ماذا تعرف عن روكس العزيزي؟

ماذا تعرف عن روكس العزيزي؟

مشاهدة

14/05/2020

يعد روكس بن زائد العزيزي واحداً من أهم من اعتنوا بالتاريخ العربي الحديث وتشكلاته، خاصة في الأردن، كما تعد حياته الأدبية والثقافية، مثالاً مهماً على رؤية المفكرين العرب للتراث ولسبل النهضة العربية في بدايات القرن العشرين.

اقرأ أيضاً: التاريخ إذ يتعالى على الزمكان فيغدو مقدساً!

العزيزي، الرجل المتعدد المواهب والاهتمامات؛ بالتراث، واللغة العربية، والوحدة العربية، تمكن خلال أعوام عمره التي فاقت المئة، من ترك تجربة تراثية وفكرية مميزة، ماتزال تعد مرجعاً مهماً للباحثين في هذه المجالات.

التراث طفولة المجتمع

ولد العزيزي العام 1903 في مدينة "مادبا" الأردنية، وتنتسب عائلته إلى عشيرة العزيزات، المأخوذة تسميتها قديماً من (العزى) آلهة العشق والاحترام عند العرب قبل الإسلام، ولم يكد الطفل الذي بلغ أعوامه السبعة آنذاك يدخل مدرسة "اللاتين" في مادبا، حتى توقف عن الدراسة بعد بضعةِ أعوام، بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى التي قامت في العام 1914.

روكس بن زائد العزيزي (1902م-2004م) وعلى يساره المؤرخ سليمان الأفنس

لكنّ والديّ العزيزي، أحضرا له معلمينِ ليعلماه اللغتين؛ الإنجليزية والفرنسية، ليعود الطفل بعد أعوامٍ قليلة، ويصبح مدرساً في المدرسة ذاتها، وينتقل فيما بعد، ويُدرس في مدارس "تراسنطة القدس"، متسلحاً بما قرأه وحفظه عن ظهر قلب في مكتبة والده؛ حيث قرأ القرآن الكريم، والكتاب المقدس، وكليلة ودمنة، وكتباً أخرى.

وثّق العزيزي تاريخ الأردن وقبائله وعاداتها وثقافاتها، ولم يهمل دور أي منها في تشكيل تاريخ الأردن الحديث

وفي القدس، تزوج العزيزي من "هيلانة العزيزات"، ثم انطلق بعد العام 1928 ليبدأ رحلته في تدوين تاريخ الأردن وتراثه الشعبي واللغوي، متنقلاً بين القرى والمناطق البدوية على ظهر حصان.

وانطلاقاً من مقولته المشهورة "إنّ التراث هو طفولة المجتمع وصوت الماضي، وهو عند التحقيق يصير صوت الحاضر المدوّي، وإن تسجيل التراث يقربنا من ذوبان الفروق الاجتماعية ويدعو إلى توحيد الشعب، ويضع بين أيدينا أموراً أهملها التاريخ والمعاجم"، بدأت حياة العزيزي الفكرية والأدبية تتضح معالمها، فبدأ كأول مراسل صحفي في تاريخ الأردن، وكانت البداية مع صحيفة "الأحوال" اللبنانية، مستمراً في الوقت ذاته بتصدير مؤلفاته الأولى في تحقيق التراث واللغة العربية، مثل "نخب الذخائر" و"علم النميات في اللغة".

اقرأ أيضاً: تعرف على تاريخ الطباعة والنشر في الأردن وفلسطين

مسيرته في التنوير والثقافة، أخذت بالتوسع في الأربعينيات؛ إذ كتب كتابه "فلسفة أوريليوس"، ثم ألف كتابه المعروف "المنهل في تاريخ الأدب العربي"، ليقوم بعد ذلك بطباعة كتابه عن القدس، وحمل اسم المدينة التي عاش جزءاً من شبابه فيها، وفيما بعد، سوف تمتد أعمال العزيزي إلى ما يزيد على سبعين عملاً، في التراث والتاريخ والفلسفة والقومية، وعني بشكل خاص بفترة صدر الإسلام، وفي هذا السياق أصدر "أسد الإسلام وقدّيسه" وهو کتاب عمیق في سیرة الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وأحواله، ترجم إلى عدة لغات.

الوطنية ثقافة

ما ميّز فكره التقدمي والتنويري، هو ربطه الوحدة والوطنية بالثقافة؛ إذ يعدُ "عميد الأدب الأردني" أنّ "التراث يغذي ثقافةً مشتركة عمادها اللغة العربية الشريفة" التي تجمع العرب في التفاهم والرؤية والفكر.

 

 

يعد "معلمة للتراث الأردني" أحد أبرز أعماله، وهو يقع في خمسة أجزاء، جمع فيه معلومات قيمة حول قبائل وعشائر الأردن ومن وفدوا عليها إبان تأسيسها، أيّاً كانت أصولهم أو دياناتهم، ويرسخ في كتابه عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم عبر عقود، مبيناً كذلك دورهم في بناء الأردن منذ تأسيسه.

عُرف كأول مراسل صحفي أردني واشتهر عربياً حين قام بنقد معجم المنجد المعروف

ولن يكون هذا مؤلفه الأخير في تراث الأردن، فله من المقالات والكتب، العديد مما يعد مرجعاً محلياً وعربياً في اللغة والتراث، لكن شهرته عربياً، تحققت عندما قام عاشق عالمها الرحب، بنقد قاموس "المنجد"، المعجم العربي المعروف ضمن معاجم اللغة، حيث نشر نقده هذا في مجلة "الإخاء" المصرية لينتشر اسمه بعد ذلك في مصر وفي العراق. وهو الذي عمل على جمع الأمثال والحكم والشعر العربي البدوي كذلك في مؤلفاته ولم يكتف بالأردن فقط.

اقرأ أيضاً: صورة التراث في المناهج.. ومواجهة التطرف

وعلى "الموقع الأردني للتراث غير المادي"، يتحدث الكاتب الأردني حكمت النوايسة عن مؤلفات العزيزي "واصفاً إياها بما تركته من قيمة كبيرة في حفظ الشعر والقصص والأمثال البدوية التي كان يمكن لها أن تنسى لولا جهد العزيزي"، إضافةً إلى جهده في توثيق التاريخ الشعبي، الذي يقول العزيزي عنه "إنه التاريخ غير القابل للتلون ولا للتزييف".

صورة لغلافين من مؤلفات العزيزي

رغم انشغالاته العلمية ظل منذ العام 1956 ممثل الرابطة الدولية لحقوق الإنسان في الأردن حتى وفاته؛ "حياة العزيزي، لم تكن ملكه"، وفق تعبير أستاذ الفيزياء النظرية والمهتم بالتراث العربي الإسلامي، وعضو مجمع اللغة العربية الأردني همام غصيب، الذي يرى أنّه يمثل "السهل الممتنع وأنّ وراء السهل الممتنع والعَفْويّة الآسرة، كانت حِرفيّةٌ عالية لمْ تُكتسبْ إلاّ بعْدَ كدّ وسهر. وسعي نحو إتقان عزّ نظيره. فقد جسّد العزيزي ثقافة الإتقان في أبهى صُورها".

اقرأ أيضاً: أعلام عرب يغادرون ساحة الفكر والثقافة في 2017

وعن شخصية العزيزي، يقول غصيب في حديثه لـ(حفريات) "كان يُجيد فنّ الإصغاء إلى درجة استثنائيّة. ولعلّ ذلك كان مَظهراً من مظاهر صبره الجميل. كانت إنسانيّتُه تشعّ على الدوام؛ فهاجسه الإنسان وكرامة الإنسان وحقوق الإنسان وواجبات الإنسان. وكان يذوب عطفاً وحناناً على الأطفال والنساء، وعلى سائر المهمّشين والمعذّبين، كما لا أنسى وفاءه لحمد الجاسر، علامة الجزيرة العربية".

وثّق العزيزي تاريخ الأردن وقبائله وعاداته وثقافاته

ويتحدث غصيب عن تجربته الشخصية مع العزيزي منذ عرفه وهو  طالب عندما كان يزور والده "وبدأت محطتنا التالية معاً في مجمع اللغة العربية الذي كان عضواً فيه، حيث كان رجلاً مبتسماً لا يكدره شيء، وقليل الكلام، ومغرماً باللغة العربية".

غصيب: كان العزيزي متقناً لعمله، قليل الكلام، فناناً في الإصغاء، ومهتماً بالمرأة والطفل والإنسان

ويستذكر غصيب ما قدمه العزيزي معلماً في مدارس الأردن وفلسطين، وكيف أبى أن يغادر هذه الدنيا دون أن يترك بصمة خالدة أخرى، من خلال التبرع بمكتبته بعد وفاته إلى مجمع اللغة العربية الأردني، الذي كان يحاول حتى بعد تدهور صحته ألا يغيب عن قاعاته.

توفي العزيزي في توفي  21 كانون الأول (ديسمبر) عام 2004، مخلّفاً وراءه أثراً كبيراً يضيء جنبات التراث من جهة، ويبقي اللغة العربية متألقة من جهة أخرى، وهو الذي قضى حياته بعينين على الماضي والحاضر، تحرسان فكرة النهضة العربية التي آمن أنّ لحظة تحققها قادمة لا محالة.

الصفحة الرئيسية