مؤرخ تركي يعترف بجريمة إبادة العثمانيين للأرمن

مؤرخ تركي يعترف بجريمة إبادة العثمانيين للأرمن

مشاهدة

01/08/2019

مياه كثيرة جرت في النهر .. وما زال الأتراك ومن خلفهم حكوماتهم، يصرون على إنكار الإبادة الجماعية للأرمن، التي ارتكبها أجدادهم العثمانيون بين عامي 1914 - 1923، قبل ما تفضح بعض الوثائق التي تسربت - سهواً - من بين أيدي المسؤولين الأتراك، عن تورط سلاطين آل عثمان في جميع الجرائم التي اُرتكبت ضد الأرمن.

مئات الأدلة وإجماع العالم على وقوع إبادة الأرمن، لم تدفع الأتراك إلى إعمال عقلهم والاعتراف بالجرائم التي تورط فيها أجدادهم، وراح ضحيتها نحو مليون ونصف المليون أرمني، إذ وقعت الإبادة الجماعية، بطريقة وحشية، واعتُقل وقُتل مئات الآلاف من الأرمن الذين يعيشون في تركيا القديمة - قبل تأسيس الجمهورية على يد مصطفى كمال أتاتورك 1923 - بطريقة منهجية، فيما اضطر آلاف آخرون إلى الفرار من منازلهم.

وكالة "يونايتد برس إنترناشونال" الأمريكية، كشفت أن الخبراء لم يتوقفوا عن البحث عن أدلة جديدة تؤكد ارتكاب الأتراك لجرائم الإبادة الجماعية ضد الأرمن، التي تنكرها الحكومات التركية، منذ القدم، في حين يتبجح الرئيس التركي رجب إردوغان في الدفاع عن وحشية أجداده، ويرد على ارتكاب هذه المجازر بالقول :"إذا كنا قمنا بها، فالألمان والإيطاليون قاموا بأفعال مماثلة".

إبادة بقرار عثمانلي
الوثائق المكتشفة حديثًا، تفيد بأن الإبادة الجماعية للأرمن وافق عليها وشارك فيها سلاطين الإمبراطورية العثمانية في إسطنبول، وهذه الإبادة حقيقة مُسلَّم بها في الأوساط الأكاديمية العالمية، ومع ذلك، تستمر الحكومة التركية في إنكار مسؤولية أسلافها عن ارتكابها.

إردوغان، قال في عام 2015 :"الشتات الأرمني يحاول غرس الكراهية ضد تركيا من خلال حملة عالمية بشأن مزاعم الإبادة الجماعية قبل الذكرى المئوية لأحداث 1915، إذا نظرنا إلى ما عايشته بلدنا في آخر 100 إلى 150 سنة، سنجد معاناة أكبر كثيرًا مما مر به الأرمن".

موقف إردوغان، يؤيده الأغلبية العظمى من الأتراك، إذ نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في 2015، أن استطلاعا للرأي أجراه مركز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية، ومقره في إسطنبول، أظهر أن أقل من واحد من كل 10 أتراك، يرون أن الحكومة عليها الاعتراف بالأعمال الوحشية في حق الأرمن وتقديم اعتذار.

الحكومة التركية، تدخل في مشاحنات وأزمات دبلوماسية عدة خصوصًا مع الدول الأوروبية نتيجة إدانة هذه الدول لجرائم إبادة الأرمن، فيما يجري إحياء الذكرى السنوية لجريمة الإبادة في 24 يوليو من كل عام، في عدد من العواصم مثل باريس، التي تناصبها حكومة إردوغان العداء نتيجة هذا الموقف.

وثيقة إدانة
تانر أكتشام، الخبير في الإبادة الجماعية للأرمن وأستاذ التاريخ بجامعة كلارك الأمريكية في ماساتشوستس، قال في تصريحات لوكالة أنباء "يونايتد برس" :"إن مسؤولي حكومة أنقرة يواصلون استخدام الحجة السابقة التي دأب عليها الأتراك، وهي أن الدولة العثمانية لم يكن لديها نية ارتكاب الإبادة، إنهم يتقبلون فكرة حدوث خسائر وبعض المجازر، لكنهم يزعمون أن الحكومة لم تكن قادرة على السيطرة على المناطق النائية، وأن بعض القبائل أو العصابات الكردية أو بعض الجماعات الأخرى، هم من ارتكبوا جرائم الإبادة".

الدليل الذي توصل إليه أكتشام، يُعد ردًا قاطعًا على الحكومات التركية الرافضة للاعتراف بالمجازر، إذ تبين أن سكان المحافظات والمناطق النائية لم يقوموا بأعمال الإبادة بحق الأرمن إلا بعد التواصل مع سلطة إسطنبول، بالتالي فإن جرائم الإبادة كان مخططًا لها، ولم تكن عفوية أو تصرفات بمعزل عن السلطة الحاكمة، ويصف الخبير في دروب التاريخ، الدليل الذي عثر عليه بأنه "ضربة قوية" ضد حجج الإنكار.

الاكتشاف الذي توصل إليه أكتشام، يشير إلى أن الإبادة الجماعية للأرمن نُفِّذت فعلياً على أطراف الدولة العثمانية، لكن ليس على أيدي عملاء مارقين وقطاع طرق، إنما بواسطة حكام المحافظات، وكان هؤلاء المحافظون على اتصال مع القادة في إسطنبول وتلقوا مساعدتهم.

الدليل، عبارة عن سلسلة من البرقيات التي كتبها وفك شفرتها ووقعها المسؤولون الأتراك، ضمن قائمة من الوثائق الجديدة الصادرة عن الأرشيف العثماني، وهي مجموعة من الوثائق التاريخية في إسطنبول، نظمتها الحكومة وأُتيحت للباحثين.

مهندس الإبادة
الرسائل المكتشفة حديثًا، تضمنت أول استخدام لا لبس فيه لمصطلح "الإبادة" و"الإفناء" من قبل المسؤولين العثمانيين، سواء بين المحافظات أو في إسطنبول، وأكد تحليل للتوقيعات أن العديد من البرقيات المنسوخة قام بكتابتها بهاء الدين شاكر، رئيس منظمة خاصة "شبه عسكرية" في الحقبة العثمانية، وأحد مهندسي الإبادة الجماعية للأرمن.

وعلى الرغم من أن خطة إبادة جميع الأرمن الذين يعيشون في تركيا بدأت كفكرة في المحافظات، إلا أن الأدلة الجديدة تشير إلى أن السلطة المركزية في إسطنبول اقتنعت في النهاية بدعم نهج الإبادة.

بالإضافة إلى الوثائق التي حصل عليها من الأرشيف العثماني في إسطنبول، عثر المؤرخ أكتشام أيضًا على رسائل مماثلة - برقيات منسوخة - جرى استخدامها كدليل في المحاكم التي نظمتها الحكومة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وقال :"أجريت 63 محاكمة مختلفة وضمت أكثر من 200 مدعٍ عليه، مستندات الإجراءات القضائية هذه مفقودة، والمسؤولون الحكوميون لم يسمحوا بإتاحتها للباحثين".

لم يعرف الباحثون بأمر هذه المحاكم إلا من التقارير التي نشرتها الصحف اليومية في إسطنبول، كما نشرت الحكومة العثمانية عددًا قليلًا من الأحكام، لكن بعض وثائق المحاكمات انتهى بها المطاف في الأرشيف الخاص بكاهن كاثوليكي في أرمينيا.

من بين وثائق المحكمة، عثر أكتشام على برقيات منسوخة استخدمت نظام ترميز موحد، عبارة عن سلسلة من الحروف والأرقام العربية، في الرسائل المكتشفة من الأرشيف العثماني، وقال :"اتجهت إلى الأرشيف العثماني، واكتشفت أن نظام الترميز المكون من أربعة أرقام هو نفسه في مجموعتين من البرقيات، إن موثوقية هذه الوثائق لا جدال فيها، وكان هذا هو الاكتشاف الرئيس بالنسبة لي".

أوامر قتل
البرقيات، قدّمت دليلًا إضافيًا على التواصل بين من نفذوا الإبادة الجماعية في المحافظات والمسؤولين العسكريين والسياسيين في إسطنبول، وضمت هذه البرقيات "أوامر قتل"، وفيما يتعلق بسبب إصدار هذه الوثائق الكاشفة للعلن من قِبل الحكومة التركية العازمة على إنكار مسؤولية أسلافها عن مذابح الأرمن، يعتقد أكتشام، أن الوثائق مرت من بين أيدي المسؤولين لأنهم لم يقرؤوها باستفاضة.

ما يدعم وجهة نظر أكتشام، أنه تم تلخيص الوثائق الموجودة في الأرشيف العثماني من قبل المسؤولين قبل إصدارها، ولم تذكر ملخصات البرقيات المكتشفة حديثًا أي شيء يتعلق بالتفاصيل المتعلقة بالإبادة الجماعية للأرمن، الواردة في متن الوثائق.

أرمن وأكراد
أكتشام، أشار إلى أن اكتشافاته، التي تم تلخيصها في مجلة "أبحاث الإبادة الجماعية"، ستعزز حقيقة الإبادة الجماعية للأرمن، التي يأمل المؤرخ أن تقبلها الحكومة التركية قريبًا، مشيرًا إلى أن هذه الجريمة لها انعكاسات على الوضع السياسي في تركيا الحديثة، فالأتراك والحكومة لديهم مشاكل مع الأكراد شبيهة بالمشاكل التي كانت لدى العثمانيين مع الأرمن في الماضي، :"الأرمن كانوا يطالبون بالمساواة القانونية والاجتماعية، والأكراد يتمنون تحقيق مطالب مماثلة".

الحكومات التركية تصنف الأكراد، والبالغ عدد نحو 12 مليون شخص من عدد سكان تركيا، على أنهم يشكلون "تهديد أمني"، وحاولت الحكومة التركية قمع مطالبهم الديمقراطية بطرق متعددة، أبرزها شن الجيش حربًا عليهم في مناطق جنوب شرق البلاد.

المؤرخ التركي أكتشام، يرى ضرورة أن تتصالح حكومة إردوغان مع سجل الإبادة الجماعية للأرمن، فتعترف بالجريمة وتعتذر عنها، "فهذا الأمر ضروري لتحسين العلاقات بين تركيا وجيرانها، وعلى المستوى الإقليمي، إذا واصلت تركيا التمسك بسياسة الإنكار هذه، فهذا يعني أن لديها إمكانية تكرار سياسة الإبادة ضد جيرانها، وهذا هو السبب في أن العديد من جيران تركيا يعتبرون حكومة أنقرة تهديدًا أمنيًا، وبدون تسوية التاريخ، لن يتحقق السلام في المنطقة".

عن "عثمانلي"

الصفحة الرئيسية