
كتبَ نوار نجمة، عضو مجلس الشعب السوري، مقالاً حَمل لغة مليئة بالأمل والوعود عن بداية مرحلة جديدة، تحدّث فيه عن "أبواب برلمان جديد" وعن دخول "الشرفاء" إلى مؤسسة يفترض أنّها ستكون صوت الشعب وعقل الدولة ومصنع القوانين والقيم. ولا شك أنّ الحديث عن بناء دولة جديدة، وعن تحسين حياة السوريين، ومكافحة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، هي عناوين تتفق عليها غالبية السوريين/ات.
لكنّ المشكلة الأساسية ليست في جمال العناوين، بل في السؤال الأكثر أهمية الذي يسبق كلّ خطاب سياسي: كيفَ جاءت هذه المؤسسة؟ ومن أين تستمد شرعيتها؟
فالبرلمان ليسَ مجرد قاعة ومقاعد وأسماء جديدة، وليسَ مجموعة من الأشخاص الذين يعلنون عن نوايا حسنة تجاه الوطن. البرلمان في جوهره عقد سياسي بين المجتمع وممثليه، ولا يكتسب شرعيته إلا من خلال اختيار حرّ، وتمثيل حقيقي، وقدرة المواطنين على محاسبة من يتحدث باسمهم.
من هنا، فإنّ الحديث عن "برلمان جديد" يحتاج إلى أكثر من تغيير الوجوه أو إطلاق شعارات القطيعة مع الماضي. فالسؤال الذي يطرح نفسه: هل تغيرت بالفعل طريقة إنتاج السلطة؟ وهل أصبح المواطن السوري شريكاً في اختيار ممثليه، أم أنّ آليات الاختيار القديمة تغيرت فقط في الشكل؟
لقد عانى السوريون/ات لعقود من تحويل البرلمان إلى مؤسسة شكلية تخضع لموازين السلطة والأجهزة الأمنية، ولم تكن المشكلة فقط في وجود بعض رجال الأعمال الفاسدين أو الشخصيات المستفيدة من النظام البائد، بل في بنية سياسية كاملة أفرغت المؤسسات من مضمونها، وجعلت التمثيل الشعبي مجرد عنوان بلا مضمون.
ولهذا، فإنّ نقد المرحلة السابقة يجب ألّا يتحول إلى مجرد خطاب عن الماضي، بينما تستمر بعض الأساليب التي أنتجت ذلك الماضي. فالمؤسسات الديمقراطية لا تُبنى عبر الإعلان عن انتهاء الاستبداد، بل عبر ضمان عدم إعادة إنتاجه بأشكال جديدة.
ومن هنا، يأتي السؤال حول الخلفيات السياسية لبعض الشخصيات التي تشكل المشهد الجديد. فالحديث عن الخلفية البعثية أو الارتباط التاريخي بمؤسسات الحكم السابقة ليس محاولة لإدانة الأشخاص بسبب عائلاتهم أو ماضيهم الاجتماعي، بل هو سؤال سياسي مشروع حول مدى قدرة شخصيات ارتبطت بالمنظومة القديمة على تمثيل مرحلة يفترض أنّها تقوم على مراجعة تلك المنظومة وبناء عقد سياسي مختلف. فالانتقال الديمقراطي لا يعني استبعاد كلّ من كان موجوداً في الدولة سابقاً، لأنّ الدولة تحتاج إلى خبرات متنوعة، لكنّه يعني بوضوح أنّ معيار المشاركة يجب أن يكون الكفاءة والقبول الشعبي والقدرة على الدفاع عن دولة المواطنين/ات، وليس القرب من مراكز النفوذ القديمة أو الاستفادة من علاقات السلطة.
حول تمثيل المسيحيين والمكونات السورية
ومن النقاط التي تحتاج، أيضاً، إلى نقاش هادئ وعميق مسألة تمثيل المكونات الدينية والاجتماعية، وخصوصاً المسيحيين في سوريا.
إنّ كون شخص ما مسيحياً لا يمنحه تلقائياً حقّ الحديث باسم جميع المسيحيين، كما أنّ أيّ مؤسسة دينية، مهما كان احترامها الروحي والاجتماعي، لا تمتلك تفويضاً سياسياً لتمثيل طائفة بأكملها.
المسيحيون السوريون، مثل كلّ السوريين، ليسوا كتلة سياسية واحدة. بينهم اتجاهات مختلفة، ورؤى متعددة، وتجارب سياسية متنوعة. هناك مسيحيون عارضوا السلطة، وهناك من اختاروا الحياد، وهناك من دعموا النظام السابق، وهناك من شاركوا في الحياة المدنية والسياسية بطرق مختلفة.
لذلك فإنّ اختزال المسيحيين أو غيرهم في شخصيات يتم اختيارها عبر تفاهمات مع مؤسسات دينية أو مرجعيات اجتماعية هو استمرار لمنطق المحاصصة الذي أضرّ بالحياة السياسية السورية لعقود.
التمثيل الحقيقي لا يأتي من الهوية الدينية أو الطائفية، بل من إرادة المواطنين. من يمثّل المسيحيين والمسلمين وسائر مكونات المجتمع هم المواطنون الذين يختارون ممثليهم عبر أحزاب سياسية وطنية، أو تيارات مدنية، أو شخصيات مستقلة تمتلك مشروعاً سياسياً واضحاً وقبولاً شعبياً حقيقياً.
فكما لا يجوز لأيّ مسلم أن يدّعي احتكار تمثيل المسلمين، لا يجوز لأيّ مسيحي أن يصادر أصوات المسيحيين الآخرين أو يقدم نفسه باعتباره الناطق باسمهم لمجرد انتمائه الديني. المواطنة هي الأساس، وليس الهوية الطائفية.
العدالة الانتقاليّة ليست محو الذاكرة:
يتحدّث المقال عن المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، وهي قضايا بالغة الأهمية في مستقبل سوريا. لكنّ العدالة الانتقالية لا تعني مطالبة الناس بنسيان الماضي أو تجاوز آلام الضحايا تحت شعار فتح صفحة جديدة.
فالذاكرة الوطنية ليست عائقاً أمام بناء المستقبل، بل هي شرط أساسي لمنع تكرار المأساة. لا يمكن بناء مصالحة حقيقية دون الاعتراف بمعاناة السوريين/ات جميعاً، ودون إنصاف الضحايا، ودون معالجة جراح الاعتقال والقتل والتهجير والنفي. فالمصالحة ليست صفقة بين النخب السياسية، بل عملية مجتمعية تقوم على الحقيقة والعدالة والمسؤولية.
الاقتصاد ومحاربة الفساد: الشعارات لا تكفي
أمّا الحديث عن إصلاح الاقتصاد، ومواجهة الاحتكار، ورفع مستوى المعيشة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فهو مطلب شعبي مشروع. لكنّ أيّ إصلاح اقتصادي حقيقي يحتاج قبل كلّ شيء إلى دولة قانون، وقضاء مستقل، ومؤسسات رقابة فعالة، وإعلام قادر على كشف الفساد.
فالفساد في سوريا لم يكن مجرد أخطاء فردية، بل كان نتيجة علاقة معقدة بين السلطة والمال والنفوذ. ولذلك فإنّ مكافحة الفساد لا تكون فقط بتغيير بعض الأشخاص، بل بتغيير البيئة السياسية التي تسمح بظهوره.
إنّ سوريا لا تحتاج إلى برلمان يكتفي بإعلان أنّه جديد، بل تحتاج إلى برلمان يثبت ذلك من خلال أفعاله.
المعيار الحقيقي لأيّ مجلس تشريعي ليس جمالَ الخطاب الذي يقدمه، ولا عدد الوعود التي يطلقها، بل مدى ارتباطه بالمجتمع وقدرته على تمثيل السوريين/ات الذين كانوا خارج دائرة القرار طوال عقود. فالسؤال المركزي الذي يجب أن يبقى مطروحاً ليس: من جلس تحت قبة البرلمان؟ بل من اختار هؤلاء؟ ومن يراقبهم؟ وهل يستطيع المواطن السوري أن يقول كلمته بحرّية إذا اختلف معهم؟ فبعد عقود من الاستبداد، فإنّ الخطر الأكبر ليس فقط عودة الماضي بشكله القديم، بل أن يعاد إنتاجه بلغة جديدة، وبوجوه جديدة، وبشعارات أكثر جمالاً.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%AF%D8%A8_0.jpg.webp?itok=nRv3-VvG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_11_1_1_0_0_3_0.jpg.webp?itok=3Zhw-Qwm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/mnyr_0_6.jpg.webp?itok=rQl6wEvW)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%A7_11_1_0_0.jpg.webp?itok=BexPd0sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85%D9%8A%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%AA%D8%AD%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%A8%D8%A7%D8%AA..%20%D9%85%D9%86%20%D9%87%D9%88%20%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D9%8A_0.jpg.webp?itok=vAy5hbNG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_38_0_1.jpg.webp?itok=Ss7Oynoz)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/LUmDCU9nEJkRIOikaC46rPDoYCHEymI_1NimLwC6x_7cjSYjJjtwGxvGag56bJXpJ9kdGNCtN4tMd7CPctfdotIfIFAJ5UDEhuMa0JPvIfWDi7CvCLe6j_5-TrU5jPCY3jBrXYHOfkj2SN0Ox1O0a2p0T_ddIBcNn39biHGmDj93eX1w6qvhHDrI6MQ3q-6b.jpg.webp?itok=3IHuCMIN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8_77_0_0_5_0.jpg.webp?itok=ngaaISlJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A_0_3.jpg.webp?itok=8LH0Zveq)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85_4_0_0_0.jpg.webp?itok=uCZJ0EQW)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A9%20_0_2_3.jpg.webp?itok=JqgGrr-Y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_14.jpeg.webp?itok=r1ivFgQk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B8%D9%84%D9%88%D9%85%D9%8A%D8%A9_1_1.jpg.webp?itok=xDkoZQ_x)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%86_50_1.jpg.webp?itok=lVttV-Fk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ZlRsBiu6yFZYReAlbHSOwC_F2t6hm6ZfCfN_1U33lmvCVYHRYTxDqjAM4-xCNrblEp-Ua32wUd-fqxgFqIcJ3utIM2-SqW9F8DN3DHUZT7CyotVEgxH2x-B89og7T-WNJZQ78jPANB4ZimKCl7pO5K8K-XXzEtA8uycEAwCo-z-pjg2oyF-zquR7TwO4A4wB%20%281%29.jpg.webp?itok=1JRO_fDi)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/OUPg0it56SjYbmFDi4OF0nlf_FStDEHV2ojDF_t-Cw2iTlRBWllNC8ebxr9y9QOJX4CDQhRNvVcvQvua9p1cQo2UTjfYSRTxcNJW0CMcoEORJhiYa0oxX385O8m1MeztnRonJLeLnRw_dt-2wIq7VCZ15z0LP5HKDqceGgoRod6WS1yOo4Bd1uGhc3c9WSoR%20%281%29.jpg.webp?itok=eMHkqEvP)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/0_dHBLQdmDsIkmNca_ufoHyKZdo8bs-rmxYa22oJTOPJIHeJrSOfGncvNUC73K-Ad0dNdEX9B8g7y4pu1J74F-b1QYvmDseESiSrdiOBezhWcanKckMhZ0MyxNMvfnQvPBEnPM2G7Pcn696o8pCF8TqtSNA7ZmzaIx5MBN7Pnb4HOqaUNzK_wn0A3zljqqsG%20%281%29.jpg.webp?itok=jsPeKV4R)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%86_2_0_0_3_1.jpg.webp?itok=yiXxPc9y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_3.png.webp?itok=chiZHZkT)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20%D8%BA%D8%B2%D8%A9_4.jpg.webp?itok=X4qFXLLm)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1f8uwsTypbzMeQNBi2n-vOA3OTw39EVfVcNVUDKaAUHabIuSwqqfy_IWeirMIsv7daJDRfmvIv-CD0kHQswD39Pv1Pvdd0ag2QcCAPdyWhlSa-DyNYNeZSSnqkZwItO3eAKBXda5i91yep2wPcLVBbl6PkeK1bjsXp2CqcZEcXj1sIiWENUN4dNjwhiQBvuy%20%281%29.jpg.webp?itok=Kycr1GIj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)

