لبنان: هل بات الانفجار الاجتماعي وشيكاً؟

لبنان: هل بات الانفجار الاجتماعي وشيكاً؟

مشاهدة

08/02/2021

ربما يقايض الناس الحرّية مقابل الغذاء والأمن، لكن إن ذهب الغذاء، وصارت حياتهم مهدّدة، فماذا يبقى لهم، خاصّة في دولة مثل لبنان، ينامون ويصحون فيها على أخبار الحيل السياسية الجديدة، التي تعصف بالأمل الأخير لهم؛ في تشكيل حكومة اختصاصيين، تلبّي شروط المجتمع الدولي، بمكافحة الفساد، لتكون بداية الإنقاذ.

اقرأ أيضاً: لبنان: هل يعيد التيار الوطني النظر في تحالفه مع حزب الله؟

وربما يصبرون لو وُجد الأمل، لكن ليس في لبنان ذرّة منه؛ حيث تتحكّم قلة طائفية في كلّ شيء، ورئاسة تعطّل تشكيل الحكومة لحسابات ضيقة، وحزب الله الميليشياوي يتوعّد كلّ من يحتج على النظام، وما تزال دماء الناشط لقمان سليم لم تجف بعد عن يديه.

وما جرى في طرابلس من احتجاجات سلمية، عبث بها من لهم أجندات سياسية، ليس سوى بداية الكارثة التي تنتظر لبنان في غضون شهرين على الأكثر، حين ينفد الاحتياطي المصرفي، الذي يؤمن النذر اليسير مما يقيم عود الشعب، بينما الساسة يطرحون قضايا تلو الأخرى، لا تسمن ولا تغني من جوع المواطن.

ماذا جرى في طرابلس؟

شهدت مدينة طرابلس موجة من الاحتجاجات الشعبية، في 25 كانون الثاني (يناير) الماضي، واستمرّت لعدة أيام، احتجاجاً على قرار السلطات تمديد إجراءات الإغلاق الكلّي، في إطار خطّة مواجهة تفشي جائحة كورونا في البلاد.

من احتجاجات طرابلس

وتخلّلت الاحتجاجات أعمال عنف وشغب، واحترق مبنى البلدية، وتعرّض مبنى المحكمة الدينية، ومبانٍ حكومية للتخريب، ورمى بعض المحتجين قنابل يدويّة على قوات الأمن.

وبحلول 31 من الشهر الماضي؛ كانت حصيلة الضحايا، قتيلاً وأكثر من 400 جريح من المتظاهرين، و40 جريحاً من الشرطة والجيش. واعتقلت وحدات الجيش والمخابرات 25 شاباً، على الأقل، لدورهم في الأحداث.

اقرأ أيضاً: هل يستعيد تنظيم داعش نشاطه في لبنان؟ وما مخططاته؟

ولم يكن قرار الإغلاق سوى القشة التي قصمت ظهر البعير في المدينة، التي تعدّ من أشدّ المناطق فقراً في البلاد، وسبق أن شهدت المدينة موجة احتجاجات مماثلة، في نيسان (أبريل) العام الماضي، احتجاجاً على تردّي الأوضاع المعيشية، التي وصلت حدّ شعور العديد من السكان بالجوع، نتيجة الارتفاع الجنوني للأسعار، على خلفية انهيار العملة الوطنية، وتأثير كورونا، واستمرار الإخفاق الحكومي.

يعدّ التيار العوني المعطل الأساسي لتشكيل الحكومة، بسبب الخلاف على حصّة الوزراء المسيحيين، وربما لا يريدون من الأساس سعد الحريري رئيساً للوزراء

ومن مدينة طرابلس، يقول المسؤول التنظيمي لقطاع الشباب في تيار المستقبل، علاء أرناؤوط: "الاحتجاجات قامت بسبب الفقر المدقع والبطالة الكبيرة، وإغلاق البلد، وهناك جهات استغلت الغضب الشعبي، واندسّت بين المتظاهرين وارتكبت أعمال العنف، لإيصال رسائل سياسية للرئيس المكلّف، سعد الحريري، عبر بيئته الحاضنة، وهو سيناريو متكرّر".

وفي السياق ذاته، يقول الكاتب والباحث السياسي اللبناني، عاصم عبد الرحمن: "هناك مَن أراد جعل طرابلس صندوق رسائل بين جهات متعددة ومختلفة، وهو ما يدعو إلى التيقظ من خطورة الانفلات الأمني وإيقاظ الخلايا النائمة، وإحراق دار البلدية والمحكمة الشرعية ليس من عمل الطرابلسيين، بل غرباء عن أهلها وشيمها، ولعلّهم أولئك الذين يتحرّكون بإشارات من الخارج والداخل، من أجل تحقيق أهداف سياسية مشبوهة".

اقرأ أيضاً: هل تجاوز لبنان أزمة الدعم والانفجار الاجتماعي؟

ووصف تقرير لموقع "إندبندنت عربية"، عن احتجاجات العام الماضي، حال سكان المدينة، على لسان قدامى أهلها، بمن فيهم الصحفيين الذين غطّوا أحداث الحرب الأهلية والصراع الذي تلاها، بأنّه "لم يسبق لهم أن رأوا هذا القدر من الإحباط والتوتر في المدينة".

وبعد مرور عشرة أشهر على ذلك؛ زادت الأوضاع الاقتصادية سوءاً، وشهدت لبنان انفجار مرفأ بيروت، في آب (أغسطس) الماضي، وتسارع نفاد الاحتياطي النقدي، وواصلت الليرة هبوطها أمام الدولار، ولم تفلح المبادرة الفرنسية في تشكيل حكومة اختصاصيين تعيد الثقة في البلاد أمام المجتمع الدولي، الذي يأس من ألاعيب ساسة لبنان، خاصة التيار العوني وحليفه حزب الله، وتقلّصت المساعدات الإنسانية، في ظلّ تنامي عجز الدولة عن مواجهة تفشي جائحة كورونا.

المسؤول التنظيمي لقطاع الشباب في تيار المستقبل، علاء أرناؤوط

وبحسب تقرير للأمم المتحدة، قارن بين أوضاع السكان المعيشية في عامَي 2019 و2020، فقد ارتفعت نسبة الفقر من 19.8% إلى 32%، والفقر المدقع من 8.1% إلى 23.2%، وانخفضت نسبة ذوي الدخل المتوسط الأدنى من 45.6% إلى 35.2%، ونسبة ذوي الدخل المتوسط الأعلى من 11.5% إلى 4.6%، وانخفضت نسبة الميسورين من 15% إلى 5%.

اقرأ أيضاً: تجدد الاشتباكات في طرابلس اللبنانية... ما الجديد؟

ويكشف التقرير السابق انخفاضاً شاملاً في دخل جميع الفئات اللبنانية، الذين فقدوا مدّخراتهم في البنوك، إلى جانب تآكل القيمة الشرائية للعملة الوطنية، وانهيار الاقتصاد، وفقدان الوظائف، وأثر ذلك سلباً على الأعمال الخيرية التي كانت حائلاً أمام الجوع، عبر تقديم الوجبات الغذائية في المناطق الأشدّ احتياجاً، خاصة في طرابلس.

لعيون صهر الجنرال

ولا يملك لبنان رفاهية تضييع الوقت في ألاعيب السياسة، التي يحيكها رئيس الجمهورية، ميشال عون، وتياره الوطني الحرّ، برئاسة جبران باسيل، الذين يستغلون الأزمة لضمان خلافة باسيل لعون في الرئاسة، على الرغم من العقوبات الأمريكية على باسيل، بتهم الفساد.

الكاتب عاصم عبد الرحمن لـ"حفريات": أيّ انفجار اجتماعي قد تشهده طرابلس لن يعود برداً وسلاماً على بقية المناطق، بل سيمتدّ إلى كلّ مكان

ويعدّ التيار العوني المعطل الأساسي لتشكيل الحكومة، بسبب الخلاف على حصة الوزراء المسيحيين، وربما لا يريدون من الأساس سعد الحريري رئيساً للوزراء، على رأس حكومة اختصاصيين، تحظى بدعم إقليمي ودولي، تطيح بآمالهم في التحكّم بوزرائها، كما فعلوا مع حكومة حسان دياب.

ويربط المسؤول التنظيمي لقطاع الشباب في تيار المستقبل احتجاجات طرابلس بتعطيل تشكيل الحكومة، ويقول لـ "حفريات" إنّ "مَن يقف وراء العنف في طرابلس يريد إجبار الحريري على التنحي عن تأليف الحكومة، وتيار الرئيس هو صاحب المصلحة في ذلك، مدعوماً بغطاء حزب الله".

وحذّر الباحث السياسي، عاصم عبد الرحمن، في حديثه، لـ "حفريات"، من خطورة إدخال التنظيمات المتشدّدة على خطّ الأزمة، "طرابلس إحدى أكثر المدن فقراً في حوض المتوسط، وهو ما يغري المتربّصين لإدخالها في دوامة عنف مجهولة النهاية، ربما بهدف إقامة مشروعات ما على أنقاضها، خاصة لو أُدخلت التنظيمات المتشددة بهدف إظهارها بصورة التشدّد والإرهاب".

زيارة الحريري لمصر ضمن جولاته الإقليمية

ويستدلّ عبد الرحمن على وجود يد سياسية وراء العنف، برفض رئيس الجمهورية انعقاد مجلس الدفاع الأعلى، لبحث تداعيات ما حدث.

ولا ينسى اللبنانيون مقولة ميشال عون، عام 2009، "لعيون صهر الجنرال ما تتألف حكومة"، وهو ما تكرر في عملية التأليف اليوم.

الأمل الأخير

وليس أمام لبنان سوى تشكيل حكومة قادرة على طرح برنامج اقتصادي متكامل، يشرع في معالجة الكارثة الاقتصادية، ويقول عاصم عبد الرحمن، عن تشكيلة حكومة الحريري: "تحظى بدعم دولي وإقليمي كبير، وهو ما يبشر بفتح باب المساعدات الخارجية، واستقطاب الاستثمارات العربية والأجنبية، والتي من شأنها أن تستنهض ما تبقى من لبنان، وتطلق رحلته العلاجية على جميع الأصعدة".

اقرأ أيضاً: جرحى في مواجهات بين متظاهرين والأمن اللبناني اعتراضاً على هذا القرار

ولا يعارض حزب الله تشكيل الحكومة وفق المبادرة الفرنسية، لكنّه يشارك في التعطيل، عبر دعمه للرئيس عون، وباسيل، ويتابع عبد الرحمن: "يجد الحزب في تشكيل الحكومة باباً يُفتح أمام تدفق المساعدات الخارجية، علّها تخفّف احتقان بيئته المتزايد يوماً بعد يوم، ولكن لا يبدو أنّه يبذل الجهد المطلوب لدى حليفه رئيس الجمهورية، لفكّ أسر الحكومة من سجن المصالح العائلية".

ويرى علاء أرناؤوط؛ أنّ "تشكيل الحكومة لن يحدث إلا عبر تدخّل دولي وإقليمي؛ لذلك تأتي زيارات الحريري للدفع نحو التشكيل". ويردف: "لن يجلب التشكيل حلاً سحرياً، لكنّه سيأخذ البلد إلى مسار الإصلاح، الذي سنعاني من وطأته، لكن لا حلّ سوى خطة إصلاح حقيقية، بالاتفاق مع صندوق النقد، تشمل دعم الأسر الأشد احتياجاً، وإصلاح سعر الصرف، وجذب الاستثمارات".

الانفجار الاجتماعي الشامل

وعقب أحداث طرابلس؛ حذّرت مجموعة الأزمات الدولية من مخاطر انزلاق لبنان إلى فوضى شاملة "إذا استمرّ الانحدار الاقتصادي بالهبوط، أو أدّت تدابير تقشف جديدة، مثل خفض الدعم عن السلع إلى زيادة الضغوط الاجتماعية، فقد يتزعزع الاستقرار في البلاد بشكل خطير".

الكاتب والباحث السياسي، عاصم عبد الرحمن

ورأت المجموعة في أحداث طرابلس "صورة لما ينتظره لبنان في الأشهر المقبلة"، ويعقّب المسؤول التنظيمي لقطاع الشباب في تيار المستقبل، علاء أرناؤوط، بأنّ "نفاد الاحتياطي بات هاجساً لدى اللبنانيين، الذين يتساءلون عن (سعر الخبز والبنزين) حال نفد، ما يهدّد بتفاقم الأمور المضطربة في الأساس، ويجرّ البلاد إلى فوضى كبيرة ستدفع بحزب الله إلى توظيف سلاحه، لأنّه يعارض أيّ احتجاج، ويتعاطى بتخريب مظاهرات أصحاب الحقوق المشروعة، وما اغتيال الناشط لقمان سليم ببعيد، الذي يعدّ رسالة لمن يفكر في الثورة".

اقرأ أيضاً: اللبنانيون يفضلون كورونا على الجوع... تظاهرات ضد الإغلاق

ويتفق الكاتب عاصم عبد الرحمن مع تحذيرات مجموعة الأزمات الدولية من أنّ "أيّ انفجار اجتماعي قد تشهده طرابلس لن يعود برداً وسلاماً على بقية المناطق، بل سيمتدّ إلى كلّ مكان في لبنان؛ إذ تحقق الأزمات المعيشية المساواة بين جميع اللبنانيين".

وأشار عبد الرحمن إلى توقيع اتفاق بين العراق ولبنان بشأن تبادل 500 ألف طنّ من زيت الوقود الثقيل لمحطات الكهرباء، مقابل سلع محلية، كبادرة أمل لتأجيل الانفجار الاجتماعي، وحذّر من أنّ "الحلول المالية والاقتصادية الترقيعية  للأزمات المتجذرة في عمق الدولة اللبنانية، سوف تتمزق على صخرة الاحتجاجات الشعبية التي ستنفجر عاجلاً أم آجلاً".

الصفحة الرئيسية