ما الذي تخبرنا عنه هجرة النخب والعقول الإيرانية؟

ما الذي تخبرنا عنه هجرة النخب والعقول الإيرانية؟

ما الذي تخبرنا عنه هجرة النخب والعقول الإيرانية؟


29/09/2025

تقع إيران في السنوات الأخيرة تحت وطأة تنامي هجرة النخب، وخاصة الأطباء، والأكاديميين والباحثين في تخصصات مختلفة علمية ومهنية، كالمهندسين والمختصين في التكنولوجيا. هذه الظاهرة ليست مجرد حركة فردية، بل تعكس أزمة شاملة داخل طهران بفعل ممارسات نظام "الولي الفقيه" وسياساته القمعية على مدار أربعة عقود، وتشمل الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية والأكاديمية. فغياب بيئة مناسبة للبحث العلمي، ثم القيود على حرية التعبير، والمعوقات الاقتصادية، تدفع هذه النخب، قسراً وكرهاً، إلى البحث عن فرص أخرى وبدائل في الخارج. فالنخب المهاجرة غالباً ما تكون الأكثر قدرة على الابتكار والتأثير على مستوى المجتمع والاقتصاد، الأمر الذي يخلق فراغاً يعيق تقدّم إيران على المستوى الدولي، وسبق أن كشف عن نتائجه المريرة عدد من المسؤولين في النظام ذاته.

هجرة النخب

تُعدّ هجرة النخب الإيرانية واحدة من أبرز الظواهر التي تعكس عمق الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في إيران. فقد أظهرت التقارير أنّ عدد الإيرانيين المهاجرين قد بلغ (115) ألف شخص في عام 2021، بزيادة قدرها 141% مقارنة بالعام السابق. وفي عام 2024 أشار تقرير إلى أنّ حوالي (110) آلاف إيراني من ذوي المهارات والكفاءة العالية هاجروا، وهو ما يعكس تسارعاً في هذه الظاهرة. وتُسهم الظروف الاقتصادية بدور مركزي في دفع النخب للهروب أحياناً والهجرة الطوعية أحياناً أخرى، خصوصاً مع ارتفاع التضخم وانخفاض قيمة الريال الإيراني مقابل الدولار الأمريكي الذي يتسبب في قفزات بالأسعار وتدني الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب ضعف الفرص الوظيفية للأفراد المؤهلين. كلّ ذلك يجعل البيئة الاقتصادية غير محفزة على الاستمرار في العمل والابتكار، بل بيئة معادية للنجاح. فهناك صعوبة يعانيها الباحثون وغيرهم على مستوى تأمين التمويل لمشاريعهم العلمية أو الصناعية، ويواجهون تحديات قانونية وإدارية تعرقل إطلاق مبادراتهم.

يضاف إلى ذلك، الضغوط الاجتماعية والقوانين المتشددة المتعلقة بالحياة الشخصية، كالحجاب الإجباري، المتسبب في إضعاف دور المرأة وتمكينها، ناهيك عن التمييز المستمر ضد بعض الفئات، لا سيّما الأقليات القومية والإثنية والعرقية والدينية والطائفية، بما يضاعف من شعور النخب بالإحباط، ويجعل البحث عن بيئة أكثر تحرراً في أوروبا خياراً جذاباً.

السياسات القمعية

السياسات القمعية للنظام الإيراني، مثل الاعتقالات التعسفية للصحفيين والناشطين، والرقابة العنيفة على الإعلام، تخلق بيئة غير مواتية للنخب بفعل غياب أو بالأحرى تغييب حرية الفكر والتعبير. فكلّ محاولة للنقد والمساءلة والإلحاح على فكرة الحرية والديمقراطية يمكن أن تواجه بعقوبات قانونية واجتماعية، ممّا يجعل الهجرة وسيلة للبقاء على قيد النشاط العلمي والفكري والسياسي.

من ثم، تُعدّ القيود السياسية وغياب الحريات الأساسية من أبرز الأسباب التي تدفع النخب الإيرانية للهجرة. إذ يعيش المثقفون والباحثون والصحفيون والمدافعون عن حقوق الإنسان في إيران تحت ضغط مستمر، بما في ذلك المراقبة والملاحقة باستمرار، والاعتقالات التعسفية، والمحاكمات غير العادلة. وتظهر بيانات حقوق الإنسان أنّ أكثر من (850) شخصاً أعدموا عام 2023، وحوالي (1000) في عام 2024، بالإضافة إلى حملة اعتقالات واسعة ضد المعارضين السياسيين والطلاب والناشطين الشباب. هذا المناخ يخلق شعوراً دائماً بالخطر، ويجعل التفكير المستقل والبحث العلمي والتعليم الحر محفوفاً بالمخاطر، وهو ما يدفع العديد من الكفاءات إلى البحث عن بيئة أكثر أماناً.

سياسة القمع والتضييق على الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، لا تجعل المشاركة السياسية شبه مستحيلة، فقط، بل تعيق فكرة وجود بدائل سياسية ومدنية يمكنها أن توسع هوامش الحرية أو تخلق أفقاً يحقق انفراجة ويحلحل الوضع المأزوم. فالوضع، والحال كذلك، بلغ درجة انسداد قصوى نتيجة أزمات مُركّبة وبنيوية حادة، تبدأ عند الأولوية الاقتصادية للجوانب الأمنية والعسكرية للنظام، واقتصاديات القمع المحلي على حساب التنمية، وتنتهي مع استمرار سياسات الإفقار. ووفق تقارير حديثة، يعيش حوالي 60% من السكان تحت خط الفقر.

إلى جانب ذلك، هناك هجرة متزايدة للطلاب الإيرانيين، ويمثل الطلاب جزءاً كبيراً من النخب المغادرة. وتُعدّ تركيا وجهة أولية لهم بسبب القرب الجغرافي وتكاليف المعيشة المنخفضة، بينما يسعى البعض إلى أوروبا لاستكمال دراساتهم العليا أو لمواصلة البحث العلمي في بيئة داعمة، وفق الباحث المختص بالشأن الإيراني الدكتور محمود أبو القاسم.

تراجع في البنى العلمية

ويقول أبو القاسم لـ (حفريات): "الجامعات ومراكز البحث في إيران تعاني من ضعف التمويل، ونقص المعدات الحديثة، والعزلة عن الشبكات العلمية الدولية. وترى النخب في أوروبا فرصة للعمل ضمن بيئة متقدمة، ووفرة التمويل للبحث العلمي والمشاريع الأكاديمية، وإمكانية التعاون مع مراكز بحثية مرموقة. هذه الفرصة لا تتاح داخل إيران، لذلك؛ تعتبر الهجرة إلى أوروبا خطوة استراتيجية لتطوير المشاريع العلمية وتحقيق الإنجازات المهنية".

ويضيف أبو القاسم: إنّ هجرة النخب تشكّل "خسارة استراتيجية" لإيران، حيث تفقد طاقات متميزة في البحث العلمي والابتكار. في المقابل، تستفيد أوروبا من هذه الخبرات في تعزيز البحث العلمي، وتطوير الاقتصاد الرقمي، والإسهام في مشاريع ابتكارية. سياسياً، تؤكد الهجرة حجم الإحباط العام داخل إيران، وتبرز الحاجة الملحة لإصلاحات جذرية على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. 

الهجرة ليست مجرد حركة فردية، بل هي مؤشر على ضعف بنية النظام الإيراني وقدرته على الحفاظ على كوادره العلمية، وفق المصدر ذاته، موضحاً أنّ النخب المهاجرة تمتلك وعياً سياسياً وعلمياً عالياً، ممّا يجعل فقدانها ضربة مزدوجة للنظام، بداية من فقدان قدرات داخلية ومروراً بإمكانات تأثيرها خارجياً، الأمر الذي يعكس فشل النظام في توفير بيئة آمنة.

ويختتم أبو القاسم حديثه قائلاً: إنّ "موجة الهجرة المتصاعدة بإيران هي نتيجة قاتمة للديكتاتورية الدينية المؤدلجة والمسيسة منذ أربعة عقود، وقد خلق الفساد والاختلاس وسوء الإدارة والافتقار الشديد للشفافية داخل الحكومة والنظام بيئة أصبحت فيها تلبية احتياجات المجتمع وتوفير الضروريات الأساسية صعبة على نحو متزايد. وقد أسهم ذلك في خيبة أمل ليس فقط للنخبة، بل أيضاً للشباب والطلاب والنساء بمختلف الطبقات الاجتماعية والخلفيات العلمية والأكاديمية والمهنية. لهذا أثارت صورة توثق رحيل النخبة الأكاديمية في جامعة شريف بالمطار ردود فعل مجتمعية كبيرة ومدوية ومناقشات مكثفة حول هجرة المواهب الفكرية والأكاديمية وأثرها السلبي. وانتقد برلمانيون ذلك، وشددوا على ضرورة الاستدارة لدعم رأس المال البشري والنخب في البلاد والحفاظ عليهما".



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية