ماذا تعني خطة نزع سلاح حزب الله لمستقبل لبنان

ماذا تعني خطة نزع سلاح حزب الله لمستقبل لبنان

ماذا تعني خطة نزع سلاح حزب الله لمستقبل لبنان


21/09/2025

في الخامس من سبتمبر صادق مجلس الوزراء اللبناني على خطة الجيش لنزع سلاح حزب الله، في خطوة غير مسبوقة وُصفت بأنها مغامرة محفوفة بالمخاطر.

ولم يمر القرار بهدوء، إذ انسحب خمسة وزراء شيعة يمثلون حزب الله وحركة أمل وحلفاء آخرين احتجاجا على ما اعتبروه إملاءً أميركيا.

ورغم أن تفاصيل الخطة بقيت سرية، فإن التسريبات تحدثت عن مسار متعدد المراحل يبدأ من الجنوب ويمتد تدريجيا إلى باقي الأراضي اللبنانية، مدعوما بتدابير لمنع تهريب الأسلحة عبر الحدود السورية، واستمرار محاولات تجريد الفصائل الفلسطينية والمجموعات المسلحة الأخرى من السلاح. لكن ضعف قدرات الجيش، إلى جانب الغارات الإسرائيلية المستمرة، يضع علامات استفهام كبيرة حول قابلية التنفيذ.

وتكتسب هذه الخطة أهمية استثنائية لأنها تأتي في لحظة فارقة من تاريخ لبنان. فبعد عقود من تعايش هش بين الدولة الرسمية و”الدولة الموازية” التي أقامها حزب الله، يواجه البلد اليوم اختبارا وجوديا يتعلق بقدرته على استعادة سيادته وتوحيد قراره الأمني والعسكري.

ويتساءل مراقبون: هل يمثل نزع سلاح حزب الله بداية مرحلة جديدة من بناء الدولة، أم أنه قد يقود إلى صدام طائفي يهدد بتمزيق ما تبقى من النسيج الوطني؟

ويرى محللون أن مستقبل لبنان مرهون بثلاثة عوامل مترابطة. الأول هو قدرة الجيش اللبناني على التحول إلى مؤسسة قوية وذات مصداقية، قادرة على فرض سلطتها على كامل الأراضي.

ومع أن الجيش يضم حوالي 85 ألف عنصر، فإن جزءاً منهم ينتمي إلى البيئة الشيعية، ما يجعل أي مواجهة مع حزب الله محفوفة بمخاطر الانقسام الداخلي أو العصيان. كما أن دمج عناصر الحزب في المؤسسة العسكرية، إذا ما طُرح كخيار، قد يعزز التماسك الوطني لكنه يظل محفوفاً بشبهات الولاء المزدوج.

العامل الثاني هو الموقف الإسرائيلي، إذ إن أي عملية نزع سلاح لن تنجح من دون التزام تل أبيب بوقف الغارات والانسحاب التدريجي من المواقع التي ما زالت تحتلها جنوباً.

ومن دون ذلك، سيبقى سلاح حزب الله مبررا بحجة الدفاع ومقاومة الاعتداءات.

أما العامل الثالث فهو البعد الاقتصادي والاجتماعي، إذ يدرك الخبراء أن قوة الحزب لم تُبنَ فقط على سلاحه، بل على دوره كمزود رئيسي بالخدمات والرعاية في الجنوب.

ولذلك يحتاج أي مسار جدي لنزع السلاح إلى بديل اقتصادي، مثل مشاريع تنموية مدعومة إقليمياً، تمنح المجتمعات الشيعية بديلاً عملياً عن الاعتماد على الحزب.

وتضع الخطة لبنان أمام رهان مزدوج: النجاح قد يعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة ويقرب البلاد من الاستقرار، بينما الفشل قد يفتح الباب لعودة شبح الحرب الأهلية.

وبالنسبة إلى الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، تمثل المبادرة فرصة تاريخية لاستعادة السيادة تحت غطاء قرارات الأمم المتحدة. لكن بالنسبة إلى حزب الله، هي تهديد مباشر لوجوده العسكري والسياسي، وهو ما يفسر لهجة التحدي التي عبّر عنها قادته ورفضهم القاطع لأي محاولة لنزع السلاح بالقوة.

نجاح الخطة

إذا كُتب لخطة نزع سلاح حزب الله النجاح، فإن لبنان سيدخل مرحلة جديدة قد تعيد صياغة توازنه الداخلي والإقليمي على حدّ السواء.

وستكون أول التداعيات على مستوى السيادة الوطنية، حيث تستعيد الدولة اللبنانية للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود كامل سلطتها الأمنية والعسكرية، بما ينهي حالة “الدولة داخل الدولة” التي جسّدها حزب الله.

وسيعزز هذا التحول صورة لبنان ككيان موحد، ويعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة وفي مقدمتها الجيش اللبناني، الذي سيخرج باعتباره المرجعية الوحيدة للأمن والدفاع.

كما أن نجاح الخطة سيؤدي إلى تعزيز ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم، بعدما ظلّت الولاءات الطائفية والحزبية بديلاً عن الدولة.

وبذلك يمكن أن ينكسر جزء من الحلقة المفرغة التي غذّت الانقسامات الطائفية.

وفي السياق نفسه سينعكس هذا النجاح على الوضع الأمني مع إسرائيل، إذ سيجعل من ذريعة “المقاومة” أقل إقناعاً، ويقلل من احتمالات الانزلاق نحو مواجهات عسكرية جديدة.

وإذا ترافق الأمر مع انسحاب إسرائيلي تدريجي من المواقع المحتلة في الجنوب ووقف الغارات الجوية، فإن الحدود الجنوبية قد تشهد استقراراً نسبياً غير مسبوق.

واقتصاديا سيخلق إضعاف البنية العسكرية لحزب الله وفتح الباب أمام مشاريع تنمية في الجنوب بدعم خليجي وغربي بيئة بديلة عن شبكات الرعاية التي أقامها الحزب طوال عقود.

وسيعيد نجاح هذه المقاربة التنموية الشرعية إلى الدولة كمصدر للخدمات والأمن الاجتماعي، ما قد يجذب استثمارات خارجية أكبر ويضع لبنان على مسار تعافٍ اقتصادي تدريجي.

وعلى المستوى الإقليمي يعني تراجع سلاح حزب الله تراجع النفوذ الإيراني في لبنان، الأمر الذي قد يعيد تموضع بيروت في محيطها العربي، خصوصاً مع دول الخليج التي طالما رأت في هيمنة الحزب تهديداً مباشراً لأمنها.

وقد يمنح هذا التموضع الجديد لبنان فرصة لاستعادة دوره التقليدي كجسر بين الشرق والغرب، بدلاً من كونه ساحة صراع مفتوحة.

وسياسيا سيعيد إدماج حزب الله في اللعبة السياسية البحتة من دون غطاء السلاح تشكيل التوازنات الداخلية. فالحزب الذي طالما جمع بين القوة العسكرية والنفوذ السياسي سيضطر إلى خوض المنافسة على أساس برامجه وتحالفاته داخل المؤسسات الدستورية، وهو ما قد يدفع تدريجياً نحو نظام سياسي أقل ارتهانا بمنطق السلاح وأكثر انفتاحاً على الإصلاح.

وأبعد من لبنان، قد يشكّل النجاح في نزع سلاح حزب الله سابقة إقليمية تلهم تجارب مشابهة في العراق واليمن، حيث تواجه الدول المركزية تحدي الجماعات المسلحة الموازية. فنجاح بيروت قد يُعطي زخماً لمبدأ “حصر السلاح بيد الدولة” كشرط أساسي للاستقرار السياسي في المنطقة.

الفشل

إذا انتهت خطة نزع سلاح حزب الله إلى الفشل، فإن لبنان سيكون أمام مرحلة أكثر تعقيداً من واقعه الحالي.

وستكون أول التداعيات على مستوى شرعية الدولة، حيث سيتأكد عجز مؤسساتها عن فرض سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية.

وسيعيد هذا العجز إنتاج صورة لبنان كدولة ضعيفة مرتهنة بالتوازنات الطائفية والمصالح الإقليمية، ما يفتح الباب واسعاً أمام تفاقم الانقسامات الداخلية.

وعلى الصعيد الأمني يعني استمرار حزب الله كقوة عسكرية موازية بقاء الجنوب والحدود مع إسرائيل في دائرة التوتر الدائم. ففشل الجيش في فرض سيطرته قد يشجع الحزب على تعزيز ترسانته مجدداً، وهو ما قد يدفع إسرائيل إلى مواصلة غاراتها أو حتى شن عمليات أوسع بذريعة الدفاع عن أمنها.

وبذلك يتحول لبنان إلى ساحة مفتوحة لحروب بالوكالة، حيث تستثمر كل من إيران وإسرائيل هذا الوضع لتحقيق مكاسب إستراتيجية.

وسياسيا سيُضعف فشل الخطة الحكومة والرئاسة والجيش على حد السواء، وسيُعزز خطاب حزب الله القائل إن أي محاولة لنزع سلاحه ليست سوى إملاء خارجي يستهدف “المقاومة”.

وقد يجد هذا الخطاب صدًى أوسع داخل الشارع الشيعي، ويُعيد تثبيت موقع الحزب كحامٍ للمجتمع المحلي في وجه ما يعتبره تهديدا إسرائيليا وأميركيا.

وأما اقتصادياً واجتماعيا فإن تعثر الخطة سيُبقي الجنوب اللبناني معتمداً على شبكات رعاية الحزب بدلاً من مؤسسات الدولة، وهو ما سيُكرّس حالة “الدولة الموازية”. كما أن الدول الخليجية والغربية، التي تربط مساعداتها بنجاح إصلاحات أمنية وسياسية، قد تُجمّد أو تُخفّض دعمها المالي، ما سيزيد من عزلة لبنان ويُفاقم أزمته الاقتصادية الخانقة.

وإقليميا سيعني الفشل أن النفوذ الإيراني في لبنان سيبقى قائماً وربما يزداد رسوخاً، في لحظة تشهد فيها طهران ضغوطاً كبيرة بعد تراجع حضورها في سوريا والعراق.

وسيقلق هذا الثبات دول الخليج، ويُبقي لبنان على هامش أي تسوية عربية – إسرائيلية أو إقليمية، باعتباره ساحة نفوذ إيرانية. كما أن الفشل قد يُعطي إشارات سلبية لدول أخرى في المنطقة، مثل العراق واليمن، حيث قد تستخلص الجماعات المسلحة أن الدولة المركزية عاجزة عن فرض سيادتها أو نزع سلاحها.

والأخطر من ذلك أن فشل الخطة قد يُعيد إلى الواجهة شبح الحرب الأهلية. فإذا فُرضت محاولة نزع السلاح بالقوة من دون غطاء سياسي واجتماعي واسع، قد يؤدي رد حزب الله إلى تفجير صراع طائفي، يعيد لبنان إلى مربّع 1975.

وحتى في حال لم يتحول الوضع إلى حرب شاملة، فإن مجرد الفشل سيُرسّخ حالة اللااستقرار الدائم، ويُبقي لبنان رهينة أي صدام إقليمي جديد بين إيران وإسرائيل.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية