي" يقوم أيضاً بالمحاولة بنفسها، وهي "اختطاف السنة" والقيام بعمليات التأويل المُمنهج والتبرير الإيديولوجي (الفكراني) من أجل التمكين لأطروحات فكرية مُعينة تخدم توجهات سياسية على أرض الواقع، ويقدم أصحاب هذا التيار أنفسهم على أنهم أوصياء على سيرة الرسول عليه السلام، وهم في الحقيقة يخدمون التفسير الماضوي والتأويل التراثي للسنة وإعادة اجترار ما كتبه الأوائل فيها.
إنّ مداخلات "مؤتمر السيرة النبوية" لم تخرج عن المناولة التقليدية للموضوع، واكتفت بالحديث عن بعض الإشكالات المتداولة في أوساط الطلبة والباحثين من قبيل فهم السيرة أو الثابت والمتغير فيها أو علاقة الكليات بالجزئيات وغيرها من مباحث فقه المقاصد المعروفة والمروج لها أوساط بعض الإسلاميين.
في نظري لم يقدم المؤتمر أي جديد على مستوى دراسة السيرة يمكنه أن يحدث خللاً في الأفهام الموروثة، أو على الأقل أن يطرح تساؤلات حول الكتب القديمة المدونة لسيرة الرسول عليه السلام، لكن في المقابل نجح المؤتمر في استغلال هذه التظاهرة، التي تبدو في ظاهرها علمية، للدعاية السياسية والترويج لبعض تيارات الإسلام السياسي في المغرب. وظهر ذلك جلياً موخراً بالدار البيضاء من خلال استدعاء الدكتور سعد الدين العثماني رئيس الحكومة المغربي وتقديم قراءات في كتابه "التصرفات النبوية السياسية" وتخصيص فقرة خاصة لتوقيع الكتاب مع فتح الباب أمام من يريد أن يأخذ صوراً معه ومنح المؤلف نفسه مساحة واسعة من الزمن خلال اللقاء للترويج لكتابه وأطروحاته النظرية. وهو استدعاء يطرح أكثر من تساؤلات في سياق المشاكل الجمة التي يعرفها المغرب في الوقت الراهن، وحجم "الزلزال السياسي" الذي يعيش وقعه المغاربة هذه الأيام، مما يستدعي من العثماني أن يكون أول المعنيين بهذه الأحداث المقلقة بصفته رئيساً للحكومة، وأول الباحثين عن مخرجات هذه الأزمة.
أما إذا تم الكشف عن هوية المشرفين على المؤتمر، فحينها تتبدى كثير من الأمور حول خلفيات تنظيم مثل هذه المؤتمرات في المغرب، فهذا اللقاء تشرف على تنظيمه حركة "التوحيد والإصلاح"، وإن كان بصفة غير مباشرة، وعندما نقول "الحركة"، فإننا نعني بذلك أيضاً حزب "العدالة والتنمية"، ذراعها السياسي، وذلك كله في إطار إشراف عام من قبل ما يُصطلح عليه بـ"المنتدى العالمي للوسطية"، وهو في أصله تجمع يضم عديد إسلاميين من بعض الدول العربية وعلى رأسهم، على سبيل المثال، عبد الفتاح مورو نائب حركة النهضة التونسية، ومنتصر الزيات، محامي الجماعات الإسلامية بمصر، بالإضافة إلى بعض الرموز الأخرى من السودان والأردن وبطبيعة الحال من المغرب.

بعض فروع التنظيم الدولي للإخوان ترغب بتقديم الدعم المعنوي لحكومة الإسلاميين بالمغرب، فهي آخر قلاع "الحكم" في الوطن العربي بعد فشل تجربة مصر وتونس وغيرهما

لماذا اختار المؤتمر "العثماني"، بصفته الأكاديمية وأيضاً بصفته الوزارية، وحده للاحتفاء المبالغ به، والإشادة بكتاب نشره حول التصرفات النبي بصفته حاكماً أو تلك التي صدرت عنه بصفته البشرية، وهي للتذكير، أفكار قديمة تناولها القدماء في كتب متفرقة، وأشبعت بحثاً وتنقيباً؟ وهل ثمة بواعث سياسية من وراء استضافة "العثماني"؟
الأرجح أن بعض فروع التنظيم الدولي للإخوان ترغب في تقديم الدعم المعنوي لحكومة الإسلاميين في المغرب، فهي آخر قلاع "الحكم" في العالم العربي، بعد فشل تجربة مصر وتونس وغيرهما، وهم يعولون على نجاحها واستمرارها، وهي بالنسبة إليهم آخر فرصة في باب التمكين السياسي الذي كانوا يطمحون إليه منذ تأسيس حركة الإخوان المسلمين بمصر سنة 1928.
قد تبدو أنّ هناك نوايا أخرى خفية من استدعاء العثماني والاحتفاء به، وهذا يتعلق بالمغاربة الإسلاميين المشرفين على المؤتمر، وهو تقديم الدعم المعنوي للتيار الذي أصبح يمثله العثماني داخل حزب "العدالة والتنمية"، وهو ما بات يُعرف بـ"تيار الوزراء" الرافض لتمكين الأمين العام الحالي لحزب العدالة والتنمية عبدالإله بنكيران من ولاية ثالثة على رأس الحزب، أي بمعنى آخر هناك رغبة لتغليب كفة على أخرى، وهذا من ورائه الجناح الحركي المتسيّس.
لقد تورط مؤتمر السيرة النبوية في الصراعات الداخلية التي يشهدها الحزب الإسلامي وذلك بإيعاز من حركة التوحيد والإصلاح، التي حضر رئيسها عبدالرحيم الشيخي للجلسة الافتتاحية للمؤتمر. وقد أصبح الدعم مكشوفاً بعد التصريحات التي كان يدلي بها أحمد الريسوني، الرئيس الأسبق للحركة، لبعض وسائل الإعلام، وهو أيضاً، نائب ما يسمى "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، المنظمة الإسلامية الحركية التي يرأسها يوسف القرضاوي المقيم في قطر، حيث انتقد بشدة بنكيران ومن يدعمه في الحصول على ولاية ثالثة على رأس حزب العدالة والتنمية، خصوصاً وأنه لم يبق إلا أسابيع قليلة قبيل انعقاد مؤتمر الحزب لاختيار أمين عام جديد له.
يبدو أن حركة التوحيد والإصلاح قامت بتعبئة دعائية واسعة خلال المؤتمر لفائدة تيار معين داخل العدالة والتنمية، وهذا يؤكد مرة أخرى تداخل الديني مع السياسي في علاقة الحزب والحركة، في حين أنّ العثماني تحدث بإسهاب، داخل المؤتمر، على ضرورة التمييز بين تصرفات السياسية والأخرى الدنيوية، وهي مقاربات تبقى مجرد نظريات أمام ممارسات الواقع.

تيار الإسلام السياسي يريد اختطاف البحث الجامعي وتنصيب نفسه وصياً عليه وحارساً على أبوابه لمنع أية محاولات تجديدية

لم يقف الأمر فقط عن استغلال المؤتمر في الدعاية السياسية للعدالة والتنمية عبر العثماني، أو الدعاية لتيار مُعين داخل الحزب، وإنما تمّ استغلال هذا اللقاء في تأطير وتوجيه الطلبة الباحثين الذين تم إشراكهم في أشغال المؤتمر، والتأثير على اختيارات موضوعاتهم البحثية في المستقبل، وفق الخلفيات الفكرية والعقدية للمشرفين على المؤتمر، مما يطرح إشكالية اختراق الجامعات المغربية من قبل بعض التيارات ذات خلفيات إسلامية حركية، وهنا تثار مسألة مشاركة جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء بصفتها جهة منظمة لهذا المؤتمر، جنباً إلى جنب مع المنتدى العالمي للوسطية الإخواني، وبصفة غير مباشرة بالتنسيق مع حركة "التوحيد والإصلاح"، مما يجعل هذا الحرم الجامعي في موضع تساؤلات محرجة حول وجود اختراقات مُمنهجة لحصونه الفكرية والثقافية.
تكفي الإطلالة على توصيات مؤتمر السنة للوقوف على حجم هذه التسللات، التي باتت تقلق بعض المفكرين والباحثين، وعلى رأس تلك التوصيات "استخدام علم التصرفات النبوية وتبويبه في مختلف الدراسات الإسلامية والعلوم الشرعية وعلم الاجتماع والقانون"، و"إدراج كتاب العثماني ضمن برامج ومقررات المؤسسات الجامعية"، و"إدخال المفاهيم المستخرجة من السنة النبوية في البرامج التربوية والتعليمية". فعلى أي أساس فكري ومنهجي سيتم إدراج هذه المفاهيم داخل المقررات المدرسية والجامعية، وِفق التصورات الفكرانية والخلفيات السياسية للجهات المنظمة للمؤتمر، على اعتبار أن اللقاء لا تحترم فيه الحيادية العلمية سواء على مستوى الإشراف أو على مستوى اختيار المواضيع البحثية له، التي لم تخرج قط عما هو مألوف.
ولعل الاستثناء الوحيد الذي طال أشغال المؤتمر، جاء مع الطرح الذي تقدم به الدكتور مصطفى بوهندي حول ما سماه "الرسول القرآني"، بمعنى أن يتم استخراج سيرة الرسول من كتاب الله، وإعادة كتابتها وفق منهج قرآني، حتى ننزع عنها التأويلات السياسية التي وجهتها وأثرت فيها قديماً من خلال فقهاء السياسة وحديثاً من قبل ما يسمى بالتفسير "الحركي" لها. وأعطى بوهندي مثالاً على غلبة فقه المغازي على سيرة النبي كلها، وكأنه بعث صلى الله عليه وسلم فقط غازياً ومحارباً ومقاتلاً، إضافة إلى تأثر سيرته بالثقافات السائدة آنذاك، مع إغفال تام لسيرة الرسول عليه السلام المتضمنة في القرآن الكريم. وحسب بوهندي، فإنه إذا لم يتحقق لدينا "الرسول القرآني"، فإن سيرته المتداولة ستساهم بشكل أو آخر في تخريج أناس يعرفون فقط القتال كسبيل للتغيير، اهتداء بفقه المغازي الطاغي على السيرة النبوية. وهي الفكرة نفسها أثارها الباحث "محمد شهيد" حينما قال إن "تسعين بالمئة من كتب السيرة، عبارة عن المغازي والقتال، مقابل صفحات قليلة تتحدث عن سيرة رسول الله قبل البعثة أو حتى بعد الهجرة، وكأن هناك فقط السيف والمواجهة في سيرة نبي الإسلام".

تورط مؤتمر السيرة النبوية في الصراعات الداخلية التي يشهدها الحزب الإسلامي وذلك بإيعاز من حركة التوحيد والإصلاح

إن رؤية الدكتور بوهندي حول السيرة النبوية استفزت المشرفين على المؤتمر وأحدثت جدلاً واسعاً، حيث تصدى له كثير من الحضور، حتى إن الرجل بدا نشازاً داخل مؤتمر يدعي الوسطية والاعتدال. وقام مثلاً، الداعية الإخواني عزالدين توفيق، وهو أحد الحراس القدامى لحركة التوحيد والإصلاح وأحد منظريها التربويين، وانخرط فيما يُشبه محاكمة علنية للدكتور بوهندي، ووجدها فرصة للنيل منه والتقليل من شأن كتبه وأبحاثه.
لم يستطع المؤتمر أن يتحمل معالجة جديدة لقضايا السيرة وطرحاً جريئاً لإعادة قراءتها والنظر في المطبات التي سقطت فيها كتب الأوائل في هذا الباب. ولم يتناول المؤتمر إشكالية كتابة السيرة ولم يتقدم أي بحث في هذا المجال، لأنه يسري عليها ما يسري على الحديث النبوي، فقد كتبت بعد مرور عشرات السنين من وفاة النبي عليه السلام، ودونت في إطار أجواء سياسية معينة.
تيار الإسلام السياسي يريد أن يختطف أيضاً البحث الجامعي وأن ينصّب نفسه وصياً عليه وحارساً على أبوابه لمنع أية محاولات تجديدية، بعدما انخرط في محاولة اختطاف الإسلام ككل، بعد تقديم قراءة "حركية" له، تمخضت عنها مشاركات سياسية متواضعة، وهو بذلك ينضم إلى الاتجاهات التقليدانية والسلفية، ويتحول مع مرور الوقت إلى فكر مناهض لكل قراءة جديدة للقرآن أو السنة أو السيرة. ومؤتمر السيرة الأخير المنعقد بالرباط هو تطبيق عملي لمُجمل هذه المحاولات المذكورة.

الصفحة الرئيسية