ما هي مآلات المشروع التركي التوسعي في المنطقة؟

ما هي مآلات المشروع التركي التوسعي في المنطقة؟

مشاهدة

17/06/2020

تُعد تركيا من الدول الكبرى في الإقليم، إلى جانب مصر والسعوديّة وإيران، ولدى القيادة التركيّة مشروع توسّعي بمرجعيّات "استعماريّة"، وإن اتخذت شعارات إسلاميّة هدفها استئناف الخلافة بالصيغة العثمانيّة الجديدة التي تستلهم السيطرة التركيّة للدولة العثمانيّة على الدول العربيّة والإسلاميّة، بما فيها دول البلقان شرق أوروبّا، لدرجة يرى معها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنّ إيران يجب أن تدور في فلك دولة الخلافة الإسلاميّة العثمانيّة.

تتشابه الإستراتيجيّتان التركيّة والإيرانيّة ومشروعهما المذهبي في المنطقة؛ إذ تعتمد الدولتان على استخدام وكلائهما لتنفيذ أهدافهما في المنطقة

ولتحقيق هذا الهدف الإستراتيجي، تبذل القيادة التركيّة جهوداً للتدخّل في كثير من الدول العربيّة والإسلاميّة، وتبدو متناقضة في علاقاتها مع أمريكا وروسيا ودول الاتحاد الأوروبّي، وهو ما يفسّر تناقضاتها وانقلابات الرئيس أردوغان على مواقفه، بما فيها تناقض هذه الخلافة بموقفها من إسرائيل، بإظهارها عدواً، في الوقت الذي يجري فيه تطوير العلاقات الاقتصاديّة والسياسيّة معها بتسارع وعلى خطى ثابتة.
وتتشابه الإستراتيجيّة التركيّة إلى حدٍ كبير مع الإستراتيجيّة الإيرانيّة ومشروعها المذهبي في المنطقة؛ إذ تعتمد الدولتان على استخدام وكلائهما من الميليشيات لتنفيذ أهدافهما في المنطقة، حتى لو تطلّب ذلك الوقوع في تناقضات مثل تعريف الإرهاب وحصره بالأكراد، ونقل المقاتلين المتشددين من سوريا إلى ليبيا، واستثمار اللاجئين السوريين على الأراضي التركيّة بوصفهم ورقة يتمّ من خلالها تهديد دول الاتحاد الأوروبّي، بالتزامن مع محاولة الجمع بين علاقات مع واشنطن وموسكو باستثمار تناقضاتهما في سوريا وليبيا وغيرها من الساحات.

اقرأ أيضاً: رفض إقليمي ودولي واسع لجرائم الوفاق وأردوغان في ليبيا.. أبرز ردود الفعل
إنّ مجمل السياسات التركيّة جعلتها لا تقف على أرضيّة صلبة؛ فقد نجم عن هذه السياسات تداعيات خطيرة، تمثلت بانقسام داخلي غير مسبوق في تركيا وانشقاق رفاق الرئيس أردوغان عنه، بالإضافة إلى أزمة اقتصاديّة متفاقمة من المتوقع أن تزداد تمظهراتها في المستقبل، وخسارات لحزب العدالة والتنمية في صناديق الانتخابات، وضعف دائرة حلفاء أردوغان، خاصّة في الدول الإسلاميّة والعربيّة، باستثناء تحالفاته مع تنظيمات "أشباه الدول" على غرار تحالفه مع رئيس البرلمان التونسي "حزب النهضة الإخواني" وليس مع الدولة، فيما يقتصر تحالفه في الإطار العربي مع دولة قطر لأسباب خاصّة بخلافاتها مع جيرانها.

يُعدُّ تدخّل تركيا في الأزمة الخليجيّة إلى جانب قطر محطّة مفصليّة أظهرت الدور التخريبي الذي تلعبه في منطقة الخليج العربي

ولا يقلّ المشروع التركي خطورة عن المشروع الإيراني، بإثارة الفوضى في الدول العربيّة والإسلاميّة، لدرجة أصبح معها يوصف بأنّه مشروع تخريبي، وتالياً وقفة عند محطّات هذا المشروع وتطوّراته، وقراءة مستقبليّة في مآلاته على ضوء التطوّرات الإقليميّة والدوليّة.
أوّلاً؛ إنّ جوهر المشروع التركي بإقامة الخلافة الإسلاميّة، دفع تركيا لبناء علاقات تحالفيّة مع تنظيمات الإسلام السياسي كتنظيم "الإخوان المسلمين"؛ إذ تحافظ تركيا على علاقاتها القوية مع التنظيم الدولي للإخوان المسلمين الذي تقدّم له كافة سبل الدعم، بالإضافة إلى علاقاتها المشبوهة مع داعش والقاعدة، التي تبدو، وفقاً لدوائر أمنيّة في الغرب والمنطقة، مؤكّدة وموثقة في ساحات الصراع، بما فيها ليبيا وسوريا واليمن وتونس.
ثانياً؛ شكّل الموقف التركي بالتدخل في الأزمة الخليجيّة إلى جانب قطر في خلافاتها مع جيرانها، محطّة مفصليّة أظهرت الدور التخريبي الذي تلعبه في منطقة الخليج العربي. هذا الموقف الذي حال دون إمكانيّة قيام تركيا - بوصفها دولة وازنة في المنطقة - بأدوار إيجابيّة، خاصّة بعد أن أصبحت طرفاً بالأزمة، من خلال معاداة السعوديّة ومصر والإمارات.

اقرأ أيضاً: المسماري لـ"حفريات": تركيا ارتكبت جرائم ضد الإنسانية في ليبيا ويجب محاكمة أردوغان
ثالثاً؛ تشتبك تركيا مع العديد من الأطراف الدوليّة والإقليميّة في منطقة المتوسط، بما فيها قبرص الأوروبيّة واليونان ومصر، بالإضافة إلى فرنسا وألمانيا وروسيا وأمريكا، وقد وجدت في حكومة الوفاق الليبيّة مدخلاً للوصول إلى النفط الليبي ومواجهة هذه الأطراف الدوليّة والإقليميّة على الأرض الليبيّة، واتّخذت من السياسات الإيرانيّة في تحالفها مع القيادة السوريّة نموذجاً لتحالفها مع حكومة الوفاق الليبيّة. ورغم انتصارات الوفاق باستعادة بعض المناطق المحيطة بطرابلس، إلّا أنّ ذلك غير مؤكّد؛ إذ جاء في إطار موافقة أمريكيّة هدفها الضغط على روسيا لإجبارها على اتخاذ موقف إلى جانب الولايات المتّحدة ضدّ الصين.

وجدت تركيا في حكومة الوفاق مدخلاً للوصول إلى النفط الليبي ومواجهة أطراف دوليّة وإقليميّة على الأرض الليبيّة

رابعاً؛ تمارس تركيا مجموعة من الأدوار في دول البلقان التي تشكّل خاصرة الاتحاد الأوروبّي الشرقيّة، تحت عناوين الإرث التاريخي التركي للدولة العثمانيّة في المنطقة، ما يجعلها موضع هواجس ومتابعة من قبل الدول الأوروبيّة، وخاصّة أنّها تحوّلت بداية التسعينيات إلى بؤرة للإرهاب الإسلامي على خلفيّة المجازر التي ارتكبت ضدّ المسلمين في جمهوريّات "يوغسلافيا" السابقة.
ربّما نجحت القيادة التركيّة بالتسلّل من أنفاق الخلافات الأمريكيّة الروسيّة في الإقليم، وتمكّنت من تبرير تحالفاتها مع الإسلام السياسي والقاعدة وداعش، إلّا أنّ المؤكّد أنّ سياساتها أصبحت على الطاولة اليوم في ظلّ أفول نجم وبريق الإسلام السياسي، وستكون علاقاتها مع الإرهاب موضع مساءلة، بما فيها الدور الذي يمكن أن تمارسه مستقبلاً بالأزمة الخليجيّة في حال إنجاز مصالحة بين الدوحة وجيرانها ومصير قواعدها العسكريّة هناك، فيما ستكون الهزائم التي مُني بها المشروع التركي في مصر ولاحقاً في السودان، عنواناً للمشروع التركي في تونس، ولا سيّما أنّ الدور الإقليمي لتركيا وتدخّلاتها في المنطقة رفعت من حدة المعارضة للرئيس أردوغان في الداخل التركي، الذي بدأ يفقد مكاسب سياسيّة واقتصاديّة حققها على مدى أعوام حكمه.


الصفحة الرئيسية