لماذا أصدر السلطان عبد الحميد الثاني فرماناً يتهم فيه أحمد عُرابي بالعصيان؟

لماذا أصدر السلطان عبد الحميد الثاني فرماناً يتهم فيه أحمد عُرابي بالعصيان؟

مشاهدة

05/10/2020

في أيلول (سبتمبر) من عام 1882م، وبينما كان أحمد عرابي يحمل راية مقاومة الغزو الإنجليزي لمصر، كان السلطان عبد الحميد يصدر فرماناً يتهم فيه عُرابي بالعصيان والخروج عن طاعة السلطان ويحذّر المصريين من اتباعه، ما بدا في حينه لعرابي وأتباعه خبراً صادماً. إلا أنّ وقفة تحليل للأسباب التي دفعت السلطان لذلك تبدّد أي دهشة أو استغراب ممّا أقدم على القيام به.

ثورة عرابي.... ما هي؟ وكيف بدأت؟

جاءت ثورة عرابي عام 1881م بدافع أساسيّ تمثل في ردة فعل الضباط المصريين على الإجراءات التمييزية بحقهم والسيطرة على المؤسسة العسكرية المصرية من قبل الضباط الأتراك والشراكس. إذ تزعّم عرابي حركة الضباط المصريين وقام بكتابة عريضة إلى الخديوي توفيق تطالب بعزل عثمان رفقي باشا، وزير الجهاديّة (الحربيّة)، الذي كان متعصباً للشراكسة والترك. إلا أنّ الخديوي قابل العريضة بقرار إلقاء القبض على عرابي والضباط الموقعين معه على العريضة، وهو ما تمّ، وأودعوا في سجن قصر النيل تمهيداً لمحاكمتهم.

عُرابي أمام قصر عابدين وحوله جماهير الشعب ينتظرون بعد توقيع الخديوي توفيق على العريضة

إلا أنّ ثورة الضباط الصغار المؤيدين لعرابي ورفاقه، ومحاصرتهم قصر عابدين أجبرت الخديوي على إطلاق سراح عرابي وقبول العريضة التي قدّمها، فوافق الخديوي على عزل عثمان رفقي باشا، وتشكّلت حكومة جديدة برئاسة محمود سامي البارودي، وشغل عرابي فيها منصب "وزير الجهاديّة". وخرج عرابي ورفاقه من الأزمة مكتسبين شعبية واسعة بين المصريين، باعتبارهم قادة حركة وطنيّة، عبّرت عن آمالهم وطموحاتهم.

من أزمة داخليّة إلى التدخل الأجنبي

مع تشكيل الحكومة الجديدة، شعرت فرنسا وبريطانيا بالقلق على مصالحها في مصر، وبدأتا بتحيّن الفرصة للتدخل، فبعثتا بأسطوليهما إلى ساحل الإسكندرية بدعوى حماية الأجانب في مصر من أي تهديدات محتملة من قبل الحكومة المصرية الجديدة. ومع وصول الأسطولين في أيار (مايو) 1882م، أخذت الدولتان تخاطبان الحكومة المصرية بلغة التهديد، ثمّ تقدّم قنصلا الدولتين إلى رئيس الوزراء البارودي بمذكرة يطلبان فيها استقالة حكومته، وإبعاد عرابي عن مصر. وكان ردّ البارودي الرفض. إلّا أنّ الخديوي توفيق أعلن قبوله مطالب الدولتين، فبادر البارودي لتقديم استقالته احتجاجاً على موقفه.

دعم السلطان عبد الحميد الخديوي توفيق المذعن للإنجليز في مواجهة عرابي المتمسك بالموقف الوطني

وفي تموز (يوليو) 1882م، بدأت إنجلترا باختلاق الأسباب للتدخّل، فاحتجّت على تحصين أسوار الإسكندرية، وأرسلت إنذاراً بوقف عمليات التحصين. ولمّا رفضت الحكومة التهديدات، قام الأسطول الإنجليزي بضرب الإسكندرية، وكانت تلك بداية الغزو العسكري الإنجليزي لمصر.

اقرأ أيضاً: هل يفكر أردوغان في إحياء الدولة العثمانية؟

كان موقف الخديوي الترحيب بالإنجليز، وقام باستقبال قائد الأسطول الإنجليزي في الإسكندرية. في حين تحرّك عرابي بقواته إلى "كفر الدوار"، شرق الإسكندرية، وبدأ بتنظيم الجيش استعداداً للمواجهة المسلحّة مع الإنجليز. وأرسل الخديوي إلى عرابي يأمره بالكفّ عن الاستعدادات. وهو ما قابله عرابي بالرفض، وبعث عرابي إلى جميع أنحاء البلاد ببرقيات يتهم فيها الخديوي بالخيانة والخضوع للغزاة الإنجليز. وكان ردّ الخديوي هو إعلان عزل عرابي من منصبه. ولكنه لم يمتثل للقرار، واستمرّ في الاستعداد للمواجهة. وسيطر عرابي وأنصاره على القاهرة، وأعلنوا إسقاط حكم الخديوي توفيق، وأعلن عرابي نفسه حاكماً لمصر.

رفض عرابي التسليم للإنجليز وقرّر الدخول في المواجهة

الفرمان: عرابي باشا وأعوانه عُصاة

وفي هذه الأثناء، وبعد نحو شهرين من ضرب الإسكندرية، جاءت الخطوة المفاجئة من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بإصداره فرماناً في السادس من أيلول (سبتمبر) 1882م اتهم فيه عرابي بالخيانة والخروج عن الطاعة. ليدعم بذلك شرعية الخديوي توفيق المذعن للإنجليز في مواجهة عرابي المتمسك بالموقف الوطني الرافض للتدخلات الأجنبية.

اقرأ أيضاً: ما الذي بقي من الثقافة العثمانية في العالم العربي؟

وجاء في نصّ الفرمان: "إنّ الدولة العليّة السلطانيّة تعلن أنّ وكيلها الشرعي بمصر هو حضرة فخامة دولة محمد توفيق باشا. وإنّ أعمال عرابي باشا كانت مخالفة لإرادة الدولة العليّة. ويحسب عرابي باشا وأعوانه عُصاة ليسوا على طاعة الدولة العليّة السلطانية. ويتعيّن على سكان الأقطار المصرية أن يطيعوا أوامر الخديوي المعظّم الذي هو في مصر وكيل الخليفة، وكلّ من خالف هذه الأوامر يعرّض نفسه لمسؤولية عظيمة".

كان لفرمان السلطان عبد الحميد الأثر الكبير في موقف عرابي في المعارك؛ إذ تسبب في فضّ الكثيرين من حوله

وجاء إصدار الفرمان السلطانيّ بطلب من الإنجليز، وذلك استناداً إلى بنود معاهدة لندن الموقعة عام 1840م، بين محمد علي والدولة العثمانية. والتي جاء فيها إقرار سلطة محمد علي وأبنائه على مصر مقابل احتفاظ الدولة العثمانية بالسلطة الاسمية في مصر، بما في ذلك إقرار ولاة مصر في مناصبهم، باعتبارهم ممثلين للسلطنة فيها.

وكان لفرمان السلطان عبد الحميد الأثر الكبير في موقف عرابي في المعارك؛ إذ تسبب في فضّ الكثيرين من حوله. وفي الأثناء، وخلال أسبوع، واصلت القوات البريطانية تقدمها من الإسكندرية إلى أن وصلت  الزقازيق، بعد خوضها المعارك ضد الجيش المصريّ، في "القصاصين"، و"التل الكبير". ومن الزقازيق انتقلت، عبر القطارات، إلى القاهرة، حيث استسلمت حامية القلعة في يوم وصول الإنجليز نفسه. وكانت تلك بداية الاحتلال الإنجليزي لمصر.

حسابات ومصالح السلطان

تعددت دوافع السلطان عبد الحميد الثاني في إصداره الفرمان المريب؛ فمن جهة هناك الضغط الإنجليزي، ومن جهة أخرى كان السلطان عبد الحميد الثاني، وهو الحديث العهد في تولي السلطنة آنذاك، يفضل سلطاناً  ضعيفاً في مصر مثل الخديوي توفيق، لا يكون مصدراً لأيّ منافسة ولا يمتلك الشرعيّة الشعبيّة، على أن تنهض الوطنية المصرية من جديد، على يد عرابي ورفاقه، وتعود إلى سابق ما كانت عليه في زمن محمد علي باشا، وتحديداً ما قبل معاهدة لندن عام 1840م، وبحيث تشكل مصر تهديداً حقيقياً للدولة العثمانية وسلطتها على سائر المشرق من جديد.

تصوير المعارك بين الإنجليز والجيش المصري

لكنّ الأسباب لم تكن تقتصر على ذلك، بل كانت تتعداها إلى مصالح وحسابات تتعلق بعلاقة التحالف الناشئة في حينه بين العثمانيين والإنجليز. ففي منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر، واجهت بريطانيا والقوى الأوروپية الأخرى تحديّ التوسع الروسيّ في المناطق التي تسيطر عليها الدولة العثمانية الضعيفة، في إطار ما عرف حينه بـ "المسألة الشرقية". إذ كانت الإمبراطوريّة الروسيّة تسعى للتوسع على حساب الأراضي العثمانيّة عبر سلسلة من الحروب انتهت آخرها عام 1878م.

اقرأ أيضاً: هل كانت الدولة العثمانية فردوس الخلافة المفقود؟

وفي الرابع من حزيران (يونيو) 1878م تُوّجت المفاوضات السريّة بين بريطانيا والباب العالي بإبرام "اتفاقية قبرص"، والتي مُنحَت بريطانيا بموجبها الحق في السيطرة على جزيرة قبرص، بعد تنازل الدولة العثمانية لها  عنها، وذلك مقابل تعهدها بمساعدة الدولة العثمانية بالسلاح وبقوة عسكريّة للدفاع عن مناطق شرق الأناضول في حال حاولت روسيا التقدم لاحتلالها.

كان السلطان عبد الحميد الثاني يفضل سلطاناً ضعيفاً في مصر على أن تنهض الوطنية المصرية من جديد

كذلك التزمت بريطانيا حينها بتقديم الدعم للدولة العثمانية في مؤتمر برلين الذي انعقد في الثالث عشر من حزيران (يونيو) واستمر حتى الثالث عشر من تموز (يوليو) 1878م. واجتمع فيه قادة الدول الأوروبية بغرض التوصل لقرار بشأن مناطق البلقان التي كانت تسيطر عليها الدولة العثمانية. والتي كان على الأتراك حسبما نصت معاهدة "سان ستيفانو" التنازل عن معظمها لصالح روسيا. وهو ما لم تكن ترغب به بقية الدول الأوروبية. وقد تشدد المندوب البريطاني في المؤتمر، بنجامين ديزرائيلي، في معارضة التوسع الروسي على حساب الدولة العثمانية.

اقرأ أيضاً: خيانة الأرمن.. الذريعة العثمانية الخائبة

وهكذا، كانت كلّ هذه الحسابات مستمرة، وكان السلطان عبد الحميد يريد من بريطانيا في حينه، عندما أصدر الفرمان ضد عرابي عام 1882م، الاستمرار في حمايتها ودعمها للدولة العثمانية في مواجهة الروس، الخطر الأكبر على الدولة آنذاك، وهو ما كان البريطانيون يريدون من العثمانيين الاستمرار في دفع الأثمان مقابله، وإلا فإنهم كانوا سينقضون تعهداتهم إزاءه. وفي هذا السياق جاء فرمان إعلان العصيان.

عُرابي واقفاً (إلى اليمين) أثناء محاكمته وبجواره محاميه الإنجليزي

أمّا عرابي، وبعد هزيمته ودخول الإنجليز القاهرة، فقد عُقدت محاكمة له، في الثالث من كانون الأول (ديسمبر) 1882م، وحُكم عليه على إثرها بالإعدام، ثم خُفِّفَ الحكم إلى النفي مدى الحياة إلى جزيرة سيلان (سري لانكا اليوم). وهناك قضى عرابي 20 عاماً، قبل أن يعود إلى وطنه مرّة أخرى عام 1902م، ويُتوفى فيه عام 1911م.

الصفحة الرئيسية