لاهوت الضحك بين عبوس الفقيه ومرح العامي (2-2)... هزل الفقراء والعامة

لاهوت الضحك بين عبوس الفقيه ومرح العامي (2-2)... هزل الفقراء والعامة

لاهوت الضحك بين عبوس الفقيه ومرح العامي (2-2)... هزل الفقراء والعامة


27/04/2026

تتجلى مفارقة الضحك بين صرامة السلطة الدينية المتجهمة وبين هزل العامة الصاخب في تباين منطق التدين؛ فبينما يستميت الفقيه والمؤسسات الرسمية في تكريس "الوقار"، ينصرف الوجدان الشعبي بالفطرة نحو البحث عن "الأنس". هنا  لا يُعدّ الضحك خروجًا عن النص الديني، بقدر ما هو وسيلة لـ "أنسنة" العلاقة مع المقدّس وجعلها أكثر قربًا ودفئًا. يتضح هذا المنطق بجلاء في الموروث الشعبي، ولا سيّما المصري، حيث لا يُنظر إلى الخالق كقوة مرعبة، بل كربٍّ كريم تباسطه الفطرة العفوية للناس، حتى تصل أحيانًا إلى حد المزاح أو العتاب الضاحك. وهو ما نلمسه بوضوح في الموالد التي يختلط فيها الذكر بالبهجة، حيث يعامل "الولي" كصديق مقرّب يُخاطب بلهجة عامية بسيطة، إيماناً بأنّ قلبه منبسط يحب الفرح. من هنا يتحول الهزل في جوهره السوسيولوجي إلى فعل حياة ومقاومة؛ إذ يمارس عملية نزع القداسة عن الأفكار المتطرفة والمستبدة. فحين تصبح الإيديولوجيا، التي تقتات على الترهيب، مادة للسخرية، فإنّها تفقد حصانتها الرمزية، ممّا يؤدي بالضرورة إلى كسر هيبتها في المخيال العام.

وتتقاطع هذه الروح الشعبية مع تحليل "ميخائيل باختين" لثقافة الهزل، فقد رأى فيها لغة مستقلة تمامًا عن لغة الكنيسة والدولة؛ لغة تجسد "الضحك الكوني" الذي لا يستهدف فردًا بعينه، بل يشمل الجميع، بما فيهم الساخر نفسه، ليرى العالم في كليته وفي جانبه المرح والبهيج. ومن خلال مفهوم "الواقعية القبيحة" أو "الجروتيسك"، تعمل هذه الثقافة على تحطيم اللغة الرسمية التي تُقدّس الروح على حساب الجسد؛ إذ يتم التركيز هنا على الجسد في حالة تحوله الدائم، ذلك الجسد الذي يبتلع العالم ويُبتلع منه، في رد فعل صريح على القوالب الكلاسيكية الجامدة والمستقرة.

يغدو الضحك الشعبي عند "باختين" الأداة التي تعلن نسبية الأشياء وقابليتها للتغيير، وذلك في مواجهة المؤسسات التي تدّعي امتلاك "الحقيقة النهائية"؛ فهو الفعل الذي يحرر الإنسان من الرقابة الداخلية ومن الخوف أمام المقدّس والسلطة، فاتحًا الطريق لمستقبل جديد بوصفه النقيض المباشر للرهبة الدينية.

وقد كانت الساحات العامة والأسواق هي المكان الذي ولدت فيه لغة الحرية، بعيدًا عن صرامة القصور ودور العبادة؛ حيث تلاشت قيود التراتبية الطبقية، وسمحت للناس بالتواصل كبشر متساوين عبر لغة غنية بالمداعبات الفظة والمحاكاة الساخرة. وتصل هذه الثقافة إلى ذروتها في المحاكاة الساخرة للمقدّس، أو ما يُعرف بـ 'الباروديا المقدّسة'؛ حيث يستشهد باختين بنصوص كانت تحاكي صلوات الكنيسة وطقوسها بأسلوب هزلي. ولم يكن القصد من هذه المحاكاة الرفض أو الكفر، بل السعي لإخراج الدين من دائرة الجمود الميت إلى فضاء الحياة المتجددة؛ فكان الضحك بمثابة 'العطلة الضرورية' للعقل البشري، لكي يستمر في تحمل صرامة النظام الرسمي وقيوده الثقيلة.

يحتفي التدين الشعبي بشخصية 'المجذوب' أو الشيخ الضاحك، في رمزية عميقة تشير إلى كونه كائنًا "رُفع عنه القلم"؛ ليصل بذلك إلى حقيقة تجعله يضحك من الدنيا وتعقيدات الفقهاء. فضحكه هو "ضحك العارف" الذي أدرك ببصيرته تفاهة الصراعات البشرية. وضمن هذا السياق طوع العقل الجمعي "النادرة" والفكاهة كأدوات تعليمية؛ فجاءت حكايات "جحا والقاضي" كتمثيل لنقد ديني وسياسي مغلف بالمرح، بينما أُعيد إنتاج قصص الأنبياء شعبيًا بلمسات إنسانية جعلتهم أقرب للناس من السرديات التاريخية الجافة. هذا المنزع يجسد 'الكرنفالية' التي وصفها باختين، حيث يضحك الناس من الموت والفقر وحتى الدين والملائكة والشياطين، في عملية تطهير نفسي تحمي الإنسان من التحول إلى آلة تعبدية يقتلها الخوف؛ محولاً الدين من قانون للعقاب إلى فضاء للمحبة والأنس.

كذلك، تُعدّ الأمثال الشعبية ديوانًا حقيقيًا لهذه الفلسفة؛ فمثل "ساعة لقلبك وساعة لربك" يمثل الدستور غير الرسمي الذي يعترف بازدواجية الكائن البشري وحاجته للسمو والترويح في آنٍ واحدٍ، تمامًا كما يرفع مثل "ربنا ربّ قلوب" أولوية الجوهر على المظهر، كاسرًا سلطة الرقيب الخارجي لصالح البصيرة الداخلية. وحتى في مواجهة الألم يبرز الضحك الوجودي في مثل "الضحك على الشفايف والقلب فيه مية علّة" كنوع من الصبر الجميل والمقاومة ضد انكسار الروح. أمّا النكات الشعبية، فهي الرادار الحقيقي للمسكوت عنه في المجتمعات، واختيار هذه النكات الساخرة للثالوث المحرم (الدين، الجنس، السياسة) ليس مصادفة، بل يعود لأسباب نفسية واجتماعية عميقة كسرت حاجز الخوف والقلق، وتمثل هذه التابوهات الثلاثة أكبر مصادر القيود في حياة الإنسان؛ فالسياسة ترتبط بالسلطة والخوف، والدين يرتبط بالمقدّس والغيبي، والجنس يرتبط بالخجل والخصوصية. الضحك هنا يعمل كآلية دفاعية؛ فعندما نسخر من شيء مخيف أو محرّم، نحن في الواقع نجرده من هيبته ونكسر حدة التوتر تجاهه.

تقوم النكتة بوظيفة التعرية؛ فهي تضع الشخصيات السياسية أو المواقف الدينية المتشددة في سياقات بشرية عادية جدًا ومضحكة، ممّا يعيد الأمور إلى حجمها الطبيعي بعيدًا عن المثالية الزائفة. فعندما تضحك مجموعة من الناس على نكتة تتناول "تابو" معين، ينشأ بينها نوع من التضامن السرّي. الضحك المشترك يعني: "نحن جميعًا ندرك وجود هذا الخط الأحمر، ونحن جميعًا نتشارك المشاعر نفسها تجاهه"، وهذا يقلل من شعور الفرد بالعزلة أمام ضغوط المجتمع أو السلطة. لقد كانت الكوميديا السوداء، أو النكتة السياسية/الدينية، دائمًا أقوى سلاح استخدمته الشعوب لمواجهة التشدد. الضحك هنا ليس مجرد تسلية، بل هو أداة معرفية تكشف التناقض بين ادعاء المتشدد بالفضيلة، وبين ما يفعله من غلظة وما يحكم سلوكه من تناقض.

من الصعب في هذا الحيز الضيق حصر تلك النكات التي يتداولها الناس، وينفجرون بها ضحكًا لمواجهة "التابوهات" التي تسيطر على حياتهم وتقهرهم؛ فالمساحة المتاحة هنا لا تتسع لهذا الكم الهائل من النوادر الساخرة، فضلاً عن القيود الأخلاقية والقانونية التي غالبًا ما تتربص بحق الضحك. ففي الساحات العامة يطلق الشعب ضحكاته بذكاء فطري، مصدّرًا نكاته بعبارة "قالك" (يقولون)، ليدخل بعدها مباشرة في صلب النقد الساخر للدين أو رجاله. وبهذه الصيغة يفلت الجميع من المحاكمة؛ فالمتحدث ليس هو القائل، بل هو مجرد ناقل عن ذاك الطرف المجهول "قالك". تلك هي آلية الدفاع القانوني والاجتماعي في التراث الشفهي؛ فالمجهول هو القائل دائمًا، وعليه، فهناك دائمًا طريقة ما لهروب الشعوب من قمع السلطة ومحاكماتها. 

ورغم صعوبة الحصر التي أشرنا إليها، يمكننا على الأقلّ استعراض ختامي لخارطة الموضوعات التي تطرقها النكتة الدينية؛ فهي تمتد لتشمل الفقهاء المتلاعبين والمحتالين الخاضعين للسلطان، وتصل إلى الشعائر كالصلاة والصوم، بل تتجرأ أحيانًا على النص الديني والرسل أنفسهم. إنّ الفقراء، ببساطة، يضاحكون السماء بكل ما فيها.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية