كيف تغيّرت السّياسة الخارجيّة لمصر بعد 25 يناير؟

كيف تغيّرت السّياسة الخارجيّة لمصر بعد 25 يناير؟

مشاهدة

24/01/2021

فرضت ثورة 25 يناير متغيرات كبيرة على السياسة الخارجية المصرية، بصفتها جزءاً مهمّاً من سياق أوسع من الثورات والاحتجاجات التي عرفتها المنطقة العربية، التي عرفت باسم "الربيع العربي".

وتسبّبت الثورة في تغيير المشهد السياسي الداخلي، وتبعاً له شهدت العلاقات الخارجية الكثير من التحوّلات، وفقاً للمتحكم في المشهد الداخلي؛ فمع صعود الإخوان المسلمين تغيّرت سياسة مصر نحو المعسكر الذي يُعرف باسم "الممانعة" جزئياً، واهتزّت علاقاتها مع الحلفاء القدامى، خاصة في الخليج العربي.

قبل 25 يناير كانت السياسة الخارجية لمصر تدور في فلك الولايات المتحدة، مع وجود مساحة صغيرة مستقلة للحركة، خاصة في ظلّ هيمنة واشنطن على العالم

وعلى المستوى الأفريقي؛ أيقظت الثورة مصر من سباتها، وتصوّراتها النمطية عن أفريقيا، بعد أن وجدت نفسها في صراع حيوي على مياه النيل، إلى جانب التحدي الاقتصادي الكبير الذي تواجهه مصر، والذي بات محوراً مهماً في علاقاتها الدولية.

ويعدّ صعود مشروعات الإسلام السياسي أهم ما ميز الأعوام العشرة التي مرت على أحداث 25 يناير، والذي أعاد تشكيل علاقات المنطقة ببعضها، وعلاقات دولها بالعالم الغربي، وما يزال فاعلاً، على الرغم من إخفاقاته الكبيرة.

تحوّلات المشهد الداخلي

قبل 25 يناير؛ كانت السياسة الخارجية لمصر تدور في فلك الولايات المتحدة، مع وجود مساحة صغيرة مستقلة للحركة، خاصة في ظلّ هيمنة واشنطن على العالم، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، تلك الهيمنة التي بدأت في التأكل مع دخول العقد الثاني من الألفية الثالثة، بصعود قوى جديدة مثل الصين، واستعادة الروس للكثير من مكانتهم الدولية، وصعود قوى إقليمية.

علاقات إستراتيجية تجمع مصر والإمارات

ومنذ اتفاق كامب ديفيد، عام 1978، ربطت مصر نفسها بواشنطن، وفقدت الكثير من علاقاتها الدولية، في ظلّ تكلّس حكم الرئيس السابق، حسني مبارك، كما فقدت مصر مكانتها الإقليمية في المنطقة العربية وقارة أفريقيا.

ومع الإطاحة بمبارك في ثورة 25 يناير، دخلت السياسة الخارجية مراحل جديدة، ارتبطت بتغيّر المشهد الداخلي، الذي شهد صعود الإخوان المسلمين إلى السلطة.

وحول هذه المراحل، يقول المحلل السياسي المصري، عبد الستار حتيتة: "بعد 25 يناير كانت هناك مرحلتان في السياسة الخارجية المصرية؛ الأولى بدأت مع إمساك الإخوان المسلمين بالسلطة، عبر البرلمان والرئاسة، حتى 30 يونيو 2013، واتسمت بمحاولة الدخول فيما يُعرف بمحور الممانعة، ومن ذلك؛ التقرب من حماس وحزب الله وإيران، وشهدت مصر زيارة للرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، فضلاً عن الاتصالات بالحرس الثوري".

اقرأ أيضاً: بعد التقارب بين مصر وقطر .. هل تتخلى الدوحة عن الإخوان؟

ويتابع حتيتة، في حديثه لـ "حفريات": "والمرحلة الثانية بدأت مع تولي الرئيس، عبد الفتاح السيسي، الحكم، عقب الإطاحة بالإخوان، في ثورة 30 يونيو، وأهم معالمها الصراع مع التنظيم الدولي للإخوان وداعميه، خاصة تركيا، إلى جانب وجود تحدّيين داخليين؛ هما الأمن والاقتصاد، وهما اللذان يحركان السياسة الخارجية حتى اليوم".

وفي السياق ذاته، يقول الباحث الاقتصادي والسياسي، محمد محمود: "توترت العلاقات المصرية مع دول الخليج العربي أثناء حكم جماعة الإخوان، بسبب تعزيز الإخوان علاقات مصر مع إيران، لكن مع سقوطهم بنت مصر علاقات إستراتيجية مع معظم دول الخليج".

المحلل السياسي المصري، عبد الستار حتيتة

الصراع مع الإسلام السياسي

وصعد الإخوان المسلمون إلى السلطة في عدّة دول عربية، عقب الربيع العربي، في مصر وليبيا وتونس، وباتوا فاعلين في سوريا والمغرب، إلى جانب السودان حتى عام 2019.

وتشكّل محور إقليمي راعٍ للإسلام السياسي بشكل عام، وعلى رأسه قطر وتركيا، إلى جانب دعم إدارة أوباما الأمريكية، حتى عام 2016، وتمدّد هذا المحور إلى الصومال، معززاً وجوده الدولي في أوروبا، وتعرض لضربة قاصمة مع إطاحة الشعب المصري بالإخوان من الحكم، عام 2013، ما دفع هذا المحور للدخول في عداء مباشر مع مصر.

الباحث محمد محمود: لـ"حفريات": العلاقات المصرية مع دول الخليج العربي توترت أثناء حكم جماعة الإخوان، بسبب تعزيز الإخوان علاقات مصر مع إيران

لم يقف تأثير صعود الإسلام السياسي على دول بعينها، حتى الدول التي لا يوجد لهم فيها نفوذ قوي تأثرت بصعوده، مثل السعودية والإمارات والبحرين، إذ جلب صعوده مخاطر كبيرة على أمن دول الخليج العربي، بسبب العلاقات القوية التي تجمع الإخوان المسلمين بالنظام الإيراني، إلى جانب أطماعهم في الخليج.

وتداخل بذلك الصعود تنافس اقتصادي إقليمي، عززته الاكتشافات الهائلة للغاز في شرق المتوسط، الذي ربط دولاً من أوروبا وآسيا وأفريقيا بقضية واحدة، سرعان ما اشتبكت في صراع المنطقة مع الإسلام السياسي.

ويقول الباحث محمد محمود، لـ "حفريات": "أظهرت مصر دوراً مؤثراً وإيجابياً في قضية شرق المتوسط، بإنشاء منتدى الغاز، والذي تحوّل إلى منظمة حكومية رسمية، مقرّها القاهرة، وجمع تنوعاً دولياً ثرياً، يضم؛ مصر وإيطاليا وقبرص واليونان وإسرائيل والأردن وفلسطين، ومثّل رسالة حازمة لأطماع تركيا، التي تهدد المصالح الاقتصادية للإقليم، خاصة على دولتَي؛ اليونان وقبرص".

اقرأ أيضاً: الإخوان والقتل العشوائي.. مفكر مصري يروي مآسي "25 يناير"

وتسبب الصراع مع محور الإسلام السياسي في المقاطعة العربية لقطر، منذ 2017 حتى نهاية 2020. فضلاً عن ذلك؛ عززت تركيا وجودها في ليبيا تبعاً لتداخل دعمها للإسلام السياسي مع قضية شرق المتوسط، ما أدى إلى انخراط أكبر لمصر في الأزمة الليبية، إلى جانب انخراطها القائم على ارتباط أمنها القومي بما يحدث في ليبيا.

وكان لهذا الصراع وتشعباته الاقتصادية حضور كبير في القضية الفلسطينية، التي شهدت محاولات استقطاب من تركيا وقطر على حساب الفاعلين التقليديين، خاصة مصر.

 

الحضور الأفريقي

حمل البعد الأفريقي لمصر مخاطر كبيرة، عقب عام 2011، حيث استغلت إثيوبيا الاضطراب الداخلي في مصر، وشرعت في بناء سدّ النهضة، دون التوافق مع مصر والسودان أولاً، وفق اتفاقية عام 1902.

وعقب الإطاحة بالإخوان، تعقدت العلاقات المصرية السودانية، نتيجة دعم نظام البشير لفلول الإخوان المسلمين، وانعكس ذلك على مفاوضات سدّ النهضة، إلى جانب ارتباط أمن مصر بنشاط الإرهاب الدولي غرب القارة.

وتداخل ذلك البعد الاقتصادي في تطلع مصر إلى توسيع تجارتها وشراكتها في السوق الأفريقية الكبيرة، وفق خطط التنمية الاقتصادية الطموحة.

وحققت السياسة الخارجية المصرية نجاحات كبيرة في البعد الأفريقي، واصطدمت بمحور الإسلام السياسي، الذي يحظى بوجود كبيرة في القارة، خاصة مع أعداء مصر، مثل إثيوبيا، إلى جانب مخاطر الوجود التركي - القطري في الصومال، بعد افتتاح القاعدة العسكرية التركية، عام 2017

اقرأ أيضاً: مشروع لربط مصر بليبيا عبر القطار السريع... تفاصيل

وفي سياق الربيع العربي؛ برزت الأزمة اليمنية، عقب الانقلاب الحوثي، عام 2014، وسيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، ما مثّل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، التي تمرّ عبر قناة السويس، إلى جانب التهديد الأساسي لأمن الخليج العربي، خصوصاً السعودية حليفة الدولة المصرية.

وحول ذلك، يقول الباحث محمد محمود: "انتهجت القاهرة سياسة ممنهجة لتحسين العلاقات مع دول أفريقيا، وحققت نجاحات كبيرة في هذا الملف، تبلورت مع رئاستها للاتحاد الأفريقي، عام 2019؛ حيث دعمت بقوة رؤية الاتحاد لعام 2063، ودشنت منتدى أسوان للتنمية المستدامة والسلام، ومؤتمر الاستثمار في أفريقيا، إلى جانب توسيع برامج التعاون في مجالات؛ الصحة والتعليم والطاقة والتدريب الإداري، وغير ذلك".

الباحث الاقتصادي، محمد محمود

ودعمت القاهرة بقوة دخول الشركات المصرية إلى أسواق أفريقيا، والمبادرات الاقتصادية المشتركة، وشهدت الصادرات إلى دول القارة نمواً كبيراً، وفاز تحالف المقاولون العرب - السويدي، بمناقصة إنشاء سدّ "ستيجلر جورج" في تنزانيا، بتكلفة 2.9 مليار دولار، ما أثبت نجاح السياسة المصرية في القارة.

الإستراتيجية العسكرية

بالتوازي مع التحوّلات السابقة، يأتي تغيير الإستراتيجية العسكرية لمصر على رأس التغييرات الكبرى، عقب عام 2011؛ إذ تحوّلت القاهرة من الاعتماد شبه الكامل على التسليح الأمريكي إلى تنويع مصادر التسليح، وتعزيز قوتها العسكرية لتواكب الوضع السياسي الجديد، وبشكل أساسي في شرق المتوسط، وليبيا، وأزمة سدّ النهضة.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني نقل أموال قيادات الإخوان في مصر إلى خزينة الدولة؟

ويرى الباحث، محمد محمود؛ أنّ الإستراتيجية العسكرية الجديدة لمصر، والإنفاق العسكري الكبير، أفقد المعونة العسكرية الأمريكية أهميتها نسبياً، وأتاح مساحة أكبر لاستقلال القرار المصري.

ويضيف: "يمكن القول إنّ هناك تطوراً كبيراً وملحوظاً في مصادر تسليح الجيش المصري، حيث لم يعد التركيز على الاستيراد من الولايات المتحدة الأمريكية، وعقدت القاهرة صفقات كبرى مع كبار مصنعي السلاح، مثل؛ فرنسا وروسيا وإيطاليا وألمانيا والصين وبريطانيا، إلى جانب واشنطن".

أولت مصر اهتماماً كبيراً بتعزيز قواتها المسلحة

وإلى جانب مصادر التسليح، استجدت تحديات مع الواقع الإقليمي المغاير، واستجابت مصر لها بتغيرات كبيرة، شملت إنشاء قواعد عسكرية كبيرة، مثل: قاعدة محمد نجيب في الغرب، وقاعدة برنيس البحرية في جنوب شرق البلاد، إلى جانب تحديث أدوات ومنهج مكافحة الإرهاب الداخلي، والإرهاب الدولي.

والملاحظ على السياسة الخارجية أنّ جزءاً كبيراً منها يتسم بردّ الفعل، وهو أمر طبيعي في مرحلة إعادة البناء والتركيب التي تشهدها مصر، ومن المرجح أن تقود خطط التنمية، والتطلعات الاقتصادية دفة السياسة الخارجية نحو انخراط أكثر فاعلية، واستباقية.

وهناك مؤشرات تعزز ذلك؛ فعبر المصالح الاقتصادية شرعت مصر والأردن والعراق في تدشين محور اقتصادي - سياسي، يعزز الاستقرار والتنمية لشعوب الدول الثلاث، ويدعم الأمن القومي العربي، في مواجهة المخاطر التركية والإيرانية، التي تهدّد المنطقة العربية.

ويبقى أمام القاهرة الكثير للانعتاق من مرحلة ردّ الفعل، إلى وضع إستراتيجية سياسية فاعلة تقوم على تعزيز العلاقات الاقتصادية، دون الاقتصار على الهمّ الأمني فقط.

الصفحة الرئيسية