كيف تسلّلت الإسلاموية إلى مصر؟

كيف تسلّلت الإسلاموية إلى مصر؟


04/10/2018

بعد الانتهاء من ولادة مشروع الإسلام السياسيّ، في القرن العشرين، على يد (إخوان من أطاع الله) في نجد، نجحوا في الوصول للحكم، وإقامة إمارة نجد، وفق تصوّرهم الإسلاميّ، وقاموا بحملات عسكرية توسعية لصالح الإمارة الجديدة.

فقد نجح الإسلامويّون في منع التيار العروبي من إقامة دولته العربية الموحدة، بعد انتصارهم على الأشراف، وعلى الإدريسيين، بين عامي 1924 و1925، بعد كلّ هذه النجاحات؛ شعر الإخوان بأنّهم قوة عسكرية قادرة على تغيير قواعد العمل السياسي في المنطقة.

تجدّدت فكرة أنّ المسلمين لم يعودوا يعرفون إسلامهم، وأنّ السلفيين، هم حماة الإيمان، والعقيدة

ولأسباب مجتمعية ودينية، لم يدرك الإسلامويون (إخوان من أطاع الله)، لدورهم الوظيفي في تلك المرحلة، مما أدى إلى ارتفاع طموحات قادتهم للقيام بدور أكبر، فحاولوا الهجوم على البصرة، وعلى الكويت، ورفضوا طاعة الملك عبد العزيز، فأدّى هذا التمرّد إلى نشوب مجموعة من المعارك بين جيش الجهاد الموالي للملك عبد العزيز، وجيش الإخوان، وانتهت هذه المعارك بهزيمة قوات الإخوان، وإنهاء تجربتهم المسلّحة، واستسلام قادة التمرد، وتمّت محاكمتهم في الرياض.

ويمكن القول إنّه لم يكد العام 1930 يطلّ، إلّا وكانت تجربة تسليح التيار الإسلامويّ الوليد قد انتهت، وإن كانت حققت الهدف منها؛ وهو ميلاد تيار إسلامويّ يحمل الرغبة في الحكم لتطبيق أفكاره، هذا التيار ولد في الهجرات؛ لهذا عمد الملك للتعامل الحكيم معهم، فقام بإغلاق أهمّ هجرتين، هما الغطط والقطاوية، وقام بنقل سكانهما إلى المدن الطبيعية.

اقرأ أيضاً: كيف تحولت عروس الصعيد المصري إلى عاصمة الفتنة الطائفية؟

والهجرات، أو الهجر، هي مستوطنات كانت تهدف إلى تسكين القبائل البدوية، وتحويلهم إلى أعضاء في جيش عقائدي، فتتحول عاداتهم إلى عادات إسلامية، ويتحول ميلهم إلى السرقة والنهب إلى جهاد مقدّس، والقتل والاغتيال إلى قتال في سبيل الله.

في الهجرات؛ تمّ تلقينهم الفكر الوهابيّ، عبر جلسات وعظيّة، وتعليمهم أصول الدين من جديد، وفيها تمّ تدريب الإخوان على السلاح، وعلى التجهّز للحرب، لهذا عدّ الملك بقاء هذه الهجرات خطراً على المملكة الوليدة.

اقرأ أيضاً: هل أحرقت "حسم" السجون المصرية في أحداث يناير؟

خلّفت لنا "تجربة الإخوان الأولى"، أمرين: الأوّل أفكار وهابية ماضوية، هي المكوّن الأول والرئيس لفكر الإسلام السياسيّ، والثاني: أفراد مؤمنين بهذه الأفكار، أمّا المؤمنون فقد كانوا على نوعين؛ إمّا مؤمنون مسلّحون، أو مؤمنون غير مسلّحين، سيسمّيهم المجتمع النجدي والحجازي (المطاوعة)، وسيسمّيهم المجتمع العربي (السلفيين). أمّا قادة المسلحين؛ فمنهم من انضمّ للجيش، ومنهم من انضمّ للحرس الوطني، وباقي عموم جيش الإخوان تركوا السلاح وتفرّغوا للحياة في المدن تحت لواء الملك.

أمّا المؤمنون من غير المسلحين؛ فهؤلاء الذين حملوا الفكر الوهابيّ، أو أفكار الإسلاموية، إلى المجتمع الجديد، وبعد أعوام من الاستقرار، وبعد أن اطمأنّ الملك إليهم، كوّن منهم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عام 1940.

الادّعاء بأنّ عقيدة المسلمين تحتاج إلى تنقية هي المبرّر ذاته لسفك دماء المخالفين بزعم أنّ عقيدتهم باطلة

أمّا الأفكار التي خلّفتها تلك المرحلة؛ فقد كانت في غاية الخطورة، فتجدّدت فكرة أنّ المسلمين لم يعودوا يعرفون إسلامهم، وأنّ الملتزمين، أو السلفيين، هم حماة الإيمان، والعقيدة من دونهم في خطر، ومن هذه المرحلة؛ ظهرت فكرة ضرورة وصول الملتزمين إلى سدّة الحكم، ورفض أيّ تحديث، باعتباره من نتاج الغرب الكافر، الحنين إلى الماضي بشدة، واعتبار أنّ كلّ ما تمّ في ماضي المسلمين، خصوصاً الرعيل الأول، هو أصلح مناهج الحياة، إيجاد انتماء بديل محلّ انتماء الدولة والمجتمع والقبيلة، وهو الانتماء للفكر الإسلامويّ.

أمّا في مصر، عام 1925؛ عندما بدأ تمرّد الإخوان على الملك فؤاد الأول؛ كانت الدولة المصرية تحتضن تياراً وطنياً، شديد التأثير في المجتمع، وفي الحياة الفكرية، هذا التيار كان أحد تجليات ثورة 1919، امتلك التيار الوطني الوليد كثيراً من مقومات النهوض والمقاومة، وكان من الممكن أن يتحوّل إلى ركيزة رافعة للمجتمع المصريّ؛ بترسيخ أسس الديمقراطية والليبرالية، لكن هناك من استحضر له التيار المضادّ له، ليفسد عليه الفرصة؛ ففي هذا الوقت، تسرّبت إلى المجتمع المصريّ "أفكار الإخوان أو الإسلام السياسي"، وهي –كما أشرنا سابقاً- أفكار تتعارض بالضرورة مع القومية والوطنية.

اقرأ أيضاً: ثغرات المتطرفين في جدار المعتدلين

صحيح أنّ الأفكار لها أجنحة، وأنّ انتقالها من مجتمع إلى مجتمع هو أمر طبيعيّ، طالما أنّ المشترك الثقافي واحد، إلا أنّ هناك فارقاً كبيراً بين الانتقال الطبيعيّ للأفكار، الذي يمكن أن يأخذ عقوداً، وبين تولّي هذه المهمة عبر وسطاء، يثبت التاريخ اتصالهم بالفكر الإسلامويّ الوليد.

قاد عملية تسريب أفكار الإسلاموية ثلاث جمعيات:

الأولى جمعية "أنصار السنّة المحمدية": التي تمّ تكوينها عام  1926، على يد الشيخ الأزهري الشاب حامد الفقي، وكانت الجمعية تتبنّى خطاباً شديد التعصّب، وجعلت من أهمّ أهدافها تنقية العقيدة، والدعوة إلى التوحيد الخالص من جميع الشوائب، والملاحظ أنّ هذه الدعوة لم تكن محلّ ترحيب من علماء الازهر، فالادّعاء بأنّ عقيدة المسلمين تحتاج إلى تنقية، وأنّها غير خالصة؛ هي المبرّر ذاته لسفك دماء المخالفين بزعم أنّ عقيدتهم باطلة، والهدف الثاني؛ الدعوة إلى إقامة المجتمع المسلم، والحكم بما أنزل الله في جميع شؤون الحياة، وهي أيضاً الركيزة الفكرية الثانية للتيار الإسلاموي، الذي سيولد بعد قليل، وهي الأفكار ذاتها التي كان يؤمن بها جيش الإخوان.

اقرأ أيضاً: التطرف والمتطرفون .. والأسئلة الحائرة

وقد قامت الجمعية بدورها في تسريب أفكار الوهابيين، تحت ستار الانتصار لسنّة الرسول، عليه السلام، ثم أوعز محبّ الدين الخطيب إلى مجموعة من خلصائه، ليكوّنوا جمعية يلوذ بها الشباب، ويتعلمون فيها دينهم، وفيها يتلقون التدريبات الرياضية، وأسموها "جمعية الشبان المسلمين"، كان هذا عام 1927، لكن، ولأسباب مختلفة، توقّفت "جمعية الشبان المسلمين" سريعاً عن القيام بدورها، كما كان يخطّط لها محبّ الدين الخطيب، الذي أوعز لحسن البنا بإنشاء جمعية "الإخوان المسلمين"؛ التي تكوّنت عام 1928، والتي ستحمل المشروع الإسلاموي كاملاً، وتتصدر المشهد لعقود قادمة.

الصفحة الرئيسية