كيف تختلف فرنسا عن النمسا في الرد على الهجمات الإرهابية؟

كيف تختلف فرنسا عن النمسا في الرد على الهجمات الإرهابية؟

مشاهدة

25/11/2020

ترجمة: محمد الدخاخني

صدمت عمليّات القتل بالسّكاكين، التي نفّذها إرهابيّون غير منضمّين لجماعةٍ معيّنة، في تشرين الأوّل (أكتوبر)، الفرنسيّين، لكنّها لم تؤدّ إلى تدفّق التّعاطف العالميّ مع فرنسا، كما حصل بُعيد المذابح الإسلامويّة في عامَي 2015 و2016.

 وأعرب القادة الأوروبيّون عن تضامنهم، لكنّ العالم الإسلاميّ هزّته تظاهرات مناهضة لفرنسا ودعوات للمقاطعة.

سعى ماكرون إلى وضع الإسلام تحت رعاية فرنسا، وإلى جعله مشروعاً فرنسيّاً، وإزالة الطّابع الإسلاميّ عن الإسلام، ومن ثمّ تعزيز الإشارات بأنّ الإسلام نفسه غريب

وبعيداً عن عِظَم الهجمات؛ فإنّ الاختلاف اللّافت للنّظر بين الماضي والحاضر له علاقة كبيرة بردّ فعل الرّئيس، إيمانويل ماكرون، الذي ولّد شعوراً بالعزلة عند العديد من المسلمين الفرنسيّين وأثار الغضب في كافّة أنحاء العالم الإسلاميّ.

شرعت حكومة ماكرون في حملةٍ واسعة النّطاق على الإسلامويّين وبعض المنظّمات الإسلاميّة، بلغةٍ بدت وكأنّها تخلط الإسلام (الدّين)  بـ "الإسلامويّة" (وهي أيديولوجية قادت في بعض الأحيان إلى العنف).

باحثاً عن حلفاء

الآن، باحثاً عن حلفاء، يتواصل ماكرون مع المستشار النمساويّ، سيباستيان كورتز، ليُقيم قضيّة مشتركة مع زعيم أوروبي تعرّضت بلاده أيضاً لهجوم إرهابيّ الأسبوع الماضي. وبحسب قصر الإليزيه؛ سيلتقي الرّجلان في باريس، الثلاثاء، لمناقشة تحدّي الإرهاب لأوروبا.

وبعد الهجوم، الذي وقع في فيينا، بالكاد تسبّب ردّ فعل كورتز في أيّ انزعاج؛ فقد استخدم كلماتٍ توفيقيّةٍ سعت عمداً إلى نزع فتيل التّوترات، وكان كورتز قد قال، الأسبوع الماضي، في خاطبٍ أمام شعبه: "عدوّنا ليس كلّ من ينتمون إلى دينٍ معيّن"، وأضاف: "المتطرّفون والإرهابيّون هم العدوّ".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في النمسا: هكذا استغلت الجماعة الحريات السياسية

على الضدّ من ذلك؛ سعى ماكرون، حتّى قبل عمليّات القتل الأخيرة، إلى جعل انتقاده للإسلام والإسلامويّة قضيّةً بارزة، قبل الحملة الرّئاسيّة لعام 2022، وقال: "الإسلام دين يعيش اليوم أزمةً في كلّ مكانٍ في العالم".

تهدئة المشاعر المكدّرة

ومنذ ذلك الحين، حاول ماكرون تهدئة المشاعر المكدّرة، والتّأكيد على أنّ "بلاده ليس لديها مشكلة مع أيّ دين"، كما قال في حوارٍ معه.

لكنّه أيضاً لم يُظهِر مرونةً أمام أصغر انتقادٍ من وسائل الإعلام الغربيّة خارج فرنسا (وقد تلقّى في الدّاخل دعماً قويّاً)، وبذل جهداً لتوضيح آرائه.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في النمسا: الرواد (1)

وكتب في "فاينانشيال تايمز"، بعد أن نشرت الصّحيفة مقالةً، قال ماكرون إنّها اتّهمته ظلماً بوصم المسلمين الفرنسيّين لأغراضٍ سياسيّة: "فرنسا تحارب الانفصاليّة الإسلاميّة، وليست ضدّ الإسلام أبداً"، نافياً بشدّةٍ القيام بذلك، وحذفت الصّحيفة المقالة الأصليّة من موقعها للمراجعة.

كما أعرب ماكرون عن استيائه من التّغطية الأمريكيّة لردّ فعل الحكومة، بما في ذلك تغطية "نيويورك تايمز"، وفق "لوموند"؛ حيث اشتكى في اجتماع مجلس الوزراء الأخير من أنّ "التّوافق مع التعدّدية الثقافيّة الأمريكيّة سيكون نوعاً من موت التّفكير"، وتعهّد بأنّه لن يكون ثمّة "تحالف" فرنسيّ معها.

لكن بينما أصرّ ماكرون على أنّه لا خلاف بينه وبين مسلمي بلاده، وإنّما بينه وبين الإرهابيّين و"الإسلامويّة"، بدا أنّ حكومته تُشنّ هجماتها بشكلٍ عشوائيّ، بعد قطع رأس المعلّم، صمويل باتي.

لقد قالت حكومته إنّها ستغلق منظّمتين خيريّتين إسلاميّتين، اتّهمتهما السّلطات باعتناق آراء متطرّفة؛ وشنّت عشرات المداهمات؛ وسعت إلى ترحيل مئات المسلمين الموجودين بالفعل في ملفّات الشّرطة.

ماذا فعلت الشّرطة النمساويّة؟

يوم الإثنين؛ فعلت الشّرطة النمساويّة الشّيء نفسه؛ حيث نفّذت عشرات المداهمات التي استهدفت أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس، وقال وزير الداخليّة النمساويّ إنّه قد "اعتُقِل العشرات، أو أُحضروا للاستجواب، للاشتباه في تشكيل شبكاتٍ إرهابيّةٍ، وتمويل جماعاتٍ إرهابيّة، وغسيل أموال".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في النمسا: كيف يستغل المتطرفون الحريات السياسية؟ (2)

وقالت السّلطات النّمساويّة؛ إنّ العملية كانت قيد الإعداد، حتّى قبل الهجوم الإرهابيّ الّذي وقع الأسبوع الماضي، والّذي نسبته إلى رجلٍ على صلةٍ بتنظيم داعش.

يبقى أن نرى ما إذا كان ثمّة الكثير من الاختلاف بين مواقف الزّعيمَين.

يقدّم كلٌّ من كورتز (34 عاماً)، وماكرون (42 عاماً)، وكلاهما من السّاسة المتقلّبين غير الاعتذاريّين، وذوي الطّموح، لمحةً عن التحوّل السّياسيّ في أوروبا القابلةٍ للاشتعال، خاصّةً فيما يتعلّق بالإرهاب والهجرة.

انتُخِب ماكرون، الّذي ينتمي إلى يسار الوسط، بوصفه منقذاً للدّيمقراطيّة الّليبراليّة، في وقتٍ انهار فيه الحزب الاشتراكيّ الفرنسيّ، وهو يتّجه الآن نحو اليمين، موكلاً لوزرائه القيام بمعظم الحديث الصّعب نيابةً عنه، لتهيئة نفسه للانتخابات الرّئاسية المقبلة في فرنسا، عام 2022، حيث من المتوقّع أن يواجه تحديّاً قويّاً من اليمين المتطرّف القوميّ.

اشتكى ماكرون من أنّ "التّوافق مع التعدّدية الثقافيّة الأمريكيّة سيكون نوعاً من موت التّفكير"، وتعهّد بأنّه لن يكون ثمّة "تحالف" فرنسيّ مع الولايات المتحدة

أمّا كورتز، وهو محافظ؛ فقد انتُخِب مرّةً من قَبل من خلال الميل نحو رسالة اليمين المتطرّف، الذي انضمّ إليه بعد ذلك في ائتلافٍ استخدم واحدة من أقسى الّلغات والقيود ضدّ المهاجرين في أوروبا، لكن منذ الانتخابات النمساويّة الأخيرة، عام 2017، تعاون مع حزب الخضر، ذي الميول اليساريّة، وائتلافه الجديد مختلف تماماً، وكذلك كلماته.

وفي أوائل الشّهر الماضي؛ عبّر ماكرون عن مؤشّراتٍ لما سيُصبح موقفه العدوانيّ بعد عمليّات القتل، في مواجهة من يسمّيهم "الإسلامويّين" و"الإسلامويّة".

غموض في المقاربة

لكن ظهر غموض في مقاربته منذ البداية، وقد ترك استخدام ماكرون غير الواضح للّغة، غير الواضح للغاية أحياناً، صياغته ومواقفه مفتوحة لتفسيراتٍ متعدّدة، لم تكن جميعها لصالح الرئيس الفرنسيّ.

وفي خطابه المطوّل، في 2 تشرين الأوّل (أكتوبر)، أعلن ماكرون الحرب على ما يسمّيها "الانفصاليّة الإسلامويّة"، وهو اتّجاه، بحسب قوله، لدى بعض المسلمين في فرنسا للتّخلي عن قيم الجمهوريّة وتطوير "تنظيم بديل للمجتمع".

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في النمسا: كيف يستغل المتطرفون الحريات السياسية؟ (3)

ثمّة علماء اجتماع لا يعتقدون أنّ المشكلة كبيرة كما يُصوّرها ماكرون، ويشيرون إلى أنّ الغالبيّة العظمى من المسلمين الفرنسيّين يريدون فقط أن يكونوا مواطنين فرنسيّين متساوين، وكان ماكرون نفسه حريصاً على الاعتراف بالطّريقة الّتي عزلت بها الجمهوريّة الفرنسيّة مواطنيها المسلمين، وحرمتهم من الفرص، واضطّهدتهم بثقل ماضي فرنسا الاستعماري.

تمّ تجاهل تلك التنبيهات إلى حدٍّ كبيرٍ في العالم الإسلامي، وما زاد من حدّة الغضب الذي أعقب عمليّات القتل؛ الطريقة التي انزلق بها ماكرون بسهولةٍ من مخاطر "الإسلامويّة" إلى ما عدّه مشكلةً أساسيّةً مع الإسلام نفسه.

وفي وقتٍ مبكّرٍ من الخطاب، الّذي استمرّ 70 دقيقة، تحدّث عن "الهدف النّهائيّ" للإسلامويّين، وهو "السّيطرة الكاملة"، ثمّ تحدّث عن مقتل ضابطَيْ شرطة محليّين على يد جهاديّ، وعن "إسلامويّةٍ متطرّفةٍ تؤدّي إلى إنكار قوانين الجمهوريّة".

وعلى الفور تقريباً، انتقل إلى العبارات التي أثارت الغضب حول "الأزمة العميقة" في الإسلام، وقال ماكرون، في حوارٍ، إنّ هذه العبارات "أُخرجت من سياقها".

ومع ذلك، كان "سياق" نقده للإسلام واضحاً، كتالوج ماكرون الطّويل لجرائم "الإسلامويّة".

وفي وقتٍ لاحقٍ من الخطاب نفسه؛ سعى ماكرون إلى وضع الإسلام تحت رعاية فرنسا، وإلى جعله مشروعاً فرنسيّاً، وإزالة الطّابع الإسلاميّ عن الإسلام بطريقةٍ ما، ومن ثمّ تعزيز الإشارات بأنّ الإسلام نفسه غريب.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في النمسا: كيف يستغل المتطرفون الحريات السياسية؟ (4)

لقد أوضح ماكرون في الخطاب؛ أنّ "المحور" الرّئيس لإستراتيجيّته سيكون بناء "إسلام التّنوير" في فرنسا، بالتّالي؛ دمج الإسلام في إنجازٍ مميّزٍ في التّاريخ الثقافيّ الفرنسيّ: الفترة التي سيطر عليها مفكّرون مثل فولتير وديدرو.

وبعد مقتل المعلّم باتي، أعلنت الزّعيمة اليمينيّة المتطرّفة في فرنسا، مارين لوبان، أنّ "الإسلامويّة أيديولوجيا شبيهة بالحرب ووسيلتها هي الإرهاب"، وفي اليوم نفسه؛ أعلن وزير داخليّة ماكرون، جيرالد دارمانين، عن عمليات بوليسيّة ضدّ "العدوّ الدّاخليّ، الماكر والمنظّم للغاية".

لقد حدّدتُ الشّرّ

وبعد يومين، قال ماكرون لجمهورٍ وطنيّ، مادحاً المعلّم باتي: "لقد حدّدتُ الشّرّ، واتُّخِذَ قرار بشأن الإجراءات، ستكون (الإجراءات) أكثر صرامة، وستصل الأمور إلى نتيجتها المرجوّة".

في هذا السّياق؛ لم يمرّ إبداء كورتز، الذي كان منذ وقتٍ ليس ببعيدٍ يردّد بـ "ببغاويّة" رسالة اليمين المتطرّف المعادية للمهاجرين، لضبط النّفس، مرور الكرام.

قال بيتر نيومان، كبير الزّملاء في المركز الدوليّ لدراسة الرّدكلة في كينجز كوليدج بلندن: "لقد قاوم (كورتز) الإغراء الشّعبويّ"، وأضاف: "كان من السّهل، ومن الشّعبي لدى ناخبيه، أن يُلقي خطاباً أكثر استقطاباً، خطاباً يتّخذ موقفاً متشدّداً نحو المسلمين، وكيف يجب أن يتغيّر الإسلام".

وتابع نيومان: "كان بإمكانه إلقاء خطاب يماثل ذاك الذي ألقاه ماكرون، لكنّه لم يفعل".

في غضون ذلك؛ واصل ماكرون الدّفاع، بقوّة، عن الرّسوم الكاريكاتوريّة للنّبي محمّد، الّتي نُشرت للمرّة الأولى في صحيفة "شارلي إيبدو"، وذلك باسم "الحفاظ على الحرّيّة".

اقرأ أيضاً: تجريم "الإسلام السياسي" في النمسا

وقد لقي ذلك الموقف استحساناً واسعاً في فرنسا، من اليسار واليمين، بين المثقّفين والسياسيّين، وفي وسائل الإعلام، كما أعرب مسلمون معتدلون بارزون، علناً، عن دعمهم الخافت؛ فقال طارق عبرو، إمام مسجد بوردو، عن الرّسوم الكاريكاتوريّة: "إنّها لا تصدمني"، وأضاف: "لا تؤثّر بي"، وتابع بأنّ "المسلمين يجب أن يتلقّوا هذا النّوع من الاستفزاز بلا مبالاة".

داخل فرنسا، لم يكن ثمّة سوى عدد قليل من الأصوات المعارضة العلنيّة التي تشير إلى عيوبٍ محتملةٍ في نهج ماكرون.

قال جان-فرانسوا بايارت، وهو متخصّص في الإسلام في معهد الدّراسات العليا بجنيف: "إنّه رئيس كلّ الفرنسيّين، بمن فيهم المسلمون"، وأضاف: "الآن يقوم بتعريف فرنسا بموقفٍ لا يمثّل كافّة الحساسيّات".

كما أشار بايارت إلى أنّ الشرطة الفرنسية تُمارس التّمييز التعسفيّ بشكل منهجيّ ضدّ المسلمين، وتلك نتيجة ثابتة لهيئات مراجعةٍ مستقلّةٍ في الأعوام الأخيرة.

ووصف بايارت موقف ماكرون من الرّسوم الكاريكاتوريّة؛ بأنّه "صبيانيّ"، وقال: "الهدف من الصّور تذكير النّاس بأنّهم لا ينتمون إلى هنا، وأنّهم من مكانٍ آخر". وأضاف (أنّ الرّسالة هي): "أنت عربيّ، مهاجر، تسرق الخبز الفرنسيّ".

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

آدم نوسيتر وكاترين بينهولد، "نيويورك تايمز"، تشرين الثّاني (نوفمبر) 2020

الصفحة الرئيسية