كيف تجلد ذاتك وتجلد ذوات الآخرين باللغة؟.. أبو العلاء المعري نموذجاً

كيف تجلد ذاتك وتجلد ذوات الآخرين باللغة؟.. أبو العلاء المعري نموذجاً

مشاهدة

03/05/2021

هل يمكن للمبدع أن يستعيض عن  السّوط باللغة، لإشباع نزعته العارمة للتلذّذ بإيلام ذاته (المازوشيّة) وإيلام الآخرين (الساديّة)؟ أحسب أنّ أبا العلاء المعرّي قد تطوّع لرفدنا بنماذج استثنائية تؤكد إمكانية إقدام المبدع على هذا الضرب من الإبداع الدّامي، بعد أن جرّعه العمى العديد من الغصّات التي عادت به إلى دهليز داره، وظل ملازماً له خمسين عاماً، لم ينفك خلالها عن جلد ذاته وذات الآخرين بمحفوظه اللغوي الأسطوري.

ولد أبو العلاء (363 - 449 ه) في معرّة النعمان، لأسرة ميسورة الحال وذات حظ وافر من العلم والفضل. ولم يكد يبلغ الرابعة من عمره حتى أُصيب بالجُدري الذي طالما ذهب بأرواح الأطفال أو ببعض حواسهم في زمنه، فذهب ببصر صاحبنا الذي لم يدّخر وسعاً للاستعاضة عن فقد عينيه بتضخيم وظيفة أُذنيه، حتى ضُرب المثل بشدّة حافظته. ولم يمنعه العمى من التنقل في مدن الساحل الشامي طلباً لكل أصناف العلوم النقلية والعقلية، ويبدو أنّ هوسه بتحصيل المعارف لم يؤدّ به إلى ارتياد المكتبات العامة وملازمتها فقط، بل هو أدّى به أيضاً إلى غشيان المكتبات المهجورة في الأديرة وملازمة رهبانها المنقطعين، فاعتراه من ذلك ما عزّز شعوره بالأسى على المصير البشري بوجه عام وعلى محنته الذاتية بوجه خاص. بل إنّ في بعض ما تحدّر إلينا من أخباره ما يجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأنّ بذرة الشك المجبولة بتلمّس عبثية الحياة، قد راحت تنمو وتتطاول في عقله ووجدانه منذ أن ناهز العشرين من عمره.

محنة المعرّي أدّت به إلى التوسّل بمصطلحات العلوم الجافة للتعبير عن مشاعر الإنسان المتدفّقة

وأياً كان الأمر، فقد عاد صاحبنا إلى معرّة النعمان وأقام فيها حتى جاوز الثلاثين من عمره، راضياً من دنياه بالسّماع والحفظ ومقاسمة خادمه الأمين ثلاثين ديناراً هي حصّته السنوية من إرث عائلي مشترك، حتى إذا أيقن من أنه قد استنفد المحفوظ الشامي كلّه، قرّر أن ييمّم وجهه شطر خزائن الكتب في بغداد، معلّلاً نفسه بتحصيل المزيد من العلوم النقلية والعقلية. ومع أنه ظفر بمرامه ووجد في خزائن بغداد فعلاً ما يروي ظمأه للجديد والمختلف، بل وجد في بغداد من يستحق الإكبار والتبجيل علمياً وأدبياً، إلا أنّ عماه وما ترتب عليه من رثاثة المنظر وسوء الهندام، أدّى به دون أن يقصد للاصطدام بأحد الأعيان الذي ساءه أن يتعثّر به المعرّي في مجلس حاشد، فقال: من هذا الكلب؟ فأجابه المعرّي: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً !

وبغض النظر عن مدى صحة هذه الحكاية، إلا أنها تلخص وتكثف جوهر الأيديولوجيا التي لزمها المعري بعد ذلك خمسين عاماً؛ فسارع بالعودة إلى المعرّة، وحبس نفسه في سرداب بيته؛ يأكل ويشرب وينام بعيداً عن عيون المتطفّلين، وقد حرّم على نفسه الزواج واللحوم وكل ما لان من اللباس، ولا يبارح سجنه إلا للالتقاء بطلاب العلم والإملاء عليهم. علماً بأنّ غير قليل من العلماء قد نظموا أنفسهم في سلك هؤلاء الطلاب وأخذوا عن أبي العلاء ما لا يُعدّ ولا يحصى من الفوائد، ناهيك بأنّ غزارة علمه وطول عمره وما حكم به على نفسه من سجن واطّراح للشهوات، قد جاء له بأرتال من التلاميذ والمريدين الذين نشروا سيرته ومدوّنته في آفاق العالمين العربي والإسلامي.

ومع أنّ الخوض في حقيقة المعتقد الذي أخذ نفسه به- وهو أقرب إلى المعتقد الإنساني بلغة هذا العصر- من الإغراء إلى درجة يصعب معها تجاهله، إلا أنّ مطلوب هذا المقال يلزمنا بالتركيز على (النزعة اللغوية المازوشية - السادية) في المدوّنة المعريّة التي لم تؤد به إلى المبالغة في التصنّع والتصنيع فقط، بل هي أدّت به إلى (لزوم ما لا يلزم) بتعبيره هو، وبكل ما في الكلمات من معنى. ولا أبالغ إذا قلت إنني لا أكف عن تصوره كلّما جرى ذكره، وهو يتقلّب ظهراً لبطن وبطناً لظهر، قادحاً لقريحته ومعتصراً لذاكرته، كي يستوي له ما يريد في هذا السّفر أو ذاك، وبشروطه القاسية والمؤلمة من حيث: التزام السجع بحرف وحرفين وثلاثة حروف، والإتيان بكل غريب وعجيب ومهجور ومنحوت من مفردات اللغة، وحشد مكتوبه بالأمثال والأقوال والوقائع والأشعار والعناوين والمسائل النحوية والصرفية والعروضية، التي لا تتطلّب العديد من المصادر والمراجع فقط بل تتطلّب أيضاً العديد من المعاجم والقواميس المشفوعة بضرورة الاجتهاد وتوقّد البديهة لفك طلاسم ما أملى.

ولولا أنّ هذا المقال موجه للقارئ العام وليس للمتخصص، لعرضنا على نحو أكثر تعمّقاً وتفصيلاً وجوهاً من هذا الاضطهاد اللغوي الذي أوقعه المعري على نفسه وعلى قرّائه؛ بدءاً من رسالة الغفران مروراً بالفصول والغايات وليس انتهاء بمكاتباته مع داعي الدعاة الفاطمي. ولكن حسبنا التمثيل لما زعمناه في هذا المقال بمُختاريْن لا يعدوان كونهما غيضاً من فيض العنف اللغوي الذي سامه المعري نفسه ونفوس مريديه.

فتأمل عزيزي القارئ مدى التعسّف الذي ألحقه بنفسه وبنا في قوله مثلاً: (لا أختار شبه الظالمين، فإن الشيئين يتشابهان؛ فينقلهما التشابه إلى الاتفاق كإن المكسورة المشدّدة أشبهت الأفعال، فجاء بعدها اسمان آخرهما كالفاعل وأولهما كالمفعول، وكذلك ما قاربها من الأدوات. لا تجعلني ربِّ معتلّاً كواو يقوم ولا مبدلا كواو موقن تبدل من الياء، ولا أحب أن أكون زائداً مع الاستغناء كواو جدول وعجوز، فأما واو عمرو فأعوذ بك ربّ الأشياء، إنما هي صورة لا جرْس لها ولا غناء)!

كثير من كُتّاب القرون التالية للمعرّي ترسّموا أسلوبه حتى أحالوا النثر العربي إلى مستودع قاحل يمور برفوف الإشارات والألغاز والأحاجي

وانظر عزيزي القارئ مدى تنكيله بذاته وذواتنا في قوله أيضاً: (ألتفت إلى ذنوبي فأجدها متتابعة كحركات الفاصلة الكبرى، وأستقبل جرائم تترى، طوالاً كقصائد الكُميت الأسدي، مختلفة النظم كقصيدتي عَبيد وعدي، وأجدني ركيكا في الدين، ركاكة أشعار المولّدين سبقتهم الفصاحة وسبقوا أهل الصنعة. وأعمالي في الخير قِصار، كثلاثة أوزان رفضها المتجزّلون في قديم الأزمان، ولا بد للوتد من حَذّ، والسبب من جَذّ، ورُبّ فرِح طُوي طيّ المنسرح، فارحمني ربِّ إذا صرت في الحافرة، كالمتقارَب وحيداً في الدائرة)!

ولعل من الضروري أن نختم هذا المقال بهذا الاستدراك: إذا كانت محنة المعرّي قد أدّت به إلى التوسّل بمصطلحات العلوم الجافة للتعبير عن مشاعر الإنسان المتدفّقة، فإنّ كثيراً من كُتّاب القرون التالية، قد ترسّموا أسلوبه حتى أحالوا النثر العربي، إلى مستودع قاحل يمور برفوف الإشارات والألغاز والأحاجي. بل إنّ من بين كُتّاب ومبدعي القرنين العشرين والواحد والعشرين، نفراً استهواهم فائض اللغة، فراحوا يعيدون ويزيدون باسم الشعرية، وخاصة في النصوص الروائية، لكننا لو فحصنا هذه الاستطرادات، وأخضعناها لمعايير السرد والتسريد، لوجدنا أنها لم تَعْدُ كونها ضرباً من ضروب الإسهال اللغوي الذي يصعب تجنيسه شكلاً ومضموناً. وقد يكون من الضروري أيضاً التنويه بما تمتّع به شبيه أبي العلاء المعري وصاحبه، من قدرة استثنائية على تجاوز محنة العمى وعلى تحرير لغته من الأغلال التي أثقلت كاهل لغة حكيم المعرّة، وأعني به الدكتور طه حسين الذي قد نختلف معه بخصوص بعض أطروحاته، لكننا لا نملك إلا أن ننحني إجلالاً لأسلوبه الأخّاذ وبيانه السّلس المتدفّق.

الصفحة الرئيسية