ماذا بقي من هجمات 11 سبتمبر؟

ماذا بقي من هجمات 11 سبتمبر؟

ماذا بقي من هجمات 11 سبتمبر؟


15/09/2026

حسن أبوطالب

ربع قرن فترة زمنية ليست بالهينة؛ حين تمر على حدث ما -كبيراً كان أو محدوداً- يُفترض أن تصبح الإجابات أكثر مصداقية والأسئلة الكبرى تتلاشى. وحين يحدث العكس فثمة خلل ما؛ إما في زاوية الرؤية، وإما في طريقة إدارة تداعيات الحدث ذاته.

حدثٌ مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) في الولايات المتحدة، وما نتج عنه من تحولات كبرى في السياسة الأميركية خاصة والعالمية إجمالاً، يمر عليه 25 عاماً، ويثير كثيراً من الأسئلة ذاتها التي تفجرت بفعل الحدث وخصوصيته، كفكرة وتنفيذ ونتائج، فيصبح الأمر مثيراً لمزيد من الغموض، كما تصبح السرديات المعلنة رسمياً محل شك، ولو كان جزئياً.

في التقرير الذي أصدره الكونغرس الأميركي بخصوص هجمات الحادي عشر من سبتمبر، عبر تشكيل لجنة قومية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وشارك فيه 90 باحثاً وخبيراً في مجالات الطيران المدني والرصد الزلزالي، والاستخبارات، والدراسات الإسلامية، وشؤون الدفاع عن أميركا الشمالية، والتنظيم الحكومي، يجد القارئ سردية أميركية متكاملة لتفسير الحدث، ترتكز على 3 عناصر رئيسية؛ أولها أن تنظيم «القاعدة» بزعامة أسامة بن لادن، هو المسؤول عن التخطيط والتنفيذ، وثانيها أن الثغرات الهيكلية في تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، سمحت للمنفذين بأن يحققوا ما عزموا على تحقيقه دون أدنى اعتراض، وذلك رغم تلقي أحد أفرع الاستخبارات المركزية تحذيراً من قبل دول صديقة بأن حدثاً كبيراً قيد التنفيذ سيوجَّه إلى مصالح أميركية كبرى، وثالثها أن تلك الهجمات تُظهر أن التشدد الديني في العالم الإسلامي، يمثل تهديداً للقيم الأميركية والغربية، ولا يجب التسامح معه.

المرتكزات الثلاثة للسردية الأميركية أسست لحركة مجتمعية في الداخل الأميركي وكثير من الدول الأوروبية الحليفة، ترى بعض المسلمين بؤرة للخطر، وتتطلب سياسة حازمة لمنع انتشار هذا الخطر كما سعى إليه بن لادن وكافة المنظمات الحليفة له ولـ«القاعدة» معاً. ومن ثم زادت الظواهر المناهضة للمسلمين الأميركيين، وارتفعت حالات الكراهية المقرونة بالعنف ضد مؤسسات إسلامية في الداخل، وفي الآن ذاته أسست لسياسة أميركية تدخُّلية في شؤون كثير من الدول، بدعوى أنها غير قادرة على احتواء ما لديها من منظمات متطرفة.

تلك السردية الأميركية عبرت عن نفسها في سياسات محددة؛ أبرزها -داخلياً- إعادة تنظيم مجتمع الاستخبارات الأميركي، وإعادة تنظيم الحكومة الأميركية نفسها، وابتداع وزارات ووكالات خاصة لحماية الأمن الداخلي. وخارجياً تم فرض أولوية «التطرف الإسلامي» على السياسة الدولية، وكان من شأنها وضع ترتيب عالمي برعاية الأمم المتحدة، لمتابعة سياسات الدول في مواجهة التنظيمات التي تنتمي للإسلام السياسي، واستخدام القوات المسلحة في فرض الإرادة الأميركية على دول تعتبرها واشنطن مصدراً للإرهاب العالمي، في مقدمتها العراق آنذاك، وأفغانستان؛ الملاذ المعروف للقاعدة وتنظيم «طالبان»، ما أسس للتدخل العسكري في البلدين لسنوات طويلة، مع اختلاف النتائج في كل منهما. ورافقت ذلك سياسات أميركية مقصودة تحت شعار «لا مكان للإسلام السياسي في العالم الغربي».

الخوف من الإسلام أو «الإسلاموفوبيا» سبق هجمات 11 سبتمبر؛ إذ يعود المصطلح لدراسة بريطانية قام بها أحد فروع الأمن البريطاني في منتصف التسعينات من القرن الماضي، بهدف اتخاذ مواقف وسياسات استباقية، للحد من العوامل التي قد تحفِّز الكراهية بين مكونات المجتمع البريطاني، ولكن التعبير صار لاحقاً كأساس لظواهر العنف الموجه نحو الجاليات الإسلامية بشكل عام.

ومع تحول الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر إلى قيادة المواجهة مع الإسلام السياسي، والمنظمات المعادية بشكل خاص، اتسع نطاق «الإسلاموفوبيا».

وبعد ربع قرن، يمكن القول إن تغير الأجيال والتحولات التكنولوجية في مجالات الاتصالات، وتحولات السياسات الغربية ذاتها تجاه المهاجرين عامة، والجاليات الإسلامية خاصة، فضلاً عن المواقف الضاغطة على المفاهيم الأخلاقية للسياسات الغربية، بفعل التخاذل في مواجهة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وكذلك عودة «طالبان» لحكم أفغانستان بعد الخروج الأميركي الكبير منها، بعد عقدين من التدخل العسكري والضحايا الكُثر من كل الأطراف؛ يمكن القول إن ثمة ردة فعل عكسية لتلك الظاهرة، جسدت نفسها في انتصارات حزبية لمرشحين ينتمون للجاليات الإسلامية، وحصول البعض على مناصب مهمة في حكومات أوروبية، وفي الولايات المتحدة ذاتها.

وفي المحصلة، فإن السردية التي رافقت سنوات الحرب على الإرهاب لم تعد هي الحاكمة بكل تفاصيلها، فكثير منها قد تآكل تدريجياً، لاعتمادها على مفهوم القوة دون ربط الحدث بالسياسات الأميركية ذاتها، وما تحمله من محفزات لتطرف البعض ضد النهج الأميركي.

غياب التحركات الفكرية المتوازنة في خضم الحرب على الإرهاب؛ لا سيما تجاه منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، والاستناد إلى مقولات جزئية دون التعمق في أصول الفكر الإسلامي وتنوع مصادره وتطبيقاته، واقتصارها على تحميل الآخر الثمن كاملاً، والتركيز على الحصول على كل العوائد السياسية والأمنية والاستراتيجية، دون أدنى اعتبار لحقوق الآخرين، أدى إلى إضعاف العائد الكلي للسياسات الأميركية.

الأمر لم يعد محصوراً في كيفية مواجهة أعباء وتحديات ما بعد هجمات 11 سبتمبر؛ بل نجد استمراراً لها، وكأن التعلُّم من خبرات التاريخ بات مستبعداً من هذه السياسات.

الشرق الأوسط




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية