ماذا لو لم يفز أردوغان في الانتخابات المقبلة؟

ماذا لو لم يفز أردوغان في الانتخابات المقبلة؟

مشاهدة

25/11/2020

خلال الحملة الانتخابيّة الثّانية لاختيار من يحكم تركيا، خلفاً للرئيس التركيّ، رجب طيب أردوغان، الذي فاز في أول انتخابات شعبيّة في البلاد، ونصّب الرئيس الثّاني عشر، بعد فوزه بأغلبية 51.79%، كان على أردوغان أن يكثّف جهوده ليفوز بفترة رئاسيّة جديدة، وهو ما حدث؛ حيث اجتمع أنصاره في الخارج، وحشدوا الجماهير في هولندا، في آذار (مارس) 2017، لكنّ السلطات الهولنديّة منعت أيّة تجمّعات من هذا القبيل، حفاظاً على الأمن والسلامة العامة.

أردوغان لا يخشى خسارة منصبه الرئاسي فقط، بل يخشى أن يسجن بموجب عدّة تهم، وهذا الخوف هو الدافع وراء تصرفاته التي تبدو متخبطة

وما كان من أردوغان إلّا أن سبّ الإدارة الهولندية، واصفاً إيّاها بفلول النازية، وجمهورية الموز، وتطرّق في حديثه حينها إلى ألمانيا، عملاق الاتّحاد الأوروبيّ، وأكثر دول العالم استيعاباً للمهاجرين الأتراك، ووصفهم بالنازيين الجدد، وهو ما أثار غضب ألمانيا أيضاً، واتّسعت رقعة الغضب لتشمل أوروبا بأكملها.

 وبعد مسيرة تركيّة حافلة بالصراع والابتزاز مع أوروبا، يبدو أنّ أردوغان أدرك مؤخراً أنّه مقبل على مرحلة من حكم بلاده، التي نصبّ نفسه عليها حاكماً أبدياً.

سنوات العبث التركي

قبل عام 2014، لم يكن للتواجد التركيّ في المنطقة تأثير كبير، اللهمّ إلّا في القضيّة السوريّة بحكم الجغرافيا الإقليميّة، وبسبب سياسة الرئيس الأمريكيّ السابق، باراك أوباما، الذي كان يميل إلى المحور التركيّ الإيرانيّ، خرج المارد التركيّ يصول ويجول في المنطقة، دون أن يجد من يكبح جماحه، الذي وصل به التهوّر، إلى شنّ حربٍ معلنة ضدّ سوريا، حيث بدأ الجيش التركي أولى عملياته العسكرية الشاملة والمعلنة، في آب (أغسطس) 2016، والتي استهدفت الأكراد في الشمال السوريّ، وفلول داعش، الذين ادّعت تركيا محاربتهم، لكنّ الهدف الأساسيّ، كان إضعاف حزب العمال الكردستانيّ، الذي قاتلت قواته ببسالة ضدّ تنظيم داعش الإرهابيّ على مدار سنوات الحرب في سوريا، والذي ارتكبت تركيا بحقّه مجازر لن يمحوها التاريخ، في تسعينيات القرن الماضي.

مرّ هذا الأمر دون تدخّل من الحلفاء الإقليمين، في وقت انشغلت فيه الإدارة الأمريكية بالانتخابات الرئاسية، والتي جاءت بـ "دونالد ترامب"، رئيساً منقلباً على سياسات سلفه، الذي استكمل تحالف بلاده التاريخيّ مع الأكراد، على عكس ترامب الذي سحب قوات الجيش الأمريكيّ، وأعطى الضوء الأخضر لأردوغان، لاستكمال ثاني عملياته "نبع السلام"، والتي استهدفت تأمين منطقة حدوديّة لإعادة اللاجئين السوريّين، نتج عنها مئات القتلى وتشريد الآلاف من المدنيين الأكراد.

اقرأ أيضاً: هل ستنجح ألاعيب أردوغان بخداع الاتحاد الأوروبي مرة أخرى؟

تمّ تنفيذ العمليّة من قبل القوات المسلحة التركية، والجيش السوري المدعوم من تركيا، ضدّ قوات سوريا الدّيمقراطية (قسد)، والمكوّنة في الأساس من وحدات حماية الشعب، والتي تصنّفها تركيا منظّمة إرهابيّة، بدعوى علاقاتها مع حزب العمال الكردستانيّ، وتحت عنوان "عمليّة نبع السلام: ومشروع الوهم التركيّ"، نشر المركز البلجيكي الدولي للأبحاث السياسية، ورقة عمل تشرح كيف استهدف أردوغان بسط نفوذه على الأوروبيين، وإبادة الأكراد، رغم أنف أوروبا، التي ندّدت بما يحدث بحقّهم، وصياغة واقع ديموغرافي جديد في الشمال السوريّ، يقرّره أردوغان وحده، دون أن يكون للقوى الدوليّة أيّ تدخّل فيه، وفي سياق الحرب السوريّة، تكرّرت الدعوات لإنشاء مناطق آمنة من قبل جهات فاعلة مختلفة، ومع ذلك، لم يكن الوضع في شمال شرق سوريا في مأمن من الهجوم العسكريّ والعنف؛ حيث تعرّض المدنيّون لأشكال مختلفة من العنف (الموت والاغتصاب والاختطاف وسلب وتدمير الممتلكات).

الموقف الأوروبيّ من الأزمة الليبيّة

كانت الحرب الليبيّة الأولى التي أدّت إلى إطاحة نظام معمّر القذافي، نتيجة الدعم الذي قدّمه التحالف الدولي (ولكن بشكل رئيس من قبل الناتو)، للقوات العسكرية المختلفة للمجلس الوطني الانتقاليّ، الذي عارض القذافي، ومع اندلاع الحرب الثانية في ليبيا، انهارت وحدة المجتمع الدوليّ، وموقفها الواضح بشأن الإدارة الليبية؛ إذ إنّ ليبيا، وما تتمتع به من موارد طبيعيّة، كأكبر دولة تمتلك احتياطيّاً نفطيّاً في أفريقيا، وخامس أكبر دولة تحوي الصخر الزّيتي في العالم، والذي يمكنها من إنتاج النفط والغاز القابل للاحتراق، أسالت لعاب القوى الإقليمية، التي ألقت بشباكها، لتحصد أكبر غنيمة ممكنة.

 وكان أردوغان وشركاؤه من الجماعات "الإرهابيّة"، أول المتسابقين على تلك الغنائم، فاستثمر بقوة في إرسال المرتزقة السوريين للقتال في صفوف حكومة الوفاق الوطني، التي دعمتها تركيا بكلّ ما أوتيت من قوّة، هنا بدأ الانقسام جلياً في الاتّحاد الأوروبي؛ إذ اتخذت فرنسا موقفاً رافضاً لأيّ تدخّل تركيّ في الشأن الليبيّ، وانتقلت الخلافات إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، والذي دخله أردوغان من بوابة ليبيا.

المحلل التركي تورغوت أوغلو لـ"حفريات": اتّبع أردوغان أسلوب المراهق العدوانيّ المتشاجر، واستمرّ في التحايل على الشعب بالخطاب الدّيني العاطفيّ، حتى يتمكّن من تمرير أجندته

كانت شرارة الانقسام بخصوص شرق المتوسط، أكثر استيعاباً لدول أخرى رفضت تدخّل أردوغان، الذي حاول تقنين غزوه، عن طريق اتفاقيّات ترسيم الحدود البحرية، مع حكومة الوفاق، لكنّ التحالف المضاد، الذي ضمّ كلاً من (مصر، قبرص، اليونان، إيطاليا، فرنسا)، ندّد بالموقف التركيّ المهيمن في ليبيا؛ إذ فتح هذا التدخّل باباً لم يغلق بعد من الانتهاكات الصارخة في شرق المتوسط، خاصةً من تركيا، التي ترسل سفنها بين الحين والآخر، للتنقيب عن حقول الغاز، في المياه اليونانية والقبرصية.

اقرأ أيضاً: علاء الدين تشاكجي.. ذراع أردوغان "الخارج عن القانون"

ويرى الكاتب الصحفي والمحلل السياسي التركي، تورغوت أوغلو، أنّ كلّ هذه التصعيدات التي بدأت بالقضية السورية، ثمّ الأزمة الليبية، وها هي مستمرة في شرق المتوسط، زادت من عزلة تركيا، ونظامها الحاكم، الذي صار يبحث عن أعداء في كلّ قضية إقليمية، لإلهاء الشعب التركيّ عن الأزمة الداخلية في البلاد. 

ما الذي تغيّر؟

فاجأ الرئيس التركي العالم بتصريحاته، الأحد الماضي، والتي قال فيها أنّ تركيا جزء لا يتجزأ من قلب أوروبا، وناشد زعماء الدول الأوروبية، بالمضي قدماً في القضايا المشتركة بين تركيا والاتحاد، بداية من عضوية أنقرة، المعلقة منذ أكثر من نصف قرن، وكذلك قضايا الهجرة والملفات المشتركة، ورأى مراقبون أنّ هذه التصريحات تودّد معلن للاتحاد الأوروبي بعد مشادات عنيفة بين أردوغان والرئيس الفرنسي، بلغت ذروتها في تشرين الأول (أكتوبر)، بسبب قضايا الإرهاب وأزمة الرسومات المسيئة للرسول الكريم، ويبدو أنّ تغيّر الواقع السياسيّ، الذي بدأ بتنصيب بايدن رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية، أجبر أردوغان على التراجع قليلاً، واستخدام اللّين بدلاً من العنف الصريح.

يتابع أوغلو، في تصريح لـ "حفريات": "لسنوات مضت، كان أردوغان يبحث عن عدوّ للتغطية على أزماته الداخلية، وبزيادة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، اتّبع أردوغان أسلوب المراهق العدوانيّ المتشاجر، كما استمرّ في التحايل على الشعب بالخطاب الدّيني العاطفيّ، كما أنّه يحرص على توظيف عدوّ حقيقيّ، حتى يتمكّن من تمرير أجندته، ويلجأ أردوغان إلى مثل هذه الصراعات، خاصة مع الغرب والاتحاد الأوروبيّ، لأنّها تحافظ على تماسك قاعدته الشعبية لحزب العدالة والتنمية، التي بنيت في الأساس على الدعايا الإسلاموية؛ لذلك يحوّل خصومه، سواء في الداخل أو الخارج، إلى أعداء للإسلام وقيمه، وليسوا مجرد فرقاء سياسيين".

اقرأ أيضاً: هل لدى أردوغان من يخلفه في مشروعه الطوراني الكبير؟

هناك دور كبير لانتخاب بايدن رئيساً، في هذا التراجع الذي أعلنه أردوغان على الملأ، بحسب أوغلو الذي يعتقد أنّ "بايدن لن يتغاضى عن علاقته بأنقرة، بسبب موقعها الجيوسياسيّ وأهميتها الإستراتيجية، لكنّ الأزمات التي تتوالى داخل حزب العدالة والتنمية، وعلى رأسها أزمة صهر أردوغان، وكسب المعارضة مزيداً من القوة والأزمة الاقتصادية التي تجتاح البلاد، كلّ هذه الأسباب تجعلنا نتنبأ بأيام عصيبة، ربما تنهي وجود الحزب في الحياة السياسية، ويبدو أنّ أردوغان لا يخشى خسارة منصبه الرئاسي فقط، بل يخشى أن يسجن بموجب عدّة تهم، وهذا الخوف هو الدافع وراء تصرفاته التي تبدو متخبطة".

الصفحة الرئيسية