
جاءت الحداثة بالطابع العالمي مع الثورة الفرنسية مستندة في ذلك إلى المنطق الإنساني وسيادة كل فرد، وأدواتها المتفوقة حضاريًا، وتقديمها لنفسها باعتبارها ممثلة الإنسانية. وخضوع الدولة العثمانية للعديد ممّا تطرحه وتفرضه الحداثة والدول الأوروبية جعلها تمثل تهديدًا صريحًا للذات العربية/الإسلامية حينها. واستغلت السلطنة العثمانية هذا التهديد لصالحها، وسعت لبناء شرعية دينية لها، لافتقادها الشرعية الواقعية التي يقرها الأفراد من وجود نظام حكم وإدارة مُرضٍ لهم.
ومن خلال تدخل الدول الأوروبية وسعيها لبلورة التقدم في صورتها سعت السلطات العثمانية إلى صياغة نمط الخلافة كنمط حكم إسلامي يحافظ على الهوية العرقية الإسلامية، وسبيل التقدم الحضاري للمجتمعات الإسلامية. ومثل هذا التصرف الذي سعت إليه السلطنة العثمانية يوضح مدى غياب الشرعية الواقعية للسلطنة العثمانية، ويتضح هذا مع الفيلسوف المصري أحمد لطفي السيد (1872-1963) وموقفه من السلطنة العثمانية والأتراك، ورأى أنّهم لا يختلفون كثيرًا عن أيّ قوة استعمارية تنهب ثروات البلاد لمصلحتها، ويقول صراحة: "سيادة تركيا لا تجلب لمصر منفعة ولا تدفع عنها مضرة، ولا تستطيع أن تنقذها من الاحتلال البريطاني الذي لا يمكن الخلاص منه إلا بتضافرنا والاعتماد على أنفسنا"، وهي رؤية توضح الغياب الفعلي للسلطنة العثمانية التي دفعتها للبحث عن مبرر ديني لحكمها، وهي حيلة معروفة لأيّ سلطة غير مرضية لشعوبها.
مدى الحضور الفعلي للسلطنة العثمانية
في الوقت الذي كانت تطالب فيه السلطنة العثمانية بالاعتراف بها كسلطة دينية تمثل الدين الإسلامي، وتحمي الأمة من الضياع، وتضع نفسها كدرع أخيرة للهوية الإسلامية، كان حضورها يُشبه الغياب؛ فقد كانت الدول الإسلامية في معظمها تحت الاحتلال، فمصر كانت تحت الاحتلال الإنجليزي، وليبيا تحتلها إيطاليا، ولبنان تحتله فرنسا... إلخ، وهذا ما يجعل حضورها صوريًا لا أكثر.
وعلى الرغم من الغياب الفعلي للسلطنة العثمانية، إلا أنّ حالة التهديد التي مثلتها الحداثة والتوغل الإمبريالي ومساعي السلطنة العثمانية إلى صياغة حكمها بوصفه الحكم الشرعي، خلقت تعاطفًا كبيرًا وإيمانًا بالسلطنة العثمانية، إلى حد دفاع الطائفة الإسماعيلية الشيعية عن السلطنة العثمانية السنّية بوصفها ممثلة لنظام الحكم الإسلامي.
وربحت السلطنة العثمانية هذا السجال إلى أن أصبح موضع الشك في الشرعية الدينية للخلافة العثمانية عام 1914 نادرًا، وهذا الإيمان جعل الحدث الأعظم في الفكر الإسلامي الحديث هو إلغاء الخلافة باسم السيادة الوطنية، حيث مثلت هزيمة للدين الإسلامي وهوية الأمة، وتراجعًا تجاه الحضارة المنشودة للأمة، وجاء مردود ذلك نشأة أكثر الجماعات السياسية الإسلامية تأثيرًا في الحقبة المعاصرة وهي جماعة الإخوان المسلمين التي عرضت مشروعًا سياسيًا موازيًا لسقوط الخلافة، يسعى للحفاظ على العقيدة الإسلامية وإحياء نمط الخلافة الإسلامية، وظهر في هذه الأثناء أيضًا كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ علي عبد الرازق؛ الذي يعلن فيه عدم ورود الخلافة كنمط للحكم الإسلامي في الإسلام.
وبموجب صياغة السلطنة العثمانية الخلافة كنظام إسلامي يحمي الهوية الإسلامية، مثل إلغاء الخلافة العثمانية في 3 آذار/مارس 1924 مستوى آخر من التهديد الهوياتي للذات العربية الإسلامية، فقد مثل إلغاء الخلافة بالنسبة إليها هزيمة سياسية ومعرفية وعقائدية، وذلك لما كرّسته السلطة طوال تاريخها من استغلال القرآن لإثبات صلاحيتها الدينية، حتى أضحت الخلافة تمثل ركنًا من أركان العقيدة. وعرف العقل الإسلامي نمط الدولة من خلال الدين الإسلامي، بل تم إنشاؤها من أجل الدين، وزرعت الدولة الأموية، ومن بعدها العباسية مفهوم الدولة بوصفها حامية للعقيدة والعرق.
رشيد رضا وبلورة الخلافة كسبيل للحضور والتقدم
في هذه الأثناء رأى محمد رشيد رضا (1865-1935) في تحويل الخلافة السياسية إلى خلافة روحية وإعطاء كل دولة سيادتها الوطنية بدعة يمكن أن تؤدي إلى الفتنة، وأثناء بحث رشيد رضا عن مخرج للأمة الإسلامية من أزمة سقوط الخلافة، وقد تزامن مع سقوط الخلافة التحالف بين شيوخ الوهابية وآل سعود، تبلورت في ذهنه التجربة الوهابية كتجربة ناجحة في مواجهة بدعة السيادة الوطنية التي ستشتت الأمة.
ورأى رضا في الخلافة صونًا للهوية والحياة الإسلامية، يقول: "إنّ السبب الأول لكون الدولة البريطانية هي الخصم الأكبر الأشد الأقوى من خصوم الخلافة الإسلامية، هو أنّها تخشى أن تتجدد بها حياة الإسلام"، من هنا صيغت أنماط الحكم التي تعمل بمبدأ السيادة الوطنية بوصفها أنماطًا تبلورت للتآمر على الإسلام والحياة الإسلامية والنيل منهما، لذا جعل رضا نواة مشروعه الأساسية تأسيس حكومة إسلامية خالية من كل التقاليد والقوانين الإفرنجية التي ما أنزل الله بها من سلطان.
وعليه أصبح إنقاذ الأمة الإسلامية في عودة الخلافة، خاصة أنّ الانجليز هدفهم الرئيس تفتت الأمة وتغريبها، ومن ثم عليها أن تقف لهذا الهدف وتعود إلى أصولها الدينية، وأعاد الاعتبار للوهابية وتبنّى الدفاع عنها، في الوقت الذي كان يسعى فيه إلى عقلنتها بعض الشيء، وكان تحوله من حالة العقلانية والتجديد إلى الوهابية ودعمها والدفاع عنها يخرج من الدفاع عن الخلافة.
وخرج دعم رضا للوهابية أيضًا من علاقة الشريف حسين (1853-1931) الوثيقة مع بريطانيا، وأنّه تغاضى عن احتلال بريطانيا واستعبادها للعرب مقابل مكسبه الشخصي، ورأى أنّه يُحرّف القرآن ويضع الأحاديث لمكاسبه الشخصية كذلك. ورأى رضا في غزو الوهابية لأرض الحجاز إعادة فتح إسلامي لها، كما زعمت الوهابية، وقال إنّه لو كان قد حدث أيام الدولة العثمانية لأنكره الجميع لقوة الدولة والخلافة، "أما وقد حدث في هذا العهد، فإننا نرى ضلع الرأي الإسلامي العام مع الوهابيين، لأنّ ما كان خفيًا من قوة دينهم واعتصامهم بالسنة ورفضهم للبدع وكراهتهم للسلطة والنفوذ الأجنبي قد ظهر لخواص المسلمين وبدأ يظهر لعوامهم".
وكان هدف رضا الرئيس توحيد البلاد، وهذا ما عرضه على الشريف الحسين ورفضه، لذا دعم عبد العزيز آل سعود (1876-1953) مؤسس الدولة السعودية، ورأى فيه الخليفة المُنتظر لتوحيده البلاد. يقول في كتابه "الوهابيون والحجاز": إنّ "إنكلترا ترى من أعظم الخطر على سياستها في البلاد العربية أو الإسلامية أن يوجد في المسلمين أمير مسلم قوي، ولا سيّما إذا كان مؤمنًا معتصمًا مؤيدًا بشعب صادق الإيمان كابن سعود وقومه"، ورأى رضا في الوهابية تمثيلًا وإنقاذًا للأمة، خاصة أنّها زعمت انطلاقها من السنّة النبوية والقرآن، وبهذا تُعدّ ممثلة للإسلام والمسلمين.
وفي هذه الأثناء كتب رجل الفقه والقانون المصري عبد الرزاق السنهوري (1895-1971) مؤلفه الأشهر "فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية" ويميز فيه الخلافة عن الدولة الحديثة، بأنّ الخلافة لا تزعم أهليتها للتشريع وتحتفظ بمبدأ سيادة الشريعة واستقلالها، الذي يراه أكثر تقدّمًا من مبدأ الفصل بين السلطات الذي تقدّمه دولة القانون الوضعي، التي تزعم خضوعها للقانون وهي التي تصنعه.
وما يقدّمه السنهوري بوصفه رجل قانون يُعبّر عن حالة الانهزام التي يمثلها سقوط الخلافة، حيث إنّها تمثل في نظر الوعي حينها تفريغ الشريعة الإسلامية من دورها ومضمونها، وإعطاء حق التشريع الإلهي لمجموعة من البشر واستبدال القانون الإلهي المؤبد اللانهائي، بالقانون الوضعي المؤقت النسبي. ورغم أنّ الحكام العثمانيين تمتعوا بسلطة تشريعية مستقلة عن أيّ مصدر تشريع، وكان لهم حق التشريع وفق إرادتهم، إلا أنّ رفض التدخل الإمبريالي والانتصار للهوية الإسلامية تمثل للوعي حينها في الخلافة الإسلامية المتمثلة في السلطنة العثمانية.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%AF%D9%8A00_0_1_2.jpg.webp?itok=Q6ja-W4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86_47_0_0_0_0_0_2.jpg.webp?itok=yqx_JVgr)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_2.jpg.webp?itok=A26htgBk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A8%D8%A7%D8%A8_2_1.jpg.webp?itok=LS4vksi3)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_10_1_0.jpeg.webp?itok=xmaAo0-p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_0.jpg.webp?itok=oZpbelbE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_1_5.png.webp?itok=N7vTxCHd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9_1_0.jpg.webp?itok=BBxHCpzi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/ql_0_0_0.jpg.webp?itok=PEM71CP9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%86_0_0_1.jpeg.webp?itok=4mix_d6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_34_1_0_2_2_0.jpg.webp?itok=7N1H041E)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D8%B4_1_0_0_0_1_0_0_0_0_0_0_2_0_1.jpg.webp?itok=6IDmY_tx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%A7%D8%B5_0_1.jpg.webp?itok=z-4b6aCD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/9ac9f2d8-fccc-4485-88bc-f0133e15bb31.png.webp?itok=3fQUQuIy)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)