كيف شكّلت دولة الإمارات إستراتيجية "القوة الذكية"؟

الإمارات

كيف شكّلت دولة الإمارات إستراتيجية "القوة الذكية"؟

مشاهدة

05/05/2019

تتحول دولة الإمارات العربية المتحدة بسرعة إلى "دراسة حالة" في العلاقات الدولية والدبلوماسية، تعرض كيف يمكن لدولة "صغيرة" أن تتغلب على ثقلها من خلال تشكيل رؤية ديناميكية للسياسة الخارجية، ومن شأنها أن تحوّلها إلى قوة متوسطة. وهي سعت إلى تحقيق ذلك من خلال الجمع ببراعة بين قوتها الأساسية كقوة ناعمة وآثار القوة الصلبة، وبالتالي تطوير تنوعها الخاص في إطار إستراتيجية القوة "الذكية".

من بين سمات دولة الإمارات الرئيسية الهوية الإسلامية المتسامحة والتقدمية وتمكين المرأة والمساعدات الإنسانية والتنمية الخارجية 

ووفق تحليل نشرته صحيفة "جلف توداي" فإنه من أجل فهم الديناميكيات الجديدة، يحتاج المرء إلى النظر إلى ما وراء أربع ركائز أساسية مرتبطة تقليدياً بالسياسة الخارجية وهي- القوة والسلام والازدهار والمبادئ. وهناك عدد قليل آخر من العوامل- مثل هيبة وشخصية (القادة)، من بين أمور أخرى- يمكن أن تساعد في تقييم العوامل التي جذبت هذا التغيير في السياسة الخارجية.

وحسب تحليل الصحيفة فإن ثمة أدلة كثيرة تشير إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد استخدمت بشكل إيجابي جميع هذه المحددات خلال العقدين الماضيين. والأمثلة التالية تثبت هذا التأكيد.
فلقد صُنعت دولة الإمارات العربية المتحدة في القرن العشرين كقوة ناعمة. ومن بين سماتها الرئيسية الهوية الإسلامية المتسامحة والتقدمية، وتمكين المرأة، والمساعدات الإنسانية والتنمية الخارجية، والدبلوماسية الثقافية، وحتى التنويع الاقتصادي.
القوة والسلام والازدهار والمبادئ

أسباب انتهاج الدبلوماسية الذكية
وقد مكّنت هذه السمات الداخلية في الغالب الإمارات من اكتساب الثقة، والتحوّل من اتّباع سياسة خارجية "تفاعلية" إلى اعتماد نهج "استباقي". وتشير الصحيفة إلى أنّ بعض السمات الأخرى تساعد في شرح أسباب تبني مثل هذه الدبلوماسية الذكية، ومنها:
أولاً، التحول في الاقتصاد العالمي، واحتياجات الأمن القومي في بيئة إقليمية غير مستقرة، ومحاولة مقصودة لنحت هوية مميزة في منطقة شهدت صعود لاعبين منافسين آخرين.
ثانياً، أدت مقتضيات الأمن الاقتصادي إلى الابتعاد عن اتباع سياسة الأمن الخارجي المتمركزة إلى حد كبير حول الولايات المتحدة وأوروبا، وتحول نظرة الإمارات ببطء إلى آسيا وإفريقيا وحتى أمريكا الجنوبية، وتتبع الإمارات الآن سياسات "متنوعة"، يمكن تصنيفها على أنها "دبلوماسية متعددة المسارات" أو "إستراتيجية متعددة التوازنات".

اقرأ أيضاً: الإمارات تجدّد الدعم المعنوي والمادي للسودان
بمعنى آخر، فإنّ التواصل الدبلوماسي الذي باتت تنتهجه الإمارات يقتضي ألا تضع بيضها في سلة واحدة، ويتجسد في سياسة "التحول شرقاً". ويشمل ذلك تنويع الشراكات "الإستراتيجية" مع الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، من بين أمور أخرى، وهي تتخذ شكلاً شاملاً من خلال دمج التعاون في مجالات الفضاء، والثورة الصناعية الرابعة والأمن أيضاً.
ثالثاً، أدى تصاعد التحديات الأمنية في المنطقة العربية، في العقدين الأخيرين، إلى إعادة النظر في مقولة إنّ مشاكل المنطقة والعالم لا يمكن حلها من قبل بلد واحد أو عدد قليل من البلدان. بدلاً من ذلك، بات الفهم الجديد هو أنّ "المشكلات الإقليمية" تتطلب "حلولاً إقليمية".
وفي القرن الإفريقي،  أصبحت دولة الإمارات نشطة في المساهمة في جهود مكافحة القرصنة ومكافحة الإرهاب وإرساء الاستقرار وترسيخ التنمية وتطوير البنية التحتية. ومن الأمثلة على ذلك الانضمام إلى قوة الساحل المتعددة الأطراف لمحاربة الجماعات الجهادية في غرب إفريقيا. إلى جانب ذلك، كان قرار دعم الإمارات لـ "التحالف العربي" الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن، بمنزلة خطوة استباقية تستهدف تقويض النفوذ الإيراني، ليس فقط في الشرق الأوسط، ولكن في إفريقيا أيضًا.

الوساطة الإماراتية

رابعاً، أصبحت إفريقيا أيضاً مجالاً لاختبار مبادرة أخرى. فلقد مكنت المشاريع الاقتصادية لموانئ دبي العالمية وغيرها من الشركات على مدار العقدين الماضيين الإمارات بأن تصبح أكثر دراية بإفريقيا، وكان هذا جزءاً مهمّاً في تحول الاتجاه في السياسة الخارجية الإماراتية. كان هذا، كما تضيف "جلف توداي"، واضحاً في تحول الإمارات العربية المتحدة من دولة تسعى للوسطاء لحل بعض مشكلاتها المحيرة إلى أن تصبح واحدة من الوسطاء، وهو ما اتضح في وساطة الإمارات في حل الخلاف بين إثيوبيا وإريتريا. وفي الآونة الأخيرة، استضافت أبو ظبي أيضاً محادثات بين الولايات المتحدة ومسؤولي "طالبان"؛ في محاولة لتحقيق الاستقرار في أفغانستان، وساعدت في 2019 في تهدئة التوتر بين باكستان والهند.

في القرن الإفريقي أصبحت الإمارات نشطة في المساهمة في جهود مكافحة القرصنة والإرهاب وإرساء الاستقرار وتطوير البنية التحتية

لقد جمعت هذه الإستراتيجيات بين آسيا وإفريقيا، وبين المصالح التجارية والدبلوماسية والأمنية، ما يمثل فصلاً جديداً في المسيرة الدبلوماسية لدولة الإمارات، كما يقول تحليل "جلف توداي".
خامساً، بعد أن دأبت على الاصطفاف بجانب معسكر الدول التي تصوّت لصالح قيادة الدول الأخرى في المنتديات متعددة الأطراف، يتم الآن انتخاب الإمارات لقيادة واستضافة المؤسسات والأحداث ذات السمعة العالمية الإيجابية؛ مثل الوكالة الدولية للطاقة المتجددة "إيرينا"، وإكسبو 2020 دبي.

هذه التحولات تمليها "روح الاحتمال والممكن" (ليس هناك مستحيل)، والرغبة في الاعتراف بأن الإمارات أكثر من مجرد قوة ناعمة غنية بالنفط. فلقد استخدمت الإمارات النمو الاقتصادي المطّرد لتعزيز صورتها، وإظهار الثقة بالنفس؛ من خلال توظيف كل أزمة كفرصة لتعزيز تقدمها.

إستراتيجيتان تتبعهما الدول الصغيرة

ويلفت تحليل "جلف توداي" إلى أنه يمكن أن يرتبط هذا النهج أو المقاربة الدبلوماسية المتكاملة لسياسة الأمن الاجتماعي والأمن الاقتصادي بإستراتيجيتين للدبلوماسية العامة تتبعهما الدول الصغيرة كوسيلة لاكتساب اعتراف دولي: دولة-أمة لها دبلوماسيتها وبصمتها الخاصة، إلى جانب "علامة" ترتبط بهذه الدولة. وهذا الأمر يستلزم "ربط صورتك بقضية معينة ... وتركيز الموارد في مجالات محددة تكون أكثر قدرة على توليد عوائد تستحق الحصول عليها". وهذا مهم بشكل خاص عند التركيز على القضايا التي تعتبرها تلك الدولة تسهم في المصلحة العالمية. و"الأخير (المصلحة العالمية)" تشبه فكرة العميل عن منتج ما "أو تكييف" أفكار العالم الخارجي عن بلد معين"، ولعل المقصود هنا هو ترك الانطباع الجيد وتقديم صورة ذهنية مشرقة عن الإمارات يزيد من وزنها كدولة فاعلة في محيطها وبين الدول.

اقرأ أيضاً: الإمارات ترد على ادعاءات قطر أمام لجنة القضاء على التمييز العنصري
وتقول "جلف توداي" في تحليلها: هذه القضايا تعزز حقيقة أنّه في العلاقات الدولية لا يهم الحجم؛ فكيفما نظرت اليوم إلى الإمارات ستجد أنها  لاعب مهمٌ في السياسات الإقليمية، على وجه الخصوص.

لقد أدى هذا التحول إلى قيام مسؤول أمريكي بوصف دولة الإمارات العربية المتحدة على أنّها "إسبارطة الخليج "، أو إسبارطة الجديدة. وهذا أمر قابل للجدل؛ لأن إسبارطة اليونانية القديمة كانت مثالاً للقوة الصلبة على وجه الخصوص، في حين أنّ الإمارات العربية المتحدة بعيدة عن ذلك. لكن بغض النظر عن هذا الجدل فإنّ مجرد هذا التشبيه يُعدّ أمراً مهماً للغاية وذا دلالة، وفق الصحيفة.
وعلى ضوء كل هذه الصفات، فمن المرجح أن يتم تصنيف دولة الإمارات في المستقبل كقوة "ذكية" أو "متوسطة" أو "مؤثرة" و"ذات سمعة".

الصفحة الرئيسية