ما الفرق بين التّناص والتوظيف؟

ما الفرق بين التّناص والتوظيف؟

مشاهدة

14/09/2021

جوليا كريستيفا من أكثر الأسماء تردّداً في المدوّنة الأكاديمية والنقدية العربية، إلى جانب ثلّة من الأسماء التي غدت ضرباً من تحصيل الحاصل مثل: رولان بارت وجيرار جينيت وميخائيل باختين وتزفيتان تودوروف وميشيل فوكو وجاك دريدا. ومع أنّ هذا الاستحضار الميكانيكي لهذه الأسماء تحديداً، يمثل ظاهرة منهجية تستحق أن تُفرد بمقال مستقل، إلا أنّ ما يعنينا منها في هذا المقال، المفكّرة والناقدة الفرنسية البلغارية جوليا كريستيفا التي أهدت العالم (نظرية التّناص)، فانكبّ عليها المثقفون والنقّاد والأكاديميون العرب انكباباً غير مسبوق، إلى درجة يمكننا الزعم معها بندرة وجود كتاب نقدي عربي في العقود الثلاثة الماضية، لا يشتمل على فصل أو أكثر عن التّناص والتّناصية.

اقرأ أيضاً: هل انقضت الحاجة إلى الأمثال في الثقافة العربية؟

وأما التّناص من وجهة نظر جوليا كريستيفا، فهو أشبه ما يكون بإعادة تمثّل نص أو أكثر، على نحو إبداعي خلاّق يشتمل على إزاحات بارزة شكلاً ومضموناً. ويمكننا أن نضرب مثلاً على هذا الصعيد، رواية (ابن فطّومة) لنجيب محفوظ الذي اطّلع على رحلة ابن جبير ورحلة ابن بطوطة وتشبّع بهما تشبّعاً كافياً، ثم أعاد إنتاجهما عبر رحلة ثالثة لا تشبه الرحلتين، ولكنها تتقاطع مع الأولى تارة ومع الثانية تارة أخرى على نحو جدلي. ولو دققنا النظر في الرواية فلن نقع على فقرة واحدة مقتبسة أو مضمّنة من الرحلتين، ناهيك بأنّ محفوظ دفع برحلة (ابن فطّومة) إلى أقصى الحدود الوجودية والفلسفية الممكنة، وهو ما لن نقع عليه في رحلتي ابن جبير وابن بطوطة.

 

التّناص من وجهة نظر جوليا كريستيفا هو أشبه ما يكون بإعادة تمثّل نص أو أكثر، على نحو إبداعي خلاّق يشتمل على إزاحات بارزة شكلاً ومضموناً

 

 ما تقدم يمثّل إيجازاً لنظرية التّناص والتّناصية كما أرادت لها جوليا كريستيفا أن تكون، فهل كان الأكاديميون والنقاد والمثقفون العرب نجباء في تطبيق هذه النظرية أم أنهم لاكوها وأساؤوا تطبيقها وابتذلوها حتى أفرغوها من مضمونها الحقيقي؟ يؤسفني الزعم بأنّ المئات من الرسائل الجامعية التي تكاد تكون نسخاً رديئاً عن بعضها البعض تحت عنوان مستهلك ومكرور هو (التّناص في شعر فلان) أو (التّناص في سرد علاّن) قد أساءت التطبيق وابتذلت المفهوم حتى سامَه كلّ مفلس. ويكفيني التذكير على هذا الصعيد بأنّ المخطط المتداول في هذه الرسائل -التي لا تختلف عن بعضها البعض إلا في اسم المبدع المدروس- لا يكاد يخرج عما يلي: (التّناص لغة واصطلاحا- التناص مع الموروث الديني- التّناص مع الموروث التاريخي- التّناص مع الأسطورة- التّناص مع الرمز- التّناص مع الثقافةالشعبية)!

اقرأ أيضاً: هل وصل ابن بطوطة إلى الصين؟

 وكنا سنكون أسعد القراء طبعاً، لو أننا وقعنا في هذه الرسائل على تناصّات حقيقية فعلاً، لكننا في الواقع لا نكاد نقع إلا على تضمينات واقتباسات وأقوال وإشارات، لا تعدو كونها استشهادات تهدف لتعزيز فكرة ما أو لاستعراض ثقافة الكاتب على نحو سطحي. فما التّناص الذي يمكن الحديث عنه حينما يضمّن أو يقتبس شاعر أو روائي أو قاص أبياتاً لامرئ القيس أو المتنبي؟ وما التّناص الذي يمكن الحديث عنه حينما يورد الشاعر أو الروائي أو القاص إشارة عابرة لزرقاء اليمامة أو عنترة بن شداد أو صلاح الدين الأيوبي؟ وما التناص الذي يمكن الحديث عنه حينما يضمّن أو يقتبس الشاعر أو الروائي أو القاص مقولة شعبية سائرة مثل "وجبر من بطن أُمّه إلى القبر"؟ وأدهى من ذلك وأمَرّ أن يتهوّر بعض الباحثين فيدّعون لهذا الشاعر أو ذاك اطّلاعاً على الميثولوجيا اليونانية لمجرد أنه ذكر اسم سيزيف أو بروميثيوس مثلاً، مع أنّ مفهوم التّناص كما أشرنا سالفاً، يتطلّب قيام المبدع بإعادة إنتاج كاملة للأثر الأدبي السابق، ولا يعني بحال من الأحوال نثر بعض الأقوال هنا وهناك أو رشق بعض الأسماء كيفما اتفق، وكأنّ النص الأدبي ليس أكثر من ثوب باهت يمكن تزويقه ببعض الإكسسوارات المتداولة في بورصة الأقوال والأسماء.

 

المئات من الرسائل الجامعية الخاصة بالتناص والتي تكاد تكون نسخاً رديئاً عن بعضها البعض أساءت التطبيق وابتذلت المفهوم

 

إنّ هناك فرقاً قارّاً وعميقاً إذن، بين التناص العالي الذي جسّده أمل دنقل في قصيدة (لا تُصالح) وفي قصيدة (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) وجسّده محمود درويش أيضاً في قصيدة (رحلة المتنبي إلى مصر)... وبين التوظيف الساذج والسطحي لبعض الأقوال والأسماء. لقد كفانا بلاغيونا القدامى مؤونة التوسّع في وظائف الاقتباس والتضمين، وما دمنا مبهورين كل هذا الانبهار بأهمية هذه الوظائف في النصوص الأدبية، فإنّ هؤلاء البلاغيين أولى بالإشادة والتبجيل من جوليا كريستيفا، التي يؤسفني القول بأنّ الهالة التي أحاطت بها لسنوات قد كادت تتبدّد في فرنسا مؤخّراً، بعد ثبوت قيامها بكتابة تقارير استخبارية منتظمة لقيادة الحزب الشيوعي البلغاري خلال الأعوام 1960 - 1970!

الصفحة الرئيسية