ليبيا: ماذا بعد تشكيل السلطة الانتقالية الجديدة؟

ليبيا: ماذا بعد تشكيل السلطة الانتقالية الجديدة؟

مشاهدة

10/02/2021

من الطبيعي ألا تحظى السلطة الانتقالية الجديدة في ليبيا برضا الفرقاء بشكل كامل؛ خاصة أنّ كلاً منهما يقيّمها بمقياس رؤيته للحلّ، والذي يتضمن إقصاء الطرف الآخر، بعد سنوات من الصراع المسلح.

ويكاد يتفق الجميع على صعوبة عمل هذه السلطة، والاحتمال الكبير لإخفاقها في المهمة المنوطة بها، وهي توحيد المؤسسات وتهيئة البلاد للانتخابات المزمع عقدها نهاية العالم الجاري، ويزيد من صعوبة عملها افتقاد أعضائها لقوة دعم، وهو الأمر الذي يراه البعض ميزةً من ناحية أخرى، كي لا تكون أسيرة لطرف واحد.

ويخشى البعض من تكرار نموذج حكومة الوفاق، إذا ما سارعت السلطة الجديدة للدخول إلى طرابلس دون تطهير المدينة من الميليشيات، كي لا تقع أسيرة لنفوذهم المسلح مثلما وقعت حكومة الوفاق.

رئيس المجلس الرئاسي الجديد، محمد المنفي

ويبدو الشرق الليبي أكثر تماسكاً وتقبلاً للتشكيلة الجديدة، كوّن الوحدة بين قواه أشد تماسكاً من الغرب، الذي ينفرد كلّ فرد بمركز قوة مناوئ للآخر، مما يعرقل من استلام السلطة الجديدة للمناصب والمؤسسات، والأمر الأكيد أنّ المحاصصة ستحضر بقوة في تشكيلة الحكومة الجديدة، بحكم الأمر الواقع.

الإخوان في جنيف

وصف كثير من المراقبين فوز القائمة الرابعة، برئاسة محمد المنفي في اجتماع اختيار السلطة السياسية الجديدة في ليبيا في جنيف، والذي اُختتم في الخامس من الشهر الجاري، بالمفاجأة الكبيرة، خاصة أنّها فازت أمام القائمة الثالثة، برئاسة عقيلة صالح، وعضوية الجويلي وعبد المجيد سيف النصر، مع فتحي باشاغا رئيساً للحكومة.

ثمة شكوك حول علاقات تجمع المنفي والإخوان المسلمين منذ عضويته في المؤتمر الوطني ومجلس الدولة، واختياره سفيراً في اليونان في حكومة الوفاق

وإلى جانب محمد المنفي رئيساً للمجلس الرئاسي، ضمت القائمة كلاً من؛ ممثل الجنوب، موسى الكوني، وممثل الغرب عبد الله اللافي، كعضوين في المجلس، إلى جانب المصراتي عبد الحميد الدبيبة، رئيساً للوزراء.

وهناك رؤيتان حول فوز القائمة الرابعة؛ الأولى ترى أنّ أعضاء الحوار سئموا من الوجوه القديمة التي تورطت في الصراع على مدار الأعوام الماضية، والثانية ترى أنّ المال السياسي والإخوان وراء فوز القائمة.

رئيس الحكومة الجديد، عبد الحميد الدبيبة

وبخصوص الإعلان عن نتائج الجولة الأولى من التصويت على رئيس المجلس، قبل اللجوء لنظام القوائم، تحدثت "حفريات" مع الناشط الليبي، مفتاح فرج ياسين، الذي توقع فوز محمد المنفي بمنصب الرئاسة في نهاية المطاف، وفوز عبد الحميد الدبيبة بمنصب رئاسة الوزراء، وعلل توقعاته التي صدقت بقوله "هناك علاقات تجمع المنفي والإخوان المسلمين منذ عضويته في المؤتمر الوطني، ومجلس الدولة، واختاروه سفيراً في اليونان في عهد حكومة الوفاق، ونال أصوات البرقاويين ذوي التوجهات الإسلامية عندما ترشح لمنصب الرئاسة، كالحصادي وإبراهيم صهد".

اقرأ أيضاً: دليل استرشادي لفهم ما يحدث في ليبيا

وأضاف مفتاح "خمسة أصوات من برقة، مع أصوات الغرب الموالية للإسلاميين في اللجنة، وبذلك ضمن المنفي الفوز، وهذا خطير جداً، فأنا أعرفه بشكل شخصي، فهو انتهازي؛ كان مع نظام القذافي ثم انقلب عليه، وتحالف مع الإسلاميين من أجل المال، وظهر ذلك منذ عضويته في المؤتمر الوطني".

ويختلف المحلل السياسي الليبي، عمر بو أسعيدة مع الرأي السابق، ويرى أنّ المنفي ليس محسوباً على الإخوان، وأنّ ولاءه للشرق: "ليس هناك شك في دعم المنفي للشرق، وأعرفه بشكل شخصي، فهو ابن عم لي".

الناشط السياسي الليبي، مفتاح فرج ياسين

وربما يكون المنفي حصل على دعم أصوات الإخوان في لقاء جنيف، لكنّ لا يعني ذلك ولاءه لهم، ويبقى التعويل على ما ستكشفه الأيام المقبلة.

وكان خالد المشري انسحب في الجلسة الثانية للتصويت على السلطة التنفيذية بنظام القوائم، رغم حصوله على أعلى نسبة من الأصوات في مجمع الغرب، في خطوة عزاها المراقبون إلى سببين؛ الأول الاحتفاظ بالمجلس الأعلى للدولة في يد الإخوان، والثاني إفساح المجال لشخصيات غير ظاهر ارتباطها بالإخوان.

المحلل السياسي عمر بو أسعيده  لـ"حفريات": ليس هناك شك في دعم محمد المنفي للشرق، وأعرفه بشكل شخصي، فهو ابن عم لي

وتحدث أكثر من مراقب عن وجود مال سياسي في التصويت على السلطة الجديدة؛ إذ توقع مفتاح فرج ياسين في "حفريات" بفوز عبد الحميد الدبيبة برئاسة الحكومة، قبل التصويت، وقال "بالمال السياسي سيفوز دبيبة، بينما باشاغا يعتمد على علاقاته المحلية والخارجية، والدبيبة معروف بفساده منذ عهد النظام السابق".

وضع الجيش الوطني

وتبعاً للانقسام السابق حول شخص رئيس السلطة الجديدة، محمد المنفي، تنقسم الآراء حول وضع الجيش الوطني الليبي، إذ يعتبر المنفي هو القائد الأعلى للجيش.

ويقول مفتاح فرج ياسين "مناصب الرئاسي شرفية، لكنّها تمس الجيش، ورغم شكوكي حول المنفي لكن أظن أنّ قبيلته ستمارس ضغوطاً عليه كي لا يقترب من الجيش". ويرى عمر بو أسعيدة؛ أنّ الجيش في مأمن مع وجود المنفي، ولا خطر عليه.

المحلل السياسي الليبي، عمر بو أسعيده

وبغض النظر عمن يترأس السلطة الجديدة، فمكانة الجيش الوطني ترسخت وحظيت باعتراف دولي كبير، وكان الجيش ممثلاً في ملتقى الحوار بجنيف، وركناً أساسياً في مسارات الحلّ الذي ترعاه الأمم المتحدة، خاصة تمثيله في اللجنة العسكرية، إلى جانب قوة الأمر الواقع التي يتمتع بها الجيش، ووجود دعم إقليمي ودولي كبير له.

ورغم هيمنة الإخوان على المشهد السياسي في الغرب الليبي، إلا أنّ ذلك لا يعني وجود شعبية كبيرة لهم، وهو ما كشفت عنه الانتخابات البلدية التي شهدتها عدة مدن في الغرب، والتي فاز بها مرشحون منافسون للإخوان، على حساب قوائم إخوانية.

اقرأ أيضاً: ما هي ملامح سياسة إدارة بايدن تجاه ليبيا؟

ويؤكد السياسي الليبي، عبد المنعم اليسير؛ أنّ هدف الإخوان تدمير الجيش الوطني، وإلغاء فكرة وجود جيش نظامي في ليبيا، واستبدال ذلك بميليشيات موالية لهم، "المجلس والحكومة الجديدان مكملان لما حدث في الصخيرات، وهدفهما التخلص من قيادة الجيش الوطني، وتهميش مجلس النواب كليةً، ولن يكون ذلك يسيراً، لقوة الجيش وداعميه الإقليميين والدوليين".

ويُعلق اليسير في حديثه لـ"حفريات" توقعاته على ما ستكشف عنه خطوات السلطة الجديدة، "إذا نجحت في إخراج المرتزقة والوجود التركي خلال أسابيع فستكون بذلك حكومة وحدة وطنية حقيقية، لكن غير ذلك فالأسوأ قادم، والصراع السياسي والعسكري مستمر".

تخوفات من الخاسرين

وشهدت الترشيحات للسلطة الجديدة وزراء من حكومة الوفاق، دون أنّ يتقدموا باستقالاتهم من مناصبهم، ليظلوا ممسكين بالعصا من المنتصف؛ إذا فازوا فلا خوف من الاستقالة، وإذا خسروا يظلون محتفظين بمناصبهم لمساومة السلطة الجديدة.

السياسي الليبي د. عبد المنعم اليسير

ومن أبرز هؤلاء وزير الداخلية المفوض، فتحي باشاغا، الذي ترشح لمنصب رئاسة الحكومة في القائمة الثالثة، مع عقيلة صالح، ومن المتوقع أنّ يطيحه الدبيبة من تشكيلة حكومته، لترشيح شخصية محل توافق.

وفي أول رد من باشاغا، عممت وزارة الداخلية أمراً على جميع القيادات وكبار المسؤولين في الوزارة، بالحضور إلى مطار معيتيقة، لاستقبال الوزير باشاغا في المطار، على أنّ يكون الحضور بالزي العسكري.

وكتب المحلل السياسي الليبي، الجدال المختار، عن ذلك "يبدو أنّ هناك صراعاً احتدم بين باشاغا والدبيبة على كرسى الحكومة، والأول يستعرض عضلاته بهذا التعميم".

آمال وشكوك

وبحسب الاتفاق السياسي في جنيف، من المنتظر أنّ تتقدم الحكومة بتشكيلتها إلى مجلس النواب لنيل الثقة، خلال 21 يوماً، وإنّ لم تنل الثقة سيعود الأمر إلى لجنة الحوار السياسي لمنحها الثقة، ويهدد ذلك بتهميش البرلمان، الذي لن تعيره الحكومة انتباهاً إذا ما حازت الثقة من لجنة الحوار السياسي.

وينتقد الكثيرون منح اللجنة مثل هذه الصلاحية، المنوطة فقط بالبرلمان في العالم أجمع، والتي تؤسس لعوار دستوري كبير.

ويعلق البعض آمالاً كبيرة على وجود شخص موسى الكوني، عضو المجلس الرئاسي، في ضمان أداء متوازن للسلطة الجديدة، كوّنه كان عضواً سابقاً في رئاسي الصخيرات، واستقال احتجاجاً على مسار الاتفاق.

يحظى عضو الرئاسي الجديد، موسى الكوني بقبول كبير

وكتب عضو المجلس الانتقالي السابق، والمحلل السياسي الليبي، الجدال المختار، عبر الفيسبوك حول ما جرى جنيف، "ستيفاني كانت تعرف أنّه لو نجحت قائمة عقيله ومكوناتها لن يتغير شيء، وسيختلف عليها شرقاً وغرباً، ولا أستبعد تدخلات البعثة في إقناع منتدى الحوار بالتصويت لصالح القائمة الفائزة مراعاة لقبول الرأي العام، خاصة بعد تضمين موسى الكوني فيها، كوّنه يحظى باحترام وقبول شعبي كبير".

وهناك مطالبات بتنازل عقيلة صالح عن رئاسة مجلس النواب لصالح مرشح من الجنوب، كي تكون القسمة؛ الرئاسي من الشرق، والحكومة من الغرب، والبرلمان من الجنوب.

واتصالاً بذلك؛ من المقرر أنّ تلتزم السلطة الجديدة بما جرى الاتفاق عليه في حوار بوزنيقة من تقاسم المناصب الكبرى في الدولة، بين الأقاليم الثلاثة.

اقرأ أيضاً: تركيا تُجري عمليات تبديل للمُرتزقة في ليبيا للإيهام بسحبهم

وحظيت السلطة الجديدة بترحيب دولي وإقليمي كبير، وتلقى رئيسها محمد المنفي اتصالات من رؤساء ووزراء خارجية دول عديدة، من بينها؛ الولايات المتحدة وبريطانيا ومصر وتركيا والأردن وتونس وغيرها.

ويتوقف نجاح السلطة الجديدة على دعم المجتمع الدولي، ونجاح مسار اللجنة العسكرية، والضغط على القوى الميليشياوية في الغرب للاندماج في المسارات الأممية، والتقدم في ملف حلّ ودمج الميليشيات.

ويبقى مصير الاتفاقيات التي وقعتها حكومة الوفاق مع تركيا مجهولاً، خاصة مذكرتي التفاهم بشأن الصلاحية البحرية والتعاون الأمني، ومن غير المرجح انسحاب تركيا دون ضغط دولي كبير، مما يشكك في إمكانية إنهاء الانقسام، وتعزيز فكرة المحاصصة، حتى إذا ذهبت البلاد إلي الانتخابات بنهاية العام الجاري.

الصفحة الرئيسية