لماذا اشترى إسلاموي تونسي أعرق مجلة يسارية في المملكة المتحدة؟

لماذا اشترى إسلاموي تونسي أعرق مجلة يسارية في المملكة المتحدة؟

لماذا اشترى إسلاموي تونسي أعرق مجلة يسارية في المملكة المتحدة؟


18/02/2026

تحرير وترجمة: محمد الدخاخني

استحوذ مالك قناة (إسلام) التلفزيونية البريطانية على مجلة (تريبيون) اليسارية العريقة. ويمثِّل هذا في جوهره اندماجاً بين تقليدين إعلاميين مختلفين كُليَّة. ولعل العبارة الشائعة "الغاية تبرِّر الوسيلة" توضِّح الدافع وراء مثل هذا التحالف.

من ناحية، استغرق هذا التقارب أكثر من عقدين من الزمن، ليس فقط ضمن الإطار الضيق للمشهد الإعلامي البريطاني، بل في المجال الجيوسياسي. وأقول عقدين من الزمن لأنّه كانت هناك لحظة اندماج سابقة: مارك سيدون، المحرر السابق لـ (تريبيون)، كان قد أثار ضجَّةً واسعةً عام 2005 عندما سلَّم مفاتيح مكتبه بالمجلة وتولَّى منصب مراسل قناة الجزيرة  الإنجليزية لشؤون الأمم المتحدة. وقد اجتمعت وجهتا نظر عالميتان مع هذا التعيين.

وكان سيدون شوكةً في خاصرة مشروع حزب العمال الجديد الذي قاده رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير. وكما كتب سيدون وقت رحيله عن المجلة، فقد رأى ما يكفي من "جنون السيطرة" الذي اتَّسمت به أبرز محطات رئاسة بلير للوزراء. وأعلن أثناء توجهه إلى نيويورك لتغطية تداعيات الغزو الأمريكي للعراق: "أعتقد أنّ حياتي كصحفي معارض داخل حزب العمال "الجديد" قد منحتني كل التدريب الذي أحتاجه لما هو آتٍ". وأضاف: "لكن عندما يتعلَّق الأمر بالصراع، أعتقد أنني أفضل الدبلوماسية". وفي الواقع، أصبح سيدون كاتب خطابات لـ "بان كي مون" بعد تولي الأخير منصب الأمين العام للأمم المتحدة عام 2007.

كان سيدون شوكةً في خاصرة مشروع حزب العمال الجديد الذي قاده رئيس الوزراء البريطاني آنذاك توني بلير

ومع ذلك، لم يكن التقاء التغطية الإعلامية البديلة المطلوبة في مجلة سياسية متخصصة عام 2005 مع إطلاق التغطية الدولية لقناة الجزيرة الإنجليزية أمراً مستبعداً. ففي أعقاب الانقسامات السياسية التي برزت في المملكة المتحدة بشأن حرب العراق، نشأ تقاربٌ بين سياسات الاحتجاج الراديكالية واليسار الأوروبي، وبين دوائر اجتماعية شعرت بالحاجة إلى تحديد ما اعتبرته غَرباً متسلطاً، ثم مقاومته.

وُجد هذا التقارب بالتأكيد خلال مسيرة النائب العمالي السابق جورج غالاوي، وزعيم حزب العمال السابق جيريمي كوربين. ويكفي النظر إلى كيفية تقارب المؤسسة الثورية الإيرانية والقيادة الفنزويلية في السياسة الدولية لرؤية الجانب الدولي لهذه الظاهرة. ويتعلَّق الأمر بمحاربة القوى المهيمنة التقليدية وإحباط مخططاتها من خلال التعبئة بما يُصوَّر على أنّه "صوت الشعب".

رحَّبت القيادة الحالية لـ (تريبيون) بمشاركة مالك قناة (إسلام)، محمد علي حراث. ولمن لا يعرف القناة، فهي تقدّم تركيبة إخبارية ونقاشية متعاقبة مألوفة في جميع أنحاء العالم. وداخل المملكة المتحدة تتوفر القناة في جميع أنحاء البلاد وتخضع لتنظيم "أوفكوم"، وهي الهيئة التنظيمية المستقلة المعتمدة من الحكومة. وعلى مر السنين، أصدرت "أوفكوم" أحكاماً متعددة على إنتاج القناة، بل فرضت عليها غرامة قدرها (40) ألف جنيه إسترليني، أكثر من (52) ألف دولار أمريكي، في عام 2023.

بنى حراث إمبراطوريته في المملكة المتحدة بعد فراره من تونس. وقد تحدث عن خلفيته العائلية "المحافظة للغاية"، وكيف أنّه نشأ على أفكار الثورة الإسلامية في إيران بمزيجها بين الدين والثورة. وقال: إنّ قناة (إسلام) تأسَّست بعد أن أمضى فترة من الوقت كناشط يطبع المنشورات ويوزع المطبوعات السرّية. كما نشر مجلة قبل أن يصبح ترخيص البث متاحاً. 

مالك قناة (إسلام): محمد علي حراث

وتحدَّث عن مشاركته في العديد من الأعمال. لكنّ مصادر الدعم المالي لقناة (إسلام) غير واضحة، حيث يُرجع حراث بعض تمويلها إلى أصدقاء تمكنوا من توليد استثمارات للحفاظ على استمرار القناة.

جون تريكت، عضو البرلمان عن حزب العمال ورئيس المجلس الاستشاري لـ (تريبيون)، أيَّدَ خطة الإنقاذ. يقول: "المملكة المتحدة في أمسِّ الحاجة إلى بديل لوسائل الإعلام الرسمية. وتهدف (تريبيون) إلى البناء على إرثها الاشتراكي والأممي التاريخي، والتحدث مع جيل جديد ولصالح جيل جديد".

ويقول بول أندرسون، المحرر السابق للصحيفة: إنّ هذا التفاعل بين الاهتمامات المحلية والدولية كان قضيةً دائمةً في التوجيه التحريري منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وخاصةً الآن  مع تولي حزب العمال السلطة. لكن، في الوقت نفسه، لا يسع أندرسون إلا أن يلاحظ أنّ الشراكة الجديدة "غريبة للغاية". ومع ذلك، فإنّ التناقضات بين جماهير المنصتين الشقيقتين لن تُحدث فارقاً يُذكر: أوّلاً، يسعد موظفو المجلة بالاستمرار في وقت كان فيه الفشل هو الخيار الوحيد. أمّا بالنسبة إلى المالك الجديد، فإنّه سيتمكن من الوصول إلى مدخل سياسي مختلف. وسيكون الحفاظ على هذا المدخل - لكي تتمكن المنصتان من نشر عدائهما المشترك للهيمنة الغربية - هو الأهم.

تقف السياسة في المملكة المتحدة عند مفترق طرق، وهذا ما يضع استحواذ مالك قناة (إسلام) على (تريبيون) موضع التنفيذ. يتعلق الأمر بامتلاك صوت وسط التشرذم المحتمل لليسار التقدمي الذي قد يُضاهي تفكك اليمين خلال العام الماضي، وهذا يُفسِّر لماذا اجتمع هذان الشريكان المختلفان للغاية معاً.

المصدر:

داميان ماكلروي، ذي ناشيونال، 10 حزيران (يونيو) 2025




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية