مؤرخة بريطانية: لا غنى عن الدين بالنسبة للإنسان وإلا سيرتكب فظائع

مؤرخة بريطانية: لا غنى عن الدين بالنسبة للإنسان وإلا سيرتكب فظائع

مشاهدة

30/12/2018

ترجمة: علي نوار


توجّهت المؤرّخة البريطانية، كارين أرمسترونغ، وهي من مواليد منطقة ويلدمور في بريطانيا، عام 1944، والفائزة بجائزة "أميرة أستورياس للعلوم الاجتماعية" لعام 2017، مؤخراً، إلى مؤسسة "البيت العربي" في العاصمة الإسبانية مدريد، كي تشارك في فعاليات مؤتمر بعنوان "تحدّيات الإسلام في العالم المعاصر".

إنّنا في حاجة إلى هذا الشعور بالارتياح والسلوى؛ لأنّنا حينما نصل لأدنى مستويات الإحباط نقدم على أمور رهيبة

وقد أجرت معها صحيفة "آ بي ثي" الإسبانية حواراً تطرّقت خلاله إلى الأديان التوحيدية الثلاثة؛ المسيحية واليهودية والإسلام، وحاجة الإنسان إلى الدين ليشعر بالسكينة.

أرمسترونغ؛ هي صاحبة مبادرة "ميثاق التضامن" التي تستهدف جعل التضامن والتعاطف مفتاحاً للحوار بين الأديان؛ حيث إنّها كانت راهبة قبل أن تعتزل حياة الرهبنة وتلتحق بجامعة أوكسفورد، حيث درست الأدب، لتستعيد إيمانها، في مدينة القدس، وبيعت ملايين النسخ من كتبها في جميع أنحاء العالم، رغم أنّها أثارت ذلك المزيج بين الاستحسان والنقد اللذَين يحيطان بأيّ عمل ذي ثقل.

اقرأ أيضاً: الحرب الهجينة والجريمة المنظمة: حزب الله وداعش نموذجين

تبدأ هذه المقابلة من أحد كتبها المعنون بـ "جذور التشدّد في اليهودية والمسيحية والإسلام"؛ الصادر عن دار نشر "تاسكيتس"، عام 2004:

تقولين في كتابك: إنّ تصاعد التشدد ينتج بالأساس عن إضفاء العلمانية قسراً على مجتمعاتنا، كيف ذلك؟

يعتمد الأمر على الطريقة التي يجرى فيها إدخال العلمانية؛ ففي الدول ذات الأغلبية الإسلامية لم تحدث هذه العملية بشكل طبيعي أو تلقائي، بل كانت شيئاً مستورداً من الخارج، ومفروضاً، وبصورة عنيفة جداً في بعض الأحيان، وعلى سبيل المثال؛ أجبر نظام الشاه في إيران الجنود على الخروج إلى الشوارع بخناجر البنادق، وأصدر رضا بهلوي تعليماته لقوات الشرطة بقتل وإطلاق النار على الكثير من المتظاهرين، ولم تكن العلمانية شيئاً محبباً في هذا السياق، وكانت هناك ردّة فعل بالتأكيد. لقد نشأ التشدد في أيّة بقعة من العالم على خلفية الشعور بشنّ الليبراليين أو الأشخاص العلمانيين هجوماً ما.

غلاف كتاب "الله والإنسان: على امتداد 4 آلاف سنة من إبراهيم الخليل حتى عصرنا الحاضر"

قال الكاتب المصري، علاء الأسواني، أثناء مقابلة: "يمكن للإسلام والديمقراطية أن يتعايشا، فقط في حالة ظلّ الإسلام داخل نطاق المسجد"، ما رأيك؟

لا يمكن للإسلام أن يبقى داخل المسجد، وفي الحقيقة لا يمكن لأيّ دين أن يظلّ داخل دار العبادة؛ لأنّ هذا يقضي عليه؛ وتنصّ الكتب المقدسة وجميع الأعراف الدينية، سواء أكانت الصينية أو الهندية أو المسيحية أو الإسلامية أو اليهودية، على أنّه يجب الخروج ومساعدة الآخرين وفعل الخير، حتى بوذا الذي كان يمارس التأمل واليوغا، كان يصرّ على ضرورة عمل الرهبان بالقرب من الناس.

اقرأ أيضاً: الحركات الجهادية في إفريقيا... تحالف وتقاتل وعنف

فإذا اقتصر حضور الدين على النطاق الخاص، فإنّه يصبح مركزياً ومغلّفاً بالأنانية واللامبالاة، إلا أنّ الدين ظهر لمواجهة صور الظلم التي ترتكبها الدولة، ولا تستطيع أيّة دولة تحقيق القيم المثالية التي تنشدها، وهناك دوماً تلك الفجوة بين الأغنياء والفقراء، حتى الولايات المتحدة نفسها، التي تعدّ أثرى دولة في العالم، تشهد غياباً للمساواة في جوانب عديدة، وقد ظهرت الأديان كمحاولة لتحسين الأمور وتذكير الدولة بأنّه يتعيّن عليها مساعدة الفقراء والاهتمام بهم.

تذكرين، تحديداً، الفترة المحورية بين القرنين الثامن والثاني قبل الميلاد، باعتبار أنّها تمخّضت عن نشوء بعض الأديان الكبرى، وتربطين ظهورها ببدء تأسس المجتمعات الزراعية التي نتج عن تطورها ظهور أوجه انعدام المساواة، هل تفسرين هذا؟

كانت المجتمعات، قاطبة، زراعية، حتى ما قبل القرن التاسع عشر، وكان هذا النظام لا يضمن المساواة إلى حدّ بعيد، وينقسم بين أقلية مسيطرة، نوع من طبقة أرستقراطية لا تتجاوز الـ 5% من المجتمع، والخدم، ويؤكّد المؤرخون أنّه لولا هذا النظام البشع لما نجح البشر في التطور أبعد من المستوى البدائي؛ لأنّ الطبقة الراقية كانت هي المسؤولة عن حدوث طفرة في الفنون والعلوم، والتي كانت أساس التطور.

لا يمكن للإسلام أن يبقى داخل المسجد، وفي الحقيقة لا يمكن لأيّ دين أن يظلّ داخل دار العبادة، لأنّ هذا يقضي عليه

وبرز المجتمع الصناعي في القرن التاسع عشر، في بريطانيا أولاً، ثم في باقي أنحاء أوروبا، ولم يكن هذا النظام أكثر عدالة، وما تزال هناك هوة واسعة بين الأغنياء والفقراء، أما في الوقت الحالي، وعلى المستوى العالمي؛ فقد ظهرت أرستقراطية من نوع جديد: الغرب أمام باقي العالم.

نرى ذلك متمثلًا في أعداد المهاجرين الذين يفدون على متن قوارب؛ لأنّهم لا يستطيعون توفير سبل العيش في بلادهم، والذين يغامرون بحياتهم من أجل دخول أوروبا، في السابق؛ حينما كانت الزراعة هي السبب الرئيس وراء الفجوة بين الفلاحين والأرستقراطيين، لم يكن المزارعون مطّلعين على أسلوب حياة الأغنياء، لكن الآن، ومع وجود وسائل الإعلام والدعاية وشبكة الإنترنت والأفلام، يبدو الثراء واضحاً، ويتم استعراضه أمام باقي العالم بكثافة، ويشعر الفقراء بقدر هائل من الحزن، خاصةً إذا كنّا نتحدث عن المساواة ومقدار العدل الذي نتمتع به.

غلاف كتاب "محمد: نبي لزماننا"

دار الجدل بالنسبة إلى المسيحية في العصور الوسطى حول السلطة الزمنية والسلطة الروحية، وعمّا إذا كانت قرارات الملك وقرارات البابا يجب أنْ يفصل بينها أم لا؛ هل حدث شيء مماثل بالنسبة إلى الإسلام حيث كان الخليفة يتقلد السلطتين السياسية والدينية؟

لا، أنا مع الدول العلمانية، قلباً وقالباً، لكنّها ليست فكرة مثالية في المطلق بالنسبة إليّ، يعتقد الناس في الولايات المتحدة؛ حيث ظهرت بذرة العلمانية، أنّه لا يجدر بهم الانخراط في السياسة، يهتمون بالجانب الروحي والصلوات، لكن دون أن يهتمّوا بشؤون الفقراء أو معاناتهم.

أنا مع الدول العلمانية، قلباً وقالباً، لكنّها ليست فكرة مثالية في المطلق بالنسبة إليّ

قال البريطاني، جون لوك: الدين مسار بحث خاص، ونتج عن ذلك خصخصة الدين، كان البرد قارساً للغاية في بريطانيا، الشتاء الأخير، ورغم أنّ لندن تصنّف ضمن أكثر المدن ثراء على مستوى العالم، إلا أنّه كان هناك رقم غير مسبوق من الأشخاص الذين هم بلا مأوى، هل سمع أحد كبار أساقفة كانتربري، أو الحاخام، أو كبير أساقفة وستمينستر، يقول شيئاً في هذا الصدد؟ بالتأكيد لا؛ لأنّهم لا يرغبون في الانخراط بالسياسة، وهذا ليس أمراً مستحباً.

الشيء نفسه بالنسبة إلى الإسلام، الذي يوجد فيه أناس يرفعون صوتهم ويتظاهرون من الأسفل، لكن ليس من داخل الحكومة، الناس يفسدون عندما يتبوّؤون المناصب الحكومية.

ألا تعتقدين أنّ قيم التضامن ومساعدة الأكثر تهميشاً يمكن أن يتضمنها الفكر غير الديني؟

نعم، بكل تأكيد؛ رغم أنّ التضامن ربما لا يبدو ملحوظاً في الفكر غير الديني، لكنّني، وبكل صدق، لا اعتقد أنّ منظّري الأديان الأوائل كانوا يهتمون بالمعتقدات الدينية للآخرين.

اقرأ أيضاً: سوريانو: الإرهابيون أسرع من الدول في مجال الابتكارات!

القرآن الكريم يقول إنّه يجب الاهتمام بالفقراء، والمسيح يقول الشيء نفسه: "لأنّي جُعتُ فأطعَمتُموني. عَطِشتُ فسقَيتُموني. كُنتُ غَريباً فآوَيتُموني. عُرياناً فكسَوْتُموني. مَريضاً فزُرتُموني. مَحبوسًا فأتَيتُمْ إلَيَّ" (متّى 25: 35-36)، هذا هو الدين كما أعرفه؛ تحقيق هذه الأشياء.

غلاف كتاب "التحول الكبير: بدايات تقاليدنا الدينية"

حين كتبتِ عن التشدد، هل درستِ المسيحية واليهودية والإسلام، الأديان التي تستند إلى كتب سماوية، يبدو أنّ هذه الظاهرة تعزى إلى التأويل الحرفي لهذه النصوص؛ ما هو المنظور الواجب اتباعه عند التأمل في الكتاب المقدس والقرآن الكريم والتوراة من أجل تجنّب التشدّد؟

ينبغي أن تقرأ كتابي الجديد حول النصوص من جميع الأديان، وليس المعتقدات التوحيدية الرئيسة فحسب.

اقرأ أيضاً: هل يستهدف الإسلامويون النظام الديمقراطي الغربي؟

لم يكن أغلب الناس يعرفون القراءة حتى العصر الحديث؛ لذا كان يتمّ ترديد النصوص أو تمثيلها..، لم يعودوا إلى النص الأصلي؛ بل كانوا يحاولون التطرق للملفات الحالية، وإذا لم يتحقق ذلك، فما من فائدة، لكنْ هناك أناس في الإسلام حالياً يقرؤون النصوص بطريقة حديثة جداً. تؤكّد الكونفوشيوسية أيضاً أنّ نصوصها تتحدث عن الجانب المقدس من الطبيعة، وهو ما يتصل بشكل وطيد في عصرنا بالمشكلات الحادة الناجمة عن التغير المناخي.

وفق ما أعرفه؛ فإنّ القرآن الكريم هو كتاب منزّل مباشرةً من الله على النبيّ محمد، صلّى الله عليه وسلّم، هو كلام الله، لكن هناك فرضية عن أنّ الكتاب المقدس وضعه البشر، مثل الإنجيليين. هذا الفارق، هل يجعل تفسير القرآن الكريم على نحو غير حرفي أمراً أكثر صعوبة من تأويل الكتاب المقدس؟

(نعم ولا) في الوقت نفسه؛ ففي المسيحية يمثّل المسيح كلمة الله، التي تحوّلت إلى إنسان وكتاب، لكنّ هذه الجزئية لا يمكن تفسيرها بهذه الطريقة الحرفية في السابق كما الآن، في الأوساط العلمية، ونظراً إلى أنّ كلام الله تعالى كان في السابق، فقد كان لا نهائياً، ولم يكن من الممكن ربطه بتفسير واحد؛ التفسير الإسلامي يعتمد بدرجة كبيرة على الإبداع كذلك، وما يجرى في الوقت الراهن داخل الجامعات هو العودة للنص الأصلي، وفي حالة الإسلام؛ يعتقد المسلمون أنّهم يتعرّضون بشكل دائم للهجوم، وأنّ نصوصهم تواجه الانتقادات، ويتم التقليل من شأنها، كل هذا يضعهم في موقف الدفاع، وتنشأ جميع الحركات المتشددة في الأديان التوحيدية الكبرى التي عكفت على دراستها، لأنّ بعض المتدينين شعروا بالإهانة توجّه إليهم من المجتمعات الليبرالية والأوساط العلمانية.

اقرأ أيضاً: رحلة صحفي إسباني بين سجون "داعش" في سوريا

كثير من الأشخاص لا يعرفون النصوص المقدسة، ومن المهم الاستماع إلى القرآن الكريم؛ ..، وتتميز الكتب المقدسة، خاصةً القرآن الكريم، بالصوتيات، ويثير هذا النغم جميع أنواع المشاعر في الدماغ؛ حين يكون القرآن مرتلًا يشعر الناس بالخشوع أو السكينة أو الشجن، وكل ذلك مصدره الوقع الجميل للترتيل الذي تتلقّفه آذانهم.

غلاف كتاب "النزعات الأصولية: في اليهودية والمسيحية والإسلام"

..، أعتقد أنّ الكتاب المقدس والقرآن الكريم يمكن أن يقدّما معلومات تاريخية حول المجتمعات التي كانت قائمة لحظة نزولها، أليس كذلك؟

هذا صحيح بالتأكيد، لكن حين تقرأ هذه الكتب يجب أن تلتفت أيضاً إلى التقاليد التي كانت متّبعة وقتها، وليس ما تعتقد أنت أنه كان يجب أن يكون قائماً؛ ينبغي أن ننفّذ مقاربة تاريخية، وفي الوقت نفسه؛ نلاحظ كيف اتجه الناس في ذلك الوقت لتأويل الكتب المقدسة خلال عصرهم.

كيف تعامل المتدينون مع الكتب المقدسة؟

في عصور ما قبل الطباعة، وتلك التي سبقت بدء معرفة القراءة، كان الناس يستمعون إلى النصوص الدينية، لم يكن أحد متشبثاً بالنصّ الأصلي، يكشف التاريخ أنّ الناس دأبوا على وضع تفاسير له، هناك رجال دين مسلمون يقولون إنّه إذا كان النص مغلقاً على نفسه فإنّه ينتهي.

هل تعتقدين بأنّ الإنسان قد يأتي عليه وقت ما ويتخلّى عن الدين؟ هل يبدو هذا قابلًا للحدوث، سيما مع الاكتشافات العلمية؟

لا أرى أنّ هذا الأمر، في حال حدوثه، سيكون راجعاً للعلم؛ الإنسان لديه وضع خاص،.. نحن مجبرون على أن نكون واعين بحقيقة أنّنا سنفنى، موتنا الذي لا شكّ فيه، سبر خبراء الأعصاب مؤخراً تلافيف أمخاخنا واكتشفوا أنّ الفص الأيمن من المخّ يضمّ مراكز الشعر والدين والفنون، أما في الفص الأيسر فتوجد مراكز العلم والتعليل، نحن في حاجة للاثنين كليهما؛ لأنّنا كائنات تطرح أسئلة بالسليقة.

اقرأ أيضاً: كيف تغذي وسائل الإعلام حالة العداء للإسلام؟

..إن عجز البشر عن إيجاد هدف لحياتهم، يسقطون في بئر الإحباط والاكتئاب.

هل يمكننا، إذاً، أن نخلص إلى أنّ الدين هو وسيلة لمنح شعور بالراحة؟

نعم، لكنّنا في حاجة إلى هذا الشعور بالارتياح والسلوى؛ لأنّنا حينما نصل لأدنى مستويات الإحباط نقدم على أمور رهيبة، لا يسعنا العيش بدون هدف ومغزى لحياتنا، ولا بدون اعتبار أنّ البشر لهم مكانة خاصة.


المصدر: مقابلة مع المؤرخة البريطانية، كارين أرمسترونغ، أجرتها معها صحيفة "آ بي ثي" الإسبانية

 

الصفحة الرئيسية