كيف عاين جمال حمدان قضية الخلافة في العالم الإسلامي؟

كيف عاين جمال حمدان قضية الخلافة في العالم الإسلامي؟


24/01/2022

لم يبذل دعاة الإسلام السياسي ومفكّروه ما بذلوه في سبيل الدعاية لقضية الخلافة الإسلامية، حتى رأتها بعض الحركات الإسلامية المخضرمة، كالإخوان المسلمين، فريضة الدين وشعيرته الكبرى، ودندن حول تلك الشعيرة المفترضة دعاة وكتّاب كثيرون، حتى أصبحت في الضمير الجمعي، تحت الإلحاح والدعاية، ربما في وعي كثيرين، فريضة غائبة وشعيرة تجب الدعوة إليها والعمل على الوصول إليها.

وبالرغم من أنّ كتابات كثيرة فنّدت تلك المقولات، لتعيد للوعي الجمعي إدراكه بأنّ هذا الشكل من أشكال الحكم لم يكن فريضة دينية أو شعيرة من شعائر الدين، بل كان مجرّد تطور لشكل الدولة سياسياً، تواكب مع بزوغ أنوار الوحي والتجربة النبوية، التي بدت شكلاً مغايراً لكلّ ما تلاه من أشكال ادّعت خلافة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

اقرأ أيضاً: جمال حمدان: فيلسوف عبقرية المكان

ويلفت فيما كتب عن تفنيد مقولات الخلافة ما خطه د. جمال حمدان، وكشف عنه الجغرافي النابه د. عاطف معتمد، في دراسة نادرة عن رأي الدكتور جمال حمدان في الخلافة الإسلامية؛ فماذا كتب جمال حمدان عن الخلافة الإسلامية؟

في كتاب صغير لا يزيد عن 200 صفحة من القطع الصغير، وتحت عنوان "العالم الإسلامي المعاصر"، الذي ربّما اختار الناشر عنوانه ليؤكّد أنّ الكتاب قصد بشكل مباشر جغرافية العالم الإسلامي.

نظرية الوحدة الإسلامية

قسّم حمدان موضوعه إلى أربعة فصول، قد لا تغري الفصول الثلاثة الأولى كثيرين بالصبر على قراءتها بتمعّن، نظراً إلى كونها بحثاً تفصيلياً في جغرافية انتشار الإسلام وتوزيعه على القارات والأقاليم، صحيح أنّ حمدان يكتب هنا بلغته وأسلوبه الخاص، لكنّه يبقى أسير المعلومات والخرائط، ويتحرّك بعقلية الباحث الملتزم بالمراجع والمصادر.

استغلّ الاستعمار التركي الخلافة مطية وواجهة لاكتساب الشرعية، وباسم الدين نجح في فرض استعماره الغاشم على المسلمين، ولم تكن الدعوة للخلافة سوى شكلية اسمية، أُفرغت من محتواها الأصيل

أما الفصل الرابع والأخير، والذي يحمل عنوان "نظرية الوحدة الإسلامية"؛ فهو ملعب حمدان الأثير، حيث ينطلق مغرّداً في الربط والتحليل، المستمدّ من صفاء ذهني خلا من التشويش والتأثير اللذين أصابا باحثين كثيرين، أعانته على ذلك خلوة مثمرة استمرت لثماني سنوات.

يكشف د. جمال حمدان رؤية جديدة في النظر لتلك القضية، تتلخّص في الآتي:

1-الإسلام ليس أول الأديان التي تتخذها السياسة قناعاً وستاراً؛ فالتاريخ حافل بنماذج كثيرة، مثل الحركات الصليبية التي كانت استعماراً متنكراً بشعار الصليب، وليس الاستعمار الأوروبي الحديث إلا شكلاً من أشكال تلك الحركات، ورغم أنّ الإسلام لم يعرف هيراركية كهنوتية أو وساطة بابوية، إلا أنّ تاريخه لم يخلُ من قدر من التداخل بين الدين والدولة، الأمر الذي تسبّب في استغلال الدين لخدمة السياسة أو تغطية أغراضها، وما الفرق الدينية والشيَع والطوائف التي تكاثرت فجأة في صدر الإسلام وما بعده، إلا تحزّبات وتحيّزات سياسية وصراعات على السلطة والحكم وما يزال أثرها باقياً إلى اليوم.

العالم الإسلامي ليس وحدة طبيعية

2- فيما عدا الوحدة الدينية المؤكدة، إلّا أنّ العالم الإسلامي ليس وحدة طبيعية، فالإسلام منتشر في بيئات متنوعة ومختلفة لا يجمعه نمط بيئي واحد (أقاليم استوائية ومدارية وإستبس وصحارى وغابات ومناطق ساحلية وقارية سهلية وجبلية حارة وباردة، …إلخ)، كما أنّ العالم الإسلامي ليس وحدة بشرية جامعة؛ ففيه مئات اللغات والأجناس والسلالات والقوميات، ما قد يجعله متحفاً بشرياً أو نمطاً يشبه الموزاييك (قوقاز وزنوج درافيديون وملاويون مغول وعرب وترك وفرس، ..إلخ)، وكلّ من هذه، أو بعضها، قابل للقسمة إلى مزيد من التفريعات والتصنيفات، باختصار العالم الإسلامي ليس وحدة حضارية بالمعنى الأنثروبولوجي الكامل للمصطلح.

3- تسمية العالم، في حدّ ذاتها، تسمية نافية للوحدة؛ فهذه التسمية دليل على ما فيه من تفاوت وتباين، بل وتنافر وخلاسية، في أبعاده غير الدينية. إنّ العالم الإسلامي، باختصار، قطاع عرضي كامل من العالم القديم بقارّاته الثلاث، أو نموذج مصغّر لذلك العالم القديم.

4- رغم أنّ العصور الوسطى هي عصر الدين بامتياز، سواء في الشرق أو الغرب، إلا أنّ الخلافة التي كانت تجسّد وحدة العالم الإسلامي مركزياً، في العصر البطولي للإسلام، إبان الدولة العربية الإسلامية، شهدت تفكّكاً وتعدداً، وانقسم العالم الإسلامي إلى عدد سريع التغير من الدول المنفصلة المستقلة، وأحياناً هوت هذه إلى زحمة مربكة كرقعة الشطرنج من الدويلات والإمارات والأتابكيات، حتى فقد العالم الإسلامي وحدته السياسية الأولى، ولعلّ جزءاً من السبب في هذا التفتيت، أنّ نطاق العقيدة كان قد اتسع كثيراً عما كان عليه في صدر الإسلام، ولم تعد قاصرة على تلك الكتلة الأرضية المتصلة المندمجة، بعد أن قفز الإسلام عبر حدود الصحارى هنا وعبر البحار هناك.

اقرأ أيضاً: من هو جمال حمدان الذي تنبأ بمستقبل قاتم لنهر النيل في مصر؟

5- لعبت الأخطار الخارجية ضدّ العالم الإسلامي دوراً في تغذية الاتجاهات الجاذبة ذات النزعة المركزية، من أجل إعادة لمّ شتاته وتوحيد المبعثر منه، وكان من أهم تلك الأخطار الخارجية (الصليبيات)، رغم دوافعها الكامنة كاستعمار اقتصادي خبِئ، وهنا فقط بدأت ردة الفعل في صورة دينية، وتلخّص الصراع في مبارزة ملحمية ومصيرية بين الإسلام والمسيحية، وحتى هذه الوحدة التي أثارتها الصليبيات لم تتجاوز مصر والشام.

6- إذا اعتبرنا أنّ ما كتبه ابن تيمية في القرن الرابع عشر (ومن بعده تلميذه ابن قيم الجوزية) مثالاً على أفكار الوحدة الإسلامية، باعتبارهما عند جمهرة الفقهاء المحدثين أول دعاة الوحدة الإسلامية، فإنّ ما دعيا إليه في الحقيقة جاء صدى لعصر تفكّك الدول الإسلامية وتمزّقها، وعصر الأخطار الخارجية المحدقة، وإذا تفحصنا ما قدموه فلن نجد أنهم وأمثالهم نادوا بدولة إسلامية عالمية موحّدة، إنما بشيء أشبه "باتحاد كونفدرالي" يجمع العالم الإسلامي جميعاً، لكنّ شيئاً من ذلك لم يتحقق.

كيف استغلّ الاستعمار التركي الخلافة؟

7- استغلّ الاستعمار التركي الخلافة مطية وواجهة لاكتساب الشرعية، وباسم الدين نجح في فرض استعماره الغاشم على المسلمين، وعلى أساس الدين ونظام الملّة الذي ابتدعه لم ينجح إلا في أن يفاقم مشكلة الطائفية ويبلورها في العالم العربي، لم تكن الدعوة للخلافة سوى شكلية اسمية، أُفرغت من محتواها الأصيل كوعاء للوحدة الإسلامية، وعلى ذكريات الصليبيات استطاع الأتراك العثمانيون أن يستعمروا فكرة الخلافة ويستثمروها، كي تعطي شرعية دينية لسيطرتهم الجديدة في العالم الإسلامي، هذا على الرغم من أنّ العثمانية لم تشمل، على اتساعها، إلا قطاعاً في غرب العالم الإسلامي، أما إلى الشرق من جبال زاجروس في إيران فقد تعدّدت الدول وأجزاء الدول الإسلامية المستقلة.

 كما أنّه ليس صحيحاً أنّ الخلافة العثمانية قد أعادت جوهر الوحدة الإسلامية؛ ففيها لم يكن "المؤمنون أخوة" عند أمير المؤمنين في أيّ معنى، وإنّما الصحيح أنّ العثمانية استعمار ديني تخفّى وراء وحدة الدين، لكنّه جعل من أقاليم الدولة توابع ومستعمرات حقيقية للمركز في عاصمة تلك الدولة.

8- كما استثمرت الدولة العثمانية الخلافة في بدايتها لتفرض نفسها، فإنّها سعت إلى تجنيدها في النهاية لتمنع انهيار الدولة العثمانية حين عادت أوروبا، ليس في صورة حملات صليبية بل في صورة استعمار واسع شامل مزود بحضارة وقوة جديدة، لتطوّق العالم الإسلامي من خلف ومن أمام، من البحر والبرّ، وذلك مع بداية عصر الاستعمار الحديث وبوجه خاص بعد الانقلاب الصناعي، وبعكس الصليبيات لم يعد هذا تلاقي الأكفّاء أو الأنداد، إنّما كان الإسلام متخلفاً متكلّساً في حضيضه الحضاري والسياسي، وبدأ العالم الإسلامي يتهاوى ركناً بعد ركن، ويتداعى بصورة كاسفة، هنا فقط أعادت العثمانية فكرة الخلافة لتنقذ نفسها، لقد وقع العالم الإسلامي كلّه تحت الاستعمار البريطاني، فيما عدا اليمن وقلب الجزيرة العربية، ليس لأنّه مهد الإسلام، إنما لفقره وعدم حاجة الاستعمار إليه آنذاك.

جمال حمدان: الإسلام ليس أول الأديان التي تتخذها السياسة قناعاً وستاراً؛ فالتاريخ حافل بنماذج كثيرة، مثل الحركات الصليبية، وليس الاستعمار الأوروبي الحديث إلا شكلاً من أشكال تلك الحركات

9- تجلّت أهم تلك الحركات السياسية المتّشحة بالدين في الصحراء؛ حيث شيوخ الطرق وحيث الدعوة للجهاد، واندلعت كالعدوى الصحّية، وإن ظلّت كالدوامات المحلية المنفصلة، على يد رجال الدين من مرابطين ودراويش وشيوخ وملالٍ في مدارس وزوايا وخلوات، يبدأ كلّ منها في مشتل صحراوي بعيداً عن يد الاستعمار، ثم لا تلبث أن تخرج من مشاتلها إلى المعمورة، وتتعدى تعاليمها إلى الكفاح المسلح لتحرير الإسلام والمسلمين، وكان أبرز أمثلة ذلك الوهابية في صحراء نجد، والسنوسية في صحارى شمال أفريقيا، والمهدية في سافانا السودان، وتعدّى تأثير بعضها رقعته الجغرافية، كإشعاعات الوهابية في بلاد الهند والأفغان.

10- إنّ الدعوة الحماسية للخلافة الإسلامية حالة متوقعة، يتخندق فيها الإسلام المثخن بالجراح في حمى الدين، ويتّخذ العمل السياسي من أجل الكفاح التحرري شكلاً دينياً، لا سيما أنّ الإسلام نفسه كعقيدة تعرّض حينذاك لحملات لا مثيل لها، وتعرّض لموجة أقرب إلى الصليبيات الجديد، وكما في الصليبيات تحوّل العالم الإسلامي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر إلى خلية عارمة، تزخر بالحركات الدينية والتيارات والدوّامات السياسية، وتنادي بالوحدة الإسلامية الكبرى، وتتخذ بوصلتها الماضي الإسلامي البطولي.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية