ما دلالات رفع العقوبات الدولية عن إريتريا؟

إريتريا

ما دلالات رفع العقوبات الدولية عن إريتريا؟

مشاهدة

26/11/2018

قبل أقلّ من عام، كانت إريتريا تواجه عزلة مضينة في محيطها الإقليمي والدولي، فقد اتهمتها السودان في كانون الثاني (يناير) الماضي بدعم الجماعات المتمردة المسلحة في داخل السودان، كما وُجّهت لها تُهم متكرّرة بدعمها للجهاديين في الصومال، كما كانت أيضاً تشهد خلافات حدودية مع جارتيها إثيوبيا وجيبوتي، وكانت حصيلة كل تلك العداءات، عقوبات دولية على إريتريا فرضتها الأمم المتحدة في عام 2009. وأصبح البلد الصغير الواقع في القرن الأفريقي يعاني من أكبر عزلة في داخل أفريقيا.

انفراجات سريعة
في تموز (يوليو) الماضي، تغيّر كل شيء تقريباً، حين وقَّع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي مع رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد آبي أحمد، اتفاق سلام أدى إلى استئناف العلاقات وافتتاح حدودهما. وبعد أسابيع، وافقت إريتريا على إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الصومال بعد 15 عاماً من العداء، كما أحرزت تقدماً نحو حل نزاع حدودي طويل الأمد مع جيبوتي، ويتوقع أن تشهد العلاقات السودانية الإرترية تحسناً قريباً.

اقرأ أيضاً: لماذا تأخرت المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا عشرين عاماً؟
مؤخراً، وفي تطوّر ملحوظ  في ديناميات التغيير في القرن الأفريقي، صوت مجلس الأمن بالأمم المتحدة بالإجماع على قرار مقترح من بريطانيا، لرفع العقوبات عن إريتريا بعد ما يقرب من عقد من الزمان من فرضها.
ويأتي رفع العقوبات عن إريتريا تتويجاً للتطورات السياسية في القرن الأفريقي إثر توقيع إثيوبيا وإريتريا اتفاق السلام والصداقة والتعاون الشامل في أسمرة في 9  تموز (يوليو) الماضي، منهيتين بذلك نزاعاً استمر 20 عاماً، تبعه اتفاق على تطبيع العلاقات بين الصومال وإريتريا نهاية الشهر ذاته.

اقرأ أيضاً: إريتريا.. أبواب مغلقة ومفاتيح ضائعة
وينصّ مشروع القرار على رفع حظر السلاح والعقوبات المستهدفة، وهي حظر السفر وتجميد الأصول، المفروضة على إريتريا فوراً. ويدعو مشروع القرار أيضاً إريتريا وجيبوتي إلى العمل من أجل تطبيع العلاقات وتسوية نزاع حدودي قائم منذ عشرة أعوام. كما يطلب من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش رفع تقرير للمجلس بالتقدم الذي أحرز بحلول 15 شباط (فبراير) ثم كل ستة أشهر.

واجهت إريتريا تُهماً متكرّرة بدعمها للجهاديين في الصومال

واتفقت إريتريا وجيبوتي في أيلول (سبتمبر) على العمل من أجل المصالحة. واندلعت اشتباكات دامية بين الدولتين الجارتين في حزيران (يونيو) 2008 بعد أن اتهمت جيبوتي أسمرة بتحريك قوات عبر الحدود.
وحثّ مجلس الأمن أسمرة وجيبوتي على حل النزاع الحدودي بينهما، كما حثّ إريتريا على الإفادة بأية معلومات حول المفقودين في الحرب الحدودية، مطالباً الطرفين بتسوية جميع الملفات الخلافية، مؤكداً أنّ المجلس سيدعم تطبيع العلاقات بين البلدين.

لماذا فرضت العقوبات؟
أنشأ مجلس الأمن في عام 2009 لجنة معنية بمراقبة الأوضاع في إريتريا والصومال، ورصد اللجنة في طوال العقد الماضي تطورات البلدين، وأنتجت تقارير سنوية عن البلدين، وهي تقارير أعطت مجلس الأمن مزيداً من الأسباب لتصعيد عقوباته على إريتريا.
وكان تقرير فريق الرصد لعام 2011 ذا أهمية خاصة، فقد عرض تقارير تفيد بدعم إريتري صريح لحركة الشباب في الصومال، وهي حركة معروفة بالتسبّب بقلاقل أمنية في المنطقة. وقد حصل الخبراء على ما وصفه التقرير بـ "أدلة قوية على دعم إريتري للجماعات المعارضة المسلحة في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك جيبوتي وإثيوبيا والصومال والسودان".

صوت مجلس الأمن بالأمم المتحدة بالإجماع على قرار مقترح من بريطانيا لرفع العقوبات عن إريتريا

وقال المراقبون إنّ إريتريا اعترفت بعلاقاتها مع الجماعات المسلحة الصومالية، ولكنها وصفتها بأنها لأسباب سياسية أو إنسانية. غير أنهم أضافوا أنّ "الأدلة والشهادات بما في ذلك سجلات المدفوعات المالية والمقابلات مع شهود العيان والبيانات المتعلقة بالتحركات البحرية وحركات الطيران، جميعها تشير إلى أن الدعم الإريتري لجماعات المعارضة المسلحة الصومالية لا يقتصر على الأبعاد السياسية أو الإنسانية".

جاءت الموافقة برفع العقوبات عن إريتريا بعد التأكد من عدم وجود دليل لتورطها في دعم مقاتلي حركة الشباب الصومالية

واستند وصف المراقبين لمرافق التدريب، إلى مقابلات مع أكثر من مائة عضو سابق من ست جماعات معارضة مسلحة تنشط في المنطقة. من بينها: حركة الشباب الصومالية، الحزب الإسلامي الصومالي، الجبهة الإسلامية الصومالية، جبهة تحرير أوغادين الوطنية، وجبهة تحرير أورومو.
وفي ملحق التقرير، قدّم الخبراء تفاصيل تدعم استنتاجاتهم، شملت صوراً فوتوغرافية عن الجماعات التي تخضع للتدريب في داخل إريتريا، وتفاصيل عن هجوم مخطط له من قبل جبهة تحرير أورومو يستهدف قمة الاتحاد الأفريقي في عام 2011.
ولهذه الأسباب، تم فرض عقوبات دولية على النظام الإريتري تستهدف وقف إمدادات الأسلحة وإعاقة خطط السفر والمصالح الاقتصادية الرئيسية للمسؤولين الكبار في النظام. لكن في الواقع، بقي تأثير هذه العقوبات ضعيفاً، واستطاع النظام الإريتري، عبر استخدام شبكة اتصالاته الدولية، التهرب من معظم آثار العقوبات.

لماذا تم رفع العقوبات؟
جاءت الموافقة على رفع العقوبات بعد التقرير الأخير للجنة المراقبة الخاصة بإريتريا والصومال، الذي أكد عدم وجود دليل لتورط إريتريا في تقديم الدعم لمقاتلي حركة الشباب الصومالية، وهو السبب الأبرز الذي فرضت العقوبات من أجله، وخلافاً للمناقشات السابقة حول رفع العقوبات، فقد اتسمت مناقشات المجلس بالتوافق بين الأعضاء الدائمين والأعضاء غير الدائمين.

اقرأ أيضاً: هل ستنجح إثيوبيا بإنهاء حالة الحرب مع جارتها إريتريا؟
ومن المؤكد أنّ السبب الرئيسي هو خروج إريتريا من العزلة الإقليمية، فهي الآن حليف إقليمي معتبر للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في الحرب ضد الميليشيات الانقلابية في اليمن، وتوفر إريتريا قواعد لشنّ الحرب على المتمردين في اليمن. وبالنسبة لأوروبا، يحاول النظام الإريتري تبنّي وجهات نظر متقاربة مع الدول الأوروبية، في محاولة لوقف تدفق اللاجئين الإريتريين عبر البحر الأبيض المتوسط وإيطاليا.
والأهم من ذلك، تشهد المنطقة مصالحات بين الأطراف المتحاربة سابقاً في القرن الأفريقي. ففي الماضي كان الصومال وإثيوبيا وجيبوتي والسودان، من المؤيدين الرئيسيين لإبقاء العقوبات ضد إريتريا. وقد تغير ذلك الآن، وجاء هذا الإنجاز من مبادرة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، الذي بادر بإنهاء حالة العداء مع جارته إريتريا.

اجتمع قادة الصومال وإريتريا وإثيوبيا في ثلاث مناسبات مختلفة في هذا العام

وقد تلقت زيارته إلى العاصمة الإريترية أسمرة في حزيران (يونيو) الماضي ترحيباً شعبياً كبيراً. وأعقب ذلك زيارة قام بها رئيس إريتريا إسياس أفورقي إلى أديس أبابا، وقد اجتمع قادة الصومال وإريتريا وإثيوبيا في ثلاث مناسبات مختلفة في هذا العام، وهو أمر لم يحدث منذ عقود.
أما بخصوص الصومال، فقد أقر مجلس الأمن الدولي استمرار حظر السلاح المفروض على الصومال بموجب قرار المجلس الصادر عام 2009، كما أنهى المجلس مهمة لجنة المراقبة الخاصة بإريتريا والصومال اعتباراً من 16 الشهر المقبل.

ترحيب إقليمي وسط قلق جيبوتي
وفي أول رد فعل على رفع العقوبات رحب التلفزيون الرسمي الإريتري برفع العقوبات، واعتبره انتصاراً للشعب الإريتري. كما رحب وزير الخارجية الإثيوبي ورقنيه غبيو بقرار مجلس الأمن رفع العقوبات عن إريتريا، ووصف ذلك بأنه تطور مهم وتاريخي، وسيعزز العلاقات بين دول القرن الأفريقي.

تنافس إريتريا كوريا الشمالية من حيث التعسف المطلق وبقاء المئات من المعتقلين السياسيين والصحفيين والناشطين السياسيين قابعين وراء القضبان

وقال في تصريحات صحفية، على هامش اجتماعات المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي على مستوى وزراء الخارجية الذي عقد في أديس أبابا، إنّ موقف بلاده المبدئي هو عدم فرض أي عقوبات دولية ضد أي دولة أفريقية، مشيراً إلى أنّ إثيوبيا بذلت جهوداً من أجل رفع العقوبات عن إريتريا.
وقال مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي "إنه سيزيد من تعزيز المكاسب التعاونية التي تحققت في المنطقة خلال الأشهر القليلة الماضية". وأشاد آبي أحمد بتعاون ومساهمة الدول الأعضاء في الهيئة الحكومية لتنمية شرق أفريقيا "إيجاد" وخطواتها الإيجابية في دعم رفع العقوبات عن إريتريا، ودعم التغييرات الإيجابية التي تحدث في المنطقة.
وأكد رئيس الوزراء الإثيوبي، التزام بلاده بضمان السلام والتنمية والتعاون الإقليميين بالتعاون مع إريتريا والدول المجاورة الأخرى، مشيراً إلى أنّ رفع العقوبات عن إريتريا يعد خطوة مهمة نحو تعميق الروابط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تتمتع بها الدولتان الشقيقتان إثيوبيا وإريتريا.

اقرأ أيضاً: خيارات الصومال لمواجهة "الشباب المجاهدين" بعد جلاء القوات الإفريقية
كما رحبت الإمارات بقرار مجلس الأمن رفع العقوبات المفروضة على إريتريا، وأكدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي، في بيان لها، ترحيبها برفع العقوبات عن إريتريا، حيث جاء قرار مجلس الأمن ليعزز المصالحات التاريخية التي يشهدها القرن الأفريقي، وفق البيان.
وأعرب البيان، على قناعة الإمارات بأنّ القرار حول إريتريا يمثل تطوراً جوهرياً يعزز فرص الاستقرار والتنمية والاستثمار في إريتريا ومحيطها وينعكس إيجابياً على المنطقة.

اقرأ أيضاً: هجوم جديد لحركة الشباب الصومالية
من جهته، عبر وزير خارجية الصومال أحمد عوض عن ارتياح بلاده لقرار مجلس الأمن، مؤكداً أنّ التطبيع بين إثيوبيا والصومال وإريتريا ستكون له نتائج إيجابية على استقرار المنطقة.
وبحسب مراقبين، فإنّ الخطوة برفع العقوبات عن إريتريا تثير قلقاً جيبوتياً، وهو ما عبر عنه سفير جيبوتي لدى إثيوبيا والاتحاد الأفريقي محمد إدريس، الذي كشف عن لقاءات جرت بين جيبوتي وإريتريا برعاية إثيوبية، وأنّ الاتصالات ما تزال مستمرة، مؤكداً أنّ جيبوتي تدعو لحل النزاعات عبر الحوار.
وأضاف أن القيادة في جيبوتي ترغب في حل دائم لكافة القضايا المعلقة، كما أكد أهمية تقرير الأمين العام للأمم المتحدة في شباط (فبراير) المقبل، حول التزام البلدين بحل النزاع الحدودي، مشيراً إلى قرار مجلس الأمن الذي يدعو البلدين إلى حل الخلاف الحدودي وتطبيع العلاقات وإنهاء كافة القضايا العالقة بين البلدين.

ماذا يعنى رفع العقوبات بالنسبة للشعب الإريتري؟
بالنسبة لكثير من الإريتريين، فإنّ إسقاط العقوبات المفروضة على بلادهم منذ عام ٢٠٠٩ والتي تتضمن رفع الحظر الدولي على استيراد السلاح، وحظر تنقلات المسوؤلين في حكومة افورقي، بما فيهم أفورقي ذاته، والحظر على تداولات وأرصدة وأصول مالية، لا تحمل الكثير ما لم تدفع الجهود الدولية، النظام إلى تحسين حالة حقوق الإنسان في الداخل الإريتري، ورفع القيود عن الحريات السياسية.

يرى الإريتريون بضرورة دفع  النظام إلى تحسين حالة حقوق الإنسان في بلادهم

وتنافس إريتريا كوريا الشمالية من حيث انعدام أخبار الداخل وزيادة وطأة التعسف المطلق الذي يمارسه الرئيس اسياس أفورقي حيث تواصل حكومته فرض التجنيد على مواطنيها مدى الحياة، بينما لا يزال هناك المئات من المعتقلين السياسيين والصحفيين والناشطين السياسيين قابعين وراء القضبان بشكل تعسفي ومن غير محاكمات عادلة.

الصفحة الرئيسية