لماذا يصبغ المغاربة رأس الكبش بالحنّاء قبل ذبحه؟

المغرب

لماذا يصبغ المغاربة رأس الكبش بالحنّاء قبل ذبحه؟


13/08/2019

لعيد الأضحى في المغرب طقوس وأقنعة عدة؛ فهو احتفال يمتزج فيه المقدّس والمدنّس، يُمارس فيه المغاربة طقوساً ترجع إلى العصور القديمة قبل ظهور الإسلام، للاحتفاء بالأرض والخصوبة والحياة، في جوّ لا يخلو من العبادة وأداء شعائرهم الدينية.

اقرأ أيضاً: تكحيل الأضحية وخطف الخروف.. أغرب عادات الشعوب في عيد الأضحى
ولا تكتمل فرحة العيد دون ممارسة طقوس مثل: "بوجلود"، أو "بولبطاين"، أو "هرما"، أو "بيلماون"، وهي عبارة عن احتفالات لشباب يجولون الشوارع ليلة عيد الأضحى، ويرتدون جلود الأضاحي على إيقاع الطبول.
نقدّم الفرجة والمتعة للناس
يُشارك معاد دويري، البالغ من العمر 24 عاماً، كلّ عام، في احتفالات "بوجلود" في إنزكان، بمدينة أكادير جنوب المغرب، يصف تجربته قائلاً: "لا يمكن أن أتخيّل عيد الأضحى دون احتفالات بوجلود، نتجول من حي إلى حي، لنقدّم الفرجة والمتعة للناس".

بوهضر بوجمعة لـ "حفريات": "في ليلة العيد أصافح جميع سكان القبيلة، وأطلب الصفح منهم؛ فعاداتنا وتقاليدنا تحثّنا على ذلك

يضيف معاد في تصريحه لـ "حفريات": "ننظم أنا وأبناء الحي حفلة "بيلماون" من خلال جمع جلود الأكباش، عقب نحرها، صباح يوم العيد، نقوم بتنظيفها، ثم نرتديها".
ويعدّ مهرجان انزكان "بيلماون-بودماون" بمدينة أكادير، قبلة لعدد من المواطنين ومحبّي الفرجة، ويُشارك فيه حوالي 400 شخص، ويستقطب بين 1500 و2000 متفرّج.
ويهدف هذا المهرجان إلى الحفاظ على  التراث الشعبي الأمازيغي، عبر تجسيد شخصيات من الموروث الأمازيغي القديم.
وتختلف طقوس احتفال "بوجلود" أو "بيلماون، من منطقة إلى أخرى؛ ففي بعض المناطق يظهر "بيلماون" بشخصية عدوانية، ويُحاول الاعتداء على المارة بذراعه التي تحمل جلد الكبش، وتسيل منها الدماء، وتعتقد بعض النساء أنّ مسح بعض الصغار بهذه الدماء يقيهم من الأمراض والأزمات النفسية، على حدّ تعبير معاد.
يرتدون جلود الأضاحي على إيقاع الطبول

امتزاج المقدَّس بالمدنّس
وفي مناطق أخرى؛ يتقمّص "بيلماون" شخصية محبوبة، ويقوم ببعض الحركات المضحكة، كما يرقص على إيقاعات شعبية، ويقترب منه الأطفال لالتقاط الصور والرقص معه.
"في "بيلماون" يمتزج المقدَّس بالمدنّس"؛ هكذا يصف الأنثروبولوجي المغربي، عبد الله حمودي، طقوس "بيلماون" في كتابه "الأضحية وأقنعتها".

اقرأ أيضاً: الأضحى في الجزائر.. طقوس خارج حسابات السياسة
يشير حمودي في مؤلَّفه؛ إلى أنّ "بيلماون" يرجع إلى عصور قديمة، قبل مجيء الإسلام، ويُمارسه الأمازيغ كطقس وثنيّ يرتبط بالقرابين، التي كانت المجتمعات القديمة تضحي بها من أجل خصوبة الأرض والنسل، وعندما جاء القربان الإبراهيمي (عيد الأضحى)، اندمج الطقسان معاً، وأصبحا يشكلان احتفالاً واحداً، بمرجعيات مختلفة ومتناقضة.
ويُضيف مؤلّف كتاب "الشيخ والمريد": "عيد الأضحى وعاشوراء كانا يؤرخان للزمن قديماً: الأول يختم السنة المنقضية، والآخر يفتتح السنة المستهلة، وكلاهما يشهدان احتفاليات يهيمن عليها اللعب والضحك والضوضاء، مغلفة بطقوس دينية، تختلف بحسب المجتمعات".
مهرجان بيلماون في إنزكان  يُشارك فيه حوالي 400 شخص ويستقطب بين 1500 متفرج و2000

احتفالات تستمر أسبوعاً
ويرى حمودي أنّ طقس "بيلماون" تقليد شعبي لا يكفّ فاعلوه عن خرق القواعد نفسها التي يقوم عليها العيد الإسلامي.
وتستمر احتفالات "بيلماون" إلى غاية أسبوع، وتُختم بمأدبة عشاء، يدعو الحاضرون فيها الله أن يرزقهم بالمطر، ويعدّ الأنثروبولوجي المغربي أنّ انتهاء طقوس "بيلماون" بدعاء يضفي عليها طابع القدسية، ومن الخطأ اختزالها في الفرجة والمتعة.
ويقول حمودي، في كتابه "الأضحية وأقنعتها": "يرمز "بوجلود" إلى الانبعاث الجديد، أو البداية، كما أنّ النساء باقترابهن منه يمنحهن الخصوبة وأطفالاً بصحة جيدة، الموت والتجدد السنوي لقوى الطبيعة، والحزن الذي يعقبه الفرح الكرنفالي المميز لهذا العيد، يتطابقان مع لحظتَي قتل وبعث الإله".
منتقدو طقوس "بيلماون"
في المقابل، يرى منتقدو طقوس "بيلماون"؛ أنّه تحوّل إلى فوضى، ولم يعد يحقق أهدافه الأساسية، المتمثلة في التضامن الاجتماعي ومساعدة الفقراء عبر جمع الشباب للمال، عقب تجولهم في الأحياء؛ بل تحوَّل إلى مناسبة لملاحقة المارة والتحرش الجنسي بالفتيات.

اقرأ أيضاً: عيد الأضحى.. زمن التسامح الإبراهيمي
وفي هذا الصدد، تروي عائشة اليماني، ربّة بيت تبلغ من العمر 45 عاماً: "لقد أصبح الشباب يجمعون المال من المارة لشراء المخدرات، وبعضهم يستغلّ ارتداءه جلد الكبش وتنكره، للتحرّش بالفتيات أو ضرب الأطفال".
وتتابع عائشة، التي تعيش في انزكان، في تصريح لـ "حفريات": "كنا في السابق نحتفل في أجواء يسودها الفرجة والمتعة، ولا نخاف شيئاً، لكنّ بعض الشباب اليوم منحرفون، وغير واعين بقيمة هذا الاحتفال، ويستغلونه لأغراض تتنافى مع أخلاقنا وتربيتنا".
يرى منتقدو طقوس "بيلماون" أنّه تحوّل إلى فوضى ولم يعد يحقق أهدافه الأساسية

وضع الحنّاء على رأس الكبش
ولا تقتصر طقوس عيد الأضحى بالمغرب على طقوس "بوجلود"؛ بل هناك عادات وتقاليد أخرى ما تزال بعض النساء المغربيات تحافظ عليها.
زهرة طاهري، ربة بيت في عقدها الخامس، ترى أنّ من واجبها نقل طقوس عيد الأضحى لأبنائها، مثل تزيين الكبش ليلة العيد بالحناء، تقول زهرة: "أقوم بوضع الحناء على رأس الكبش، ونضع الملح على الدم المتدفق من الخروف صبيحة العيد، ليباركنا الله وتحلّ البركة علينا طيلة العام، وليحمينا الله من كلّ شرّ".

زهرة طاهري ترى أنّ من واجبها نقل طقوس عيد الأضحى لأبنائها، مثل تزيين الكبش ليلة العيد بالحناء

وتضيف زهرة: "في صبيحة يوم العيد نضع مناديل بيضاء نغطي بها شعرنا، ونملأ فم الكبش بالقمح والماء، قبل ذبحه، وذلك ليحلّ عام من الخير وتزدهر الفلاحة".
وعقب نحر ربّ الأسرة للأضحية؛ تقوم الزوجة بجمع أولى قطرات الدم في قنينة تحتفظ بها إلى أن تجفّ، وتوضح زهرة، في تصريحها لـ "حفريات": "نقوم بحسب معتقداتنا بتبخير الأطفال الصغار ببعض منه، درءاً للعين الشريرة والسحر".
طقوس نساء الحوز
وفي جهة الحوز، قرب مراكش، تقربنا زينب من أجواء عيد الأضحى، ومن الطقوس الشائعة في هذه المناطق.
تقول زينب، ربة بيت بالغة من العمر 45 عاماً: "في يوم العيد تقوم النسوة والبنات بطلاء رؤوسهن بالحناء، وتسمى هذه العملية (النفقة)".
وعقب صلاة العيد ينحر ربّ الأسرة الأضحية، وقد يقوم مقامه ابنه البكر، ومن عادات بعض النسوة في منطقة الحوز، بحسب زينب، الاحتفاظ بقليل من دم الأضحية لقراءة المستقبل.
وتضيف زينب، لـ "حفريات": "وفي المساء تكون وجبة العشاء عبارة عن كتف الأضحية اليمنى، يتمّ طهوه، وتجتمع العائلة لتناوله".
وعن العادات التي ما تزال بعض النساء تمارسها، تتحدث زينب: "نحتفظ بعظم الكتف بعدما يتم أكل لحمه لقراءة المستقبل، وبعض النساء يتخوّفن من ظهور خطّ أبيض على عظم الكتف، بحسب معتقداتهن، فإنّ ذلك يرمز إلى إنذار بموت أحد أفراد العائلة خلال العام".

وتستمرّ النساء في ممارسة عاداتهن إلى اليوم الموالي لعيد الأضحى، وتقول زينب في هذا السياق: "بعد تناول رأس خروف العيد نقوم بدفن عظام الرأس في مكان بعيد عن الأنظار، حتى لا تستعملها نساء أخريات لإلحاق الأذى بالعائلة عن طريق السحر".
وترى زينب أن ضياع هذه العظام، بحسب اعتقادهن، يتسبّب في تكسير أواني المنزل.
يشهد العيد تكافلاً اجتماعياً بين السكان

أصافح جميع سكان القبيلة
ومن الحوز، تنقلكم "حفريات" لأجواء العيد في منطقة تماسينت، نواحي مدينة ورزازات جنوب المغرب؛ حيث يعدّ عيد الأضحى فرصة لسكان المنطقة لإحياء صلة الرحم والتضامن الاجتماعي.
وفي هذا السياق، يقول بوهضر بوجمعة، فاعل جمعوي،  لـ "حفريات": "في ليلة العيد أصافح جميع سكان القبيلة، وأطلب الصفح منهم؛ فعاداتنا وتقاليدنا تحثّنا على التصالح يوم العيد، وحلّ المشاكل العالقة بين الناس".
ويضيف بوجمعة: "العيد أيضاً فرصة لأبناء المنطقة المهاجرين خارج المغرب لزيارة عائلاتهم وقبائلهم".

اقرأ أيضاً: الأضحى في تونس: طقس للتواصل والمتعة وطرد الجن والشياطين
ومن جهته، يشير إدريس إسلفتو، فاعل جمعوي بمدينة ورزازات، في تصريحه لـ "حفريات": إلى أنّ "المدينة تعرف رواجاً كبيراً خلال فترة العيد، وتكافلاً اجتماعياً بين سكان المنطقة، لمساعدة الفئات الهشّة على اقتناء أضحية العيد".

الصفحة الرئيسية