محاولات أوروبية للحد من نفوذ الإخوان من خلال تكوين أئمة محليين

محاولات أوروبية للحد من نفوذ الإخوان من خلال تكوين أئمة محليين

محاولات أوروبية للحد من نفوذ الإخوان من خلال تكوين أئمة محليين


27/04/2026

يُسيطر الإسلام السياسي على مفاصل التمثيل الإسلامي في السياق الأوروبي، فالمساجد الأوروبية تقع تحت إدارة الإسلام السياسي، وينتقل نفوذه إلى المراكز الثقافية التي تكون المؤسسات الإسلامية في أوروبا، ويرى الإسلام السياسي أنّه يملك الحق الحصري للحديث باسم الإسلام وتمثيله، وبموجب ذلك يُسيطر على الجاليات المسلمة في الخارج، ويقوم بنشاطات عديدة يبدو فيها ظاهرًا، ويعلن أنّه يمثل الإسلام، ممّا يجعل الصورة الأوروبية عن الإسلام في الواقع صورة للإسلام السياسي. 

ويتمثل خطر تنظيم الإخوان في وجوده داخل المفاصل الاجتماعية، واستغلاله لقوانين الحريات في أوروبا، واستغلالها في بناء كيانات داخل الجاليات، ممّا يجعله خطرًا حقيقيًا على أوروبا. 

الإسلام السياسي وصدارة المشهد

تهتم الإدارات السياسية عادة بانتظام حركة الاجتماع وعدم وجود حالات انقسام أو عنف اجتماعي في محيطها، وهذا ما يجعل معظم الدول التي تستضيف مهاجرين وفق متطلباتها وحاجتها إلى الموارد البشرية تعمل على اندماج الوافدين من مجتمعات ذات ثقافات مختلفة في بنائها الثقافي والاجتماعي، وتُعدّ أولى العقبات التي اكتشفتها هذه التنظيمات حركات الإسلام السياسي؛ وذلك لامتلاكها تاريخًا متخيلًا تسعى إلى فرضه على هذه المجتمعات ودمجها فيه، دون الانتباه للطبيعة البشرية المختلفة التي تفضي إلى الاختلاف الثقافي والاجتماعي، ويُعدّ هذا سببًا أيضًا في عدم قابليتها في الاندماج داخل المجتمعات المسلمة نفسها. 

ويتضح عدم اندماج هذه الجماعات في سلوكها؛ ابتداء من إقامة الطقوس الدينية في المجال العام دون الانتباه لتعارضها مع القانون الأوروبي، ودعواتهم إلى إقامة الخلافة في بريطانيا كما فعل حزب التحرير على سبيل المثال، وما تعبّر عنه هذه المحاولات من رغبة في دمج هذه المجتمعات داخل إطارها الثقافي والعقائدي الذي هربت منه إلى هذه الدول، وما يمثله هذا من تهديد واضح لثقافة هذه المجتمعات التي ترى ميزتها في الفردانية واحترام الحقوق والحريات، وما يعنيه هذا من تحديد لحقوق الآخرين بأن يكونوا كذلك، وسلبهم لحرية اختيار اختلافهم.

ويُعدّ خرق القوانين الأوروبية، من إقامة الشعائر الدينية في المجال العام، وحركات الأسلمة المعتادة من جماعات الإسلام السياسي، سببًا كافيًا لتصدر هذه الجماعات المشهد داخل الحراك الأوروبي ويجعلها تمثل تهديدًا لهذه المجتمعات، ويزداد التهديد في خطابات جماعات الإسلام السياسي للمسلمين، وتصريحاتهم للصحافة، وارتباطه بما يقومون به تحت نظر استخبارات الدول الأوروبية، حيث تدعو الجماعات الإسلامية إلى "الجهاد"، وتحث الشباب على السفر إلى الشرق الأوسط العربي للقتال هناك.

وحث الشباب على الجهاد يمثل تهديدًا أمنيًا دفع معظم الدول الأوروبية للسعي نحو الإشراف على عملية تعيين أئمة المساجد وتدريبهم، واتخاذ ما يمكن أن يطلق عليه الإجراءات الاحترازية التي تعبّر عن خوفهم من الجاليات المسلمة في هذه الدول وما يمكن أن تمثله من تهديد لهذه المجتمعات، خاصة في حال خضوعها لعملية الأدلجة التي تقوم بها جماعات الإسلام السياسي.

وفي تصريح للباحث السوري المقيم بكندا أحمد اليوسف، خص به (حفريات)، أكد على أنّ الإسلام السياسي له دور كبير في بناء صورة الغرب عن الإسلام، وذلك عبر إعلانه حالة الخصومة الحضارية مع الغرب الأوروبي، وحالات الجهاد والعنف التي تقوم بها هذه الجماعات، ومنها العنف الرمزي، من خلال الاعتداء على المجال العام من خلال إقامة الشعائر في الأماكن العامة، وتعطيل حركة المجتمع الداخلية، وقد وضع هذا عقبات أمام الجاليات المسلمة، حيث رسخت هذه الجماعات صورة عنيفة عن الإسلام جعلت المسلمين مطالبين أكثر من غيرهم بنفي العنف عنهم، وإثبات إدانته على كافة الأوجه، وجعل تعاطفهم في العديد من الأحيان ما ينظر إليه على أنّه تعاطف انحيازي أكثر ممّا هو إنساني.

اتجاه أوروبا نحو تدريب الأئمة 

إثر الحضور الكبير للإخوان وهيمنتهم على إدارة العملية الثقافية الإسلامية، لجأت الحكومات الأوروبية إلى عدم استقبال الأئمة من الخارج وتدريبهم داخل الدول التي يُقيم فيها المسلمون، ومن خلال ثقافة هذه الدول وبنائها الاجتماعي. 

وأعلنت الحكومة الألمانية في كانون الأول/ ديسمبر 2023 عن توقفها عن استقبال أيّ أئمة قادمين من تركيا إلى مساجدها، وتنظيم عمليات تدريب وإعداد الأئمة في ألمانيا وعلى أراضيها ومن بنية الثقافة والمجتمع الألمانيين. وقبل هذا القرار كان اتحاد "ديتيب" يستقبل أغلب الأئمة من تركيا، وكانت رواتبهم جميعًا تقدّم من قبل الهيئة الحكومية للديانات في أنقرة، ممّا يعطي للأمر انقسامًا في ولائهم، وربما يهدد السيادة الألمانية، ويعطي الأمر بُعدًا سياسيًا بالإضافة إلى البُعد الديني والاجتماعي.

وقالت وزيرة الداخلية الألمانية نانسي فيزر: "نحتاج وعاظًا يتحدثون لغتنا ويعرفون بلدنا ويدافعون عن قيمنا، وتُعدّ هذه ركيزة أساسية لاندماج ومشاركة الجاليات المسلمة في ألمانيا". وحسب ما تعلنه فيزر فإنّ هذا القرار يهدف إلى خروج الأئمة من داخل المجتمع الألماني لا من خارجه، ليكونوا على وعي بتكوينه، فمن بين 1100 إمام يعملون في ألمانيا هناك فقط 110 يتحدثون الألمانية، ومن الضروري أن يكون لهذا دور في الانقسام داخل المجتمع الألماني، حيث تنغلق مجموعة ما داخل نفسها، وتصبح غير مؤهلة للاندماج الاجتماعي، وهو أمر يهدد أيّ مجتمع يهدف إلى الاستقرار والاتزان.

وفي هولندا توجد مساجد كثيرة تحت إدارة الإخوان والسلفيين، ومنذ ما يقرب من (10) سنوات كان الأئمة الوافدون من أفغانستان وتركيا يتّسمون بالتشدد في العديد من الأحيان، وعدم تلاقيهم مع المجتمع الأوروبي بشكلٍ عام، والهولندي بشكل خاص، وظهر هذا في خطبهم التي جاءت بخصومة مع الحضارة الأوروبية وتعمل على الحط منها، ومحاولة تشكيل المجتمع الهولندي ومحاكمته حسب قيمهم. وهذا ما أدى إلى البحث عن فكرة بديلة، وعملت الحكومة الهولندية على إنشاء أقسام للدراسات الإسلامية في الجامعات، تعمل على نشأة الأئمة على قيم الحضارة الهولندية والأوروبية.

ويتدرب الأئمة داخل هذه الأقسام تدريبًا مناسبًا على أيدي الأساتذة المسلمين المناسبين، بشكلٍ يتلاءم مع الثقافة الأوروبية الهولندية، ويعمل المصري ياسر الليثي رئيساً لقسم الدراسات الإسلامية بجامعة أمستردام. ومن ثم أصبح هناك تدريب للأئمة داخل هولندا ويخرجون من بنية المجتمع الهولندي ومن ثقافته، ممّا يعمل على تفادي الصدام مع هذه القيم، وغياب أيّ تهديد للتنوع الثقافي الأوروبي، والمجتمع الهولندي لا مانع عنده من الصلاة، والصوم، والحجاب غير ممنوع في الأماكن العامة في هولندا، فقد رأيت مرّة سيدة محجبة تعمل سائقة للترام داخل أمستردام. 




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية