ما الذي اكتشفه العالم في 100 يوم من ولاية بايدن؟

ما الذي اكتشفه العالم في 100 يوم من ولاية بايدن؟

مشاهدة

كاتب ومترجم جزائري
04/05/2021

ترجمة: مدني قصري

كان العالم يتوقّع شخصاً متراخياً وفاتراً، كانت المفاجأة كاملة، بعيداً عن صورة دونالد ترامب، والتي تمّ تبنيها بسرعة كبيرة، كذّب جو بايدن دعاية خصمِه السابق، ولم يُظهر نفسه "نائماً"ـ بل على العكس تماماً؛ لقد انفجر إعصار حقيقي، ركّز الرئيس الجديد على جميع الجبهات، وطوّر طموحات هائلة؛ بعد 100 يوم، اهتزت البلاد اهتزازاً قوياً.

اقرأ أيضاً: هكذا سترد تركيا على اعتراف بايدن بإبادة الأرمن

ومع ذلك، فقد حدثت الثورةُ في المخمل: جو بايدن، الوفيّ لِما كان عليه دائماً، يتحدّث بصوت هادئ ولطيف، كان هذا أحدَ وعودِه: وضعُ حدّ للجانب "الصاخب" لسلفه، ومع ذلك، ليس هذا أوّلَ ما نتذكره منذ بداية هذه الولاية؛ لأن جانبه الجادّ سحق أيضاً سِجلَّ دونالد ترامب الضئيل: جو بايدن يتحدث قليلاً، لم يعقد سوى مؤتمر صحفي واحد فقط، لكنّه يتحرك ويعمل، وهو في العمل فعّالٌ بشكل رهيب.

بكلمتين

يبدو أنّ تلخيص بدايته للرئاسة بكلمات قليلة أمرٌ مستحيل، من فرط نشرِ جناحيه في كلّ الاتجاهات. ومع ذلك، فقد فَعل ذلك بنفسه خلال مؤتمره الصحفي الوحيد، مذكّراً بأنّ هناك هدفَين رئيسَين يتعيّن تحقيقهما، وأنّه تناول هذا العمل كأولوية: كان من الضروري بالفعل مواجهة الأزمتين الصحية والاقتصادية، لا شيء يمكن أن يصرفه عن هذا الهدف، لأنّ الأمرين عاجلان.

لذلك رأينا مع مَن نحن نتعامل: تميّزت نتائج المئة يوم الأولى بانتصار لا يمكن إنكاره على هذه الأرض. أعطيت 210 مليون جرعة في 100 يوم، في حين كان الهدف الأولي قد حُدِّد عند النصف، كان سلفه قد وعد بمليوني جرعة قبل عيد الميلاد، ولم يتمكن من تطعيم سوى ما يقلّ قليلاً عن 900 ألف شخص، بسبب الافتقار إلى الخدمات اللوجستية الطموحة. التناقضُ صارخ، لكنّه ليس كذلك مع دونالد ترامب فقط: لقد ذُهل العالم أجمع أمام فاعلية الأمريكيين في عملية التطعيم الجماعي هذه.

لم تكن هذه سوى البداية فقط؛ لأنّ المفاجأة كانت في تصاعد: ضاعف بايدن المراسيم خلال الأسبوعين الأولين له في منصبه، ما أدّى إلى خلخلة التوازنات التي أنبأت بتسارع أكثر فعالية، غير أنّ الاقتصاد الأمريكي هو الذي استفاد، بخطة 1900 مليار دولار، وهي الخطة التي تَمكن السناتور السابق، الخبير في أعمال هذه المؤسسة، من تمريرها في وقت قياسيّ، والحديث هنا عن قانون، وليس مرسوماً.

تكمن قوة بايدن في تقويم أمريكا، وهو أمر واضح، وهذا يمرّ عبر المجال الدولي، ولكن ما يزال يملك نقاط قوة كثيرة على الجبهة الداخلية

النتائج الأولى لم تكن طويلة: خلقُ 916 ألف وظيفة في آذار (مارس)، والبطالة التي انخفضت إلى 6٪ بعد إضافة 379 ألف وظيفة في شباط (فبراير)، أعلنت جانيت يلين، وزيرة الاقتصاد، بالفعل، العودةَ إلى التوظيف الكامل في نهاية هذا العام؛ لأنّ الوظائف الأمريكية هي الهدف من سياسة بايدن: جانب جديد من "أمريكا أوّلاً" ولكن بمظهر جديد.

أولئك الذين اعتقدوا أنّ الأهمّ والأكبر قد انتهى كان عليهم أن يغيّروا رأيهم بسرعة، لقد اقترح الرئيس على الفور خطة أخرى، وهذه المرّة حول البنية التحتية، باعتماد مبالغ فلكية، هنا، مرّة أخرى، يريد بايدن أن يمرّ ويتحرك من خلال المسار التشريعي، لن يكون الأمر يسيراً، لكنّه خطوة ضرورية لإعادة المؤسسات إلى نصابها، بعد أربع سنوات تضررت خلالها بشدة.

فور استيعاب وهضم الخطتين الأوليين، أضاف بايدن خطتَين أخريَين في أعقاب ذلك، مستجيباً بذلك للأزمتين الرئيسَتين الأخريين اللتين ضربتا البلاد: بالنسبة إلى الأزمة البيئية، استجاب بخطة مناخية غير متوقعة وطموحة، مع إعادة تقييم الأهداف التي يجب على الولايات المتحدة تحقيقها، مع دعوة بقية العالم لاتّباعها في هذا الاتجاه، وبالنسبة إلى الضائقة الاجتماعية؛ فهو يعرض خطة جديدة بقيمة 1800 مليار دولار، تسمى "خطة الأسرة"، التي سيتم الكشف عن تفاصيلها أمام مجلسي الكونغرس، والتي من المتوقع أن تشمل 400 مليار للعلاوات العائلية، و300 للتعليم العالي المجاني، و200 للتأمين الصحي، و225 للإجازات، و225 لدور الحضانة.

اقرأ أيضاً: بايدن يدافع عن الإيغور خلال قمة الدول الـ7... ما القصة؟

بعيداً عن الرئيس المخيف الذي صوّرته وسائل التواصل الاجتماعي خلال الحملة الانتخابية، بازدراء أحياناً، أظهر جو بايدن أنّه بالتأكيد أكبر رئيس أمريكي سناً في التاريخ، لكن هذا لا ينتقص من جرأته ومن روح المبادرة.

لكنّ ما لم نشهده قادماً؛ هو أنّه، في قلب الرجل الذي عرفناه كواحد من الإجماع، وداعماً للتغيير بلمسات صغيرة، ينام إنسانٌ ثوري، عرف كيف يقلب الطاولة عند الحاجة.

التجربة في السلطة

كانت التغييرات واضحة للغاية، منذ 20 كانون الثاني (يناير)، سرعان ما فاز التنوع في تعييناته: النساء والأمريكيون من أصل أفريقي، والإسبان، والهنود الأمريكيون الأصليون، والمثليون جنسياً، والمتحولون جنسياً، واستمرت قائمة المناصب المختلفة في النمو.

ومع ذلك، كان كلّ ذلك مجرد خدعة؛ إدارة بايدن، في الواقع، استمرارٌ لإدارة باراك أوباما (2008-2016)، كما لو أنّ الرئيس الجديد أراد محو السنوات الأربع التي مرّت للتوّ، واستئناف السرد الوطني اعتباراً من 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، لقد تمّ الحديث عن "فترة ثالثة للرئيس الرابع والأربعين"، وذلك أساساً لأنّ معظم المناصب الرئيسة كان يُشغِلها أشخاصٌ كانوا في مناصبهم قبل ترامب.

اقرأ أيضاً: لماذا لا ينوي بايدن حلّ النزاع الإسرائيلي الفلسطيني؟

لكن، مرة أخرى، كان من الضروري التعمّق والغوص أكثر، لقد أحاط الرئيس جوزيف بايدن نفسَه بأشخاص يثق بهم، ويرجع ذلك أساساً إلى أنّهم، مثله، قساة وجادّون، لقد انتقلنا من عصر المخربين إلى عصر الأوائل في الصفّ. هذه المرة، كانت تجربة النساء والرجال المختارين هي التي أتت بثمارها: فمنذ اليوم الأول، كانوا عمليّين.

كما تمّ فحصُ الاتصال أيضاً من قبل فريق متماسك بالقدر نفسه، وتمت معايرته بعناية، أظهر المؤتمر الصحفي اليوميّ أنّ الشفافية ستكون هي النظام اليومي، وهنا تفكّك آخر، لكن لا يمكن توقّع شيء أكثر من ذلك، لا يمكن أن يحدث أيّ تجاوز، يبقى الجميع في أماكنهم ويقومون بعملهم، بايدن نفسه قام بتقليص مداخلاته: بضع خطابات نادرة، تبدأ دائماً بإخراج بطاقات صغيرة من جيبه، والتي يقرأ فيها بضمير حيّ أرقامَ وفيات كوفيد؛ لأنّه لا يريد أن ينسى الأمريكيون أنّ وراء كلّ رقم دراما إنسانية، وهو يعرف ما يعنيه ذلك، لأنّه مرّ هو نفسه بأسوأ المآسي التي يمكن أن يواجهها إنسان.

اقرأ أيضاً: هل أغلق بايدن باب البيت الأبيض بوجه أردوغان؟

رئاسة بايدن تُبحِر، إذاً، في مياه هادئة، واللافت للنظر أنّه لا توجد مأساة أو مسرحية ساخرة قادمة من الحزب الديمقراطي، حتى هنا، يُعدّ الأمرُ نجاحاً، في وقت مبكر من نيسان (أبريل) 2020، عندما أصبح من الواضح أنّه سيتمّ اختياره لتمثيل الحزب ضدّ دونالد ترامب، أنشأ جو بايدن ثماني لجان لإصلاح برنامجه بعمق، تمّ تعيين رئيسَين اثنين لكلّ واحدة من هذه اللجان: رئيس معتدل ورئيس تقدّمي، يبدو أن الوصفة كانت جيّدة. فلم نعد نسمع، على سبيل المثال، أليكساندريا أوكاسيو كورتيز وهي تشرح أنّه لو كانت في بلد آخر "لكانت، هي وبايدن، في حزبين مختلفين".

لا لوضع العربة أمام الحصان

كلّ هذه النجاحات بعد ذلك دفعت عدداً كبيراً من المراقبين إلى إعادة النظر في الحكم الذي أصدروه على عجل على المرشح الديمقراطي. تماماً مثل الانتقادات الموجهة إليه، والتي كانت غير عادلة ومتعددة للغاية؛ فإنّ "ردّ الاعتبار النهائي مفرطٌ في الإطراء، وسريع جداً على أيّ حال، حتى أننا نشهد هياجاً بلغ من الحدّة ما يجعلنا بالفعل نقارن الوافدَ الجديد بفرانكلين ديلانو روزفلت، أو ليندون جونسون، كما لو أنّ كلّ اللعبة قد انتهت بالفعل، وأنّ التفويض على وشك الانتهاء".

اقرأ أيضاً: الخريطة الكردية في لعبة جو بايدن لمواجهة إيران

ومع ذلك، فمن الصحيح أنّ خطط بايدن تذكرنا بصفقة روزفلت الجديدة، وأنّ إرادته في العمل لصالح الضعفاء تذكّرنا بجونسون، الذي نجح في إجراء إصلاحات جريئة بالاعتماد أيضاً على معرفته بمجلس الشيوخ، ومع ذلك، تكمن قوّة بايدن العظيمة في ضعفه الرئيس: عمره، يبلغ من العمر 78 عاماً، وهو يعلم أنّه لن يخدم فترة ولاية ثانية، مهما قال، ولا تهمه ضغوط شعبيته، للتخلص من هذا العبء، يمكنه بالتالي التصرف وفق ضميره وإرادته، والعمل دون خوف على مستقبله.

ومع ذلك، فإنّ تمجيد بدايته في المنصب في هذه المرحلة، يعني أنّنا ننسى أنّ دونالد ترامب كان له الفضل في القدرة الحقيقية على تعزيز الاقتصاد، وخلق فرص عمل. لقد سخروا من أولئك الذين راهنوا على هزيمة الرئيس الخامس والأربعين، معتقدين أنّ النجاح الاقتصادي منحه براءة اختراع من الحصانة، لكن الأزمة الصحية أخذت معها أفضل نتيجة في هذا المجال منذ خمسين عاماً، لتصل إلى 6,5 ٪ من البطالة، عندما ترك ترامب السلطة.

فالحذر مطلوب، إذاً، الأغلبية التي يمتلكها في كلّ من المجلسين أضيق جداً من أن يكون الرئيس الحالي هادئاً تماماً؛ فهو بالفعل تحت رحمة بعض القناصين، لا سيما إذا كانوا قريبين جداً منه بسبب أفكارهم السياسية، مثل مانشين، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فرجينيا الغربية، والذي يمكنه بمفرده إخراج العديد من المشاريع عن مسارها وإفشالها، بصفته خبيراً مخضرماً في واشنطن، يعلم بايدن أنّ الجزء الأصعب لم يأتِ بعد.

تكمن قوّة بايدن العظيمة في ضعفه الرئيس: عمره، يبلغ 78 عاماً، وهو يعلم أنّه لن يخدم فترة ولاية ثانية، مهما قال، ولا تهمه ضغوط شعبيته

كما أنّه يجب عدم التقليل من أهمية المناخ العام في الدولة التي وإن بدت أكثر هدوءاً، فإنّها تظلّ منقسمة للغاية: فقد عاد دونالد ترامب نفسه إلى مستوى شعبيته البالغة 43٪، وهي قاعدة استطاع من خلالها أن ينقل 74 مليون ناخب في بلده، لصالحه. اهتزّ الجمهوريون من أحداث 6 كانون الثاني (يناير)، لكنّ كثيرين منهم يعتقدون، مثل الرئيس السابق، أنّهم لن يتمكنوا من استعادة كلا المجلسين قبل، ربما، العودة إلى البيت الأبيض.

من جانبه، يحتفظ جو بايدن بشعبية عالية، حوالي 54٪، لكنّها أقل بكثير من تلك التي يتمتع بها معظم الرؤساء خلال المئة يوم الأولى من حكمهم، لن يكون من السهل إقناع الأمريكيين، بل إنّ كثيرين منهم مصمّمون على ألا يقتنعوا أبداً.

وعود، مرّة أخرى

تكمن قوة بايدن في تقويم أمريكا، وهو أمر واضح حتى لأكثر الأشخاص تردداً، وهذا يمرّ عبر المجال الدولي، ولكن ما يزال يملك نقاط قوة كثيرة على الجبهة الداخلية.

لقد أردك الجمهوريون أنّه يواجه بعض المتاعب في بعض القضايا التي تثير اهتمامهم: الهجرة هي القضية الأكثر وضوحاً مع أزمة حدودية يمكن أن تكون قاتلة.

اقرأ أيضاً: هل سيتبنى جو بايدن عقيدة كارتر في الشرق الأوسط؟

تظلّ عمليات القتل الجماعي شيطاناً يكشف الانقسام الأيديولوجي الموجود في هذا البلد حول الحق في امتلاك سلاح، وهو الملف الذي استغله خصوم جو بايدن لفترة طويلة جداً. أخيراً، هناك فكرة أنّ هذا الرئيس سيكون أضعف من دونالد ترامب في مواجهة عمالقة مثل فلاديمير بوتين، وشي جين بينغ، ورجب أردوغان.

ومع ذلك، فإنّ الرغبة في الأخذ على جو بايدن فشله في السياسة الخارجية كانت تسرعاً بعض الشيء في الحكم على عمله؛ يعني ذلك أنّنا ننسى أنّنا هنا في المجال الذي يفضله، وأنّه، في الولايات المتحدة، خبيرٌ من بين الخبراء في هذا الموضوع.

مع بوتين، اكتشفنا الحرب الكلامية التي خاضها بالفعل في الماضي: لم يتردّد بايدن في وصف نظيره الروسي بـ "القاتل"، قبل أن يدعوه إلى لقاء "على الأرض محايدة"، كي يتحدّثا عما يغضِبهما، كان الصدام قوياً بالقدر نفسه مع الصينيين، خلال أول اجتماع ساخن بين وزيري الخارجية، في ألاسكا، قبل أن يُطمئن جو بايدن الجميعَ، من خلال توضيح أنّ علاقته الشخصية بالرئيس شي جيدة، وأنّهما يعرفان بعضهما منذ فترة طويلة".

من جانبه، اضطر أردوغان إلى ابتلاع الاعتراف الرسمي بالإبادة الجماعية للأرمن، مما أضعفه في وقت لم تكن فيه علاقاته مع الروس في ذروتها.

اقرأ أيضاً: تسرّع بايدن يصطدم بتعقيدات الشرق الأوسط

يعرف بايدن العالم: إنّه يدفع ببيادقه ويدافع عن رؤيته حول تعددية حازمة، تحت قيادة أمريكية حقيقية، ويضيف وصفةً عزيزة على قلبه: حقوق الإنسان.

مواقفه من أوكرانيا، القضية الفلسطينية، الأويغور، أو حتى أرمينيا التي اعترف، كما قلنا، بالإبادة الجماعية عام 2015، حيث يُذكّرنا بأنّه الرجل الذي دعا إلى تدخّل إنساني في يوغوسلافيا السابقة.

بايدن مدفوع إلى العمل من خلال رؤية واضحة للغاية، لِما هو جيد وما هو غير جيد؛ إنّه يكشف عن نفسه للعالم كما كان دائماً: رجل مبدأ وسلطة، كان لا بدّ من مئة يوم حتى يكتشفه العالم.

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

theconversation.com

الصفحة الرئيسية