ماذا تعرف عن "الحركيين الجزائريين"؟ ولماذا اعتذر لهم ماكرون باسم فرنسا؟

ماذا تعرف عن "الحركيين الجزائريين"؟ ولماذا اعتذر لهم ماكرون باسم فرنسا؟

مشاهدة

21/09/2021

خلال حفل تكريمي في قصر الإليزيه، أمس الإثنين، فجّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إعلاناً غير مسبوق عن مشروع قانون تعويض للحركيين الجزائريين تُعلن تفاصيله قبل نهاية العام، يهدف إلى الاعتراف بهم وتعويضهم، طالباً منهم الصفح باسم فرنسا.

ورغم أنّ الحركيين الجزائريين حاربوا إلى جانب الاستعمار الفرنسي خلال حرب التحرير الجزائرية التي امتدّت من عام 1954 وحتى عام 1962، إلّا أنّ الموقف الفرنسي حيالهم كان خجولاً منذ 60 عاماً، حيث تباين بين دعمهم وبين تجنّب الحديث عنهم بشكل رسمي، وذلك تجنباً للتأثير على العلاقات مع الجزائر.

 

تأتي خطوة الرئيس الفرنسي قبل 5 أيام من اليوم الوطني لتكريم الحركيين، الذي يتم الاحتفال به منذ عام 2003 في 25 أيلول

 

إلّا أنّ الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، كسر الجمود في علاقة الدولة مع الحركيين، عام 2016، من خلال الإقرار بمسؤولية الدولة الفرنسية بالتخلي عنهم، لكنّ خطوة ماكرون بطلب الصفح منهم باسم فرنسا واعتباره أّن البلاد أخلت بواجباتها تجاههم، تُعدّ غير مسبوقة في تاريخ فرنسا. 

 الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند

وكان قصر الإليزيه قد أعلن في وقت سابق أنّ الرئيس ماكرون يرى أنّ "العمل المنجز منذ 60 عاماً مهم، لكن ينبغي القيام بخطوة إضافية في الاعتراف بالإهمال الحاصل في حق الحركيين، فضلاً عن إخلال الجمهورية الفرنسية بقيمها الخاصة".

وقال ماكرون خلال الحفل الذي حضره حركيون سابقون برفقة أسرهم، إنّ "الحركيين ضحوا بدمائهم وخدموا فرنسا مجازفين بحياتهم وعائلاتهم من أجلها، لكنّها لم تقم بواجبها تجاههم بعد الحرب، بل كانت سبباً في مأساتهم"، مؤكداً أنّ "شرف الحركيين يجب أن يُحفر في الذاكرة الوطنية" على حدّ تعبيره.

 

ماكرون: الحركيون ضحوا بدمائهم وخدموا فرنسا مجازفين بحياتهم وعائلاتهم من أجلها، لكنّها لم تقم بواجبها تجاههم بعد الحرب

 

وقلّد الرئيس الفرنسي، خلال الحفل، وساماً لصلاح عبد الكريم، وهو ممثل للحركيين جُرح في القتال إلى جانب الجيش الفرنسي، كما قلّد وساماً آخر للجنرال الفرنسي فرانسوا ميير الذي نظم عمليات إجلاء مئات الحركيين عاصياً أوامر الدولة، بالإضافة إلى بورنيا تارال، وهي ابنة أحد الحركيين وناشطة من أجل مساواة الفرص والتنوع، وفق ما أوردت وكالة "فرانس 24".

ودعا ماكرون إلى "تضميد الجروح التي يجب أن تندمل من خلال كلام يشدد على الحقيقة وبادرات تُعزّز الذاكرة وتدابير تُرسّخ العدالة". 

تعتقد زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا مارين لوبان أنّ اعتذار الرئيس ماكرون للحركيين ليس سوى دعاية انتخابية

 

وأكّد ماكرون أنّ "باريس تعترف بالذاكرات كلها" على حدّ تعبيره، قائلاً:"علينا التحلى بالشجاعة، وعلى كل طرف أن يعترف بالحقيقة.. إنّ هذه المأساة صفحة من تاريخنا، وهو تاريخ مؤلم وكبير، وتاريخ شرف بالنسبة للحركيين ومسألة وفاء بالنسبة لفرنسا والفرنسيين". 

واعتبر ماكرون تصريحاته "موعداً مع الحقيقة"، وقال مُخاطباً الحركيين وعائلاتهم": تاريخكم هو تاريخنا.. لكم امتناننا، لن ننسى. أطلب الصفح، لن ننسى".

من هم الحركيون؟

الحركيون هم مقاتلون سابقون يصل عددهم إلى 200 ألف مقاتل، حاربوا إلى جانب الاستعمار خلال حرب تحرير الجزائر، حيث تمّ تجنيدهم في صفوف الجيش الفرنسي للقيام بعمليات خاصة، قبل أن تتخلى فرنسا عنهم عند مغادرتها البلاد.

ماكرون يكرّم الحركيين الجزائريين

ورفضت الحكومة عند استقلال الجزائر وانتهاء الحرب عام 1962، إجلاء الحركيين جميعاً، واكتفت بنقل 42 ألفاً منهم فقط إلى فرنسا، لكنّها سمحت لبعضهم بجلب زوجاتهم وأطفالهم، حيث تمّ نقلهم إلى مخيمات "مؤقتة" قاسية لا تضمن أدنى معايير العيش الكريم.

ولم تكتفِ فرنسا بذلك، بل إنّها أودعت بعض العائلات في السجون فور وصولهم الأراضي الفرنسية، وهو ما أقرّ به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال الحفل التكريمي أمس، مؤكداً أنّ الحركيين عانوا المرض والتهميش والعنصرية، في ظل إغلاق المدارس أمام أطفالهم بين عامي 1962 و1970. 

 

الحركيون هم مقاتلون حاربوا إلى جانب الاستعمار خلال حرب تحرير الجزائر، حيث تمّ تجنيدهم في صفوف الجيش الفرنسي للقيام بعمليات خاصة

 

ونجح 40 ألف من بقية الحركيين في الوصول إلى فرنسا بطرق أخرى؛ إذ تُشير التقديرات بأنّ حوالي 80 إلى 90 حراكي وصلوا فرنسا بين عامي 1962 و1965.

أمّا بقية الحركيون فقد جُرّدوا من أسلحتهم وواجهوا مصيراً قاسياً في الجزائر، بسبب اعتبارهم عملاء للاستعمار، وقد تعرّضوا لأعمال انتقامية دموية.

الحركيون في فرنسا

علاوة على ظروفهم الصعبة، واجه الحركيون صعوبة كبيرة في الاندماج بالمجتمع الفرنسي غير الودود مع المهاجرين، وفشلوا بالاندماح مع المهاجرين أيضاً، خاصة الآتين من الجزائر، وذلك بسبب تاريخهم بالتعاون مع الاستعمار.

وأصبح الحركيون يُشكّلون مجموعة تضم مئات الآلاف في فرنسا اليوم، حيث يتواجدون بشكل كبير في الجنوب الفرنسي، وتعتبرهم الأحزاب السياسية هدفاً للاستقطاب في الانتخابات.

 

سمحت الحكومة الفرنسية بنقل 42 ألفاً من أصل 200 ألف مقاتل من الحركيين إلى فرنسا، وتركت البقية ليُجردوا من أسلحتهم ويواجهوا مصيراً قاسياً في الجزائر

 

وتطالب جمعيات الحركيين منذ أعوام بـ "قانون يعترف بالتخلي عن الحركيين وإيداعهم في مخيمات في ظروف بائسة"، بالإضافة إلى زيادة التعويضات المعتمدة لهم.

وكانت سكرتيرة الدولة للجيوش الفرنسية جنفييف داريسيك قد عرضت عام 2018 "خطة الحركيين" التي تبلغ قيمتها 40 مليون يورو، وتُنفّذ على مدار 4 أعوام لتحسين المعاش التقاعدي للمقاتلين السابقين ومساعدة أولادهم الذين يعيشون في أوضاع صعبة، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.

وأعد مؤرخون فرنسيون بالتنسيق مع جمعيات وممثلين عن الحركيين تقريراً من 188 صفحة عن وضع الحركيين وعائلاتهم منذ وصولهم فرنسا عام 1962.

قال ماكرون إنّه سيتوجه إلى الحركيين عند تسلمه تقرير بنجامان ستورا الذي تناول الحرب في الجزائر في كانون الثاني (يناير)

ويتضمن التقرير، الذي عنوانه "فرنسا تكن الاحترام والتقدير للحركي"، 56 إجراءً لمساعدة الحركيين، أبرزهم: إنشاء صندوق للتضامن ولمساعدة الحركيين بقيمة 40 مليون يورو، يهدف إلى تقديم الدعم المالي لهم وتمويل بعض المشاريع الاقتصادية.

وقال ماكرون إنّه سيتوجه إلى الحركيين عند تسلمه تقرير بنجامان ستورا الذي تناول الحرب في الجزائر في كانون الثاني (يناير).

 

أصبح الحركيون يُشكّلون مجموعة تضم مئات الآلاف في فرنسا اليوم، حيث يتواجدون بشكل كبير في الجنوب الفرنسي

 

وتعتقد زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا مارين لوبان أنّ اعتذار الرئيس ماكرون للحركيين ليس سوى دعاية انتخابية، قائلة في تغريدة عبر موقع تويتر: "سخاء إيمانويل ماكرون الانتخابي لن يصلح عقوداً من الازدراء".

ويعتقد محللون أنّ الحركيين يمثلون هدفاً انتخابياً لليمين واليمين المتطرف في فرنسا.

يُذكر أنّ خطوة الرئيس الفرنسي هذه تأتي قبل 5 أيام من اليوم الوطني لتكريم الحركيين، الذي يتم الاحتفال به منذ عام 2003 في 25 أيلول (سبتمبر). 



الصفحة الرئيسية