كيف اختلفت زها حديد عن سائر روّاد العمارة؟

العمارة

كيف اختلفت زها حديد عن سائر روّاد العمارة؟

مشاهدة

09/10/2018

شعور بالدهشة والانبهار ينتاب الناظر لأعمال زها حديد؛ إنها لا تشبه شيئاً آخر؛ الانحناءات الكثيرة، وغياب الخطوط المستقيمة والزوايا القائمة، وعدم استخدام أيّ أشكال هندسية تقليدية، كلّ ذلك، يجعل الناظر يشكّ للوهلة الأولى بأنّ المبنى الذي أمامه حقيقي وموجود فعلاً على الأرض، وأنّه ربما يكون من محض الخيال، أو أنه مجرد عمل فني تشكيلي. إنها أعمال لا تشبه أيّاً من أنماط البناء التي عرفها تاريخ التصميم المعماري.

مركز الألعاب المائية في لندن الذي استضاف أولمبياد 2012

تأثيرات وجذور

لم يكن الاتجاه الذي سلكته حديد في أعمالها منقطع الجذور تماماً، فقد ظهرت منذ مطلع القرن العشرين عدد من الحركات والتوجهات الفنية التي دعت للثورة على كل أشكال التصميم والفنون التقليدية، وكانت زها حديد منذ طفولتها مهتمة ومعجبة بهذ الاتجاهات، والتي كانت أشهرها: "الحركة المستقبلية" في إيطاليا، التي مجّدت السُرعة كقيمة وموضوع، وحاولت تجسيدها في الأعمال الفنية، والحركة "التكعيبية"،  التي ابتكرت أسلوباً تصميمياً جديداً يقوم على استخدام الأشكال الهندسية البسيطة أساساً للعمل الفني، وصولاً إلى الحركة "التفوّقية" (السوبرماتيزم) التي أطلقها الفنان الروسي "كازمير ماليفيتش" في موسكو العام 1913، صاحب لوحة "المربع" الشهيرة، واعتمدت هذه الحركة على استخدام التشكيلات الهندسية فائقة البساطة؛ كالمثلث والمربع والمستطيل، وتميّزت باتجاهها لإدخال الخطوط المنحنية في التصميم، وهو تحديداً ما تأثرت به حديد وحاولت التطوير والبناء عليه وإدخاله في التصميم المعماري.

لوحة لكازمير ماليفيتش رسمها عام 1913 ويظهر فيها استخدامه المنحنيات

التفكيك.. تجاوز الهندسة الإقليدية

يُصنّف نقّاد عديدون أعمال زها حديد ضمن الاتجاه التفكيكي في العمارة، وهو الاتجاه الذي يهدم كُلّ الأسس الهندسية الإقليدية، ويقوم على تفكيك الأشكال المُركّبة إلى المكونات الأساسية البسيطة، كالمثلث والمربع، ومن ثم اعتمادها كوحدة أساسية في تصميم أشكال غير منتظمة.

دار الأوبرا في غوانزو (الصين) ويظهر اعتماد زها لوحدة المثلث كأساس للتصميم

المفاجآت غير المتوقعة

حاولت حديد في كُلّ أعمالها تحرير العمارة من الجمود والأشكال الهندسية التقليدية، فكانت النتيجة إحداث تغييرات جذرية في أشكال المباني، بحيث كانت تصاميمها مختلفة عن سائر المباني، وحتى عن الأشكال الطبيعية، إلى أن باتت عمارتها هي عمارة المفاجآت غير المتوقعة.

أطلقت صحيفة "الغارديان" البريطانية لقب "ملكة الانحناء"على زها حديد

يميل الذهن البشري إلى توقّع شكل التصميم والمبنى الذي أمامه، فهو قبل أن ينظر إلى الجهة الأخرى من المبنى أو إلى نهاية الواجهة التي أمامه، تقوم عينه الذهنية ومُخيّلته بإكمال الشكل عبر توقع استمرار اتجاه الخطوط وفق منحى وأسلوب مُعيّن، ولكن ذلك غير ممكن مع تصاميم زها حديد؛ حيث يصعب حتى تمييز الواجهة الأمامية للمبنى من الخلفية، ويصعب توقع المسارات والانعطافات الفجائية للخطوط المنحنية.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى أول معهد مختصّ بالثقافة والفنون بالسعودية

وإذا نظرنا لتصميم مركز الملك عبدالله للدراسات والأبحاث البترولية، الذي افتتح في الرياض العام 2017، نجده يبدو من الأعلى كمجموعة من الخلايا السداسية، المتداخلة والمتجمعة بشكل عنقودي غير منتظم، تختلف مساحات وأحجام الخلايا، وتتجمع جميعها لتكوّن تشكيلاً عضوياً غير مألوف.

من تصميم زها حديد: مركز الملك عبدالله للدراسات والأبحاث البترولية

البارامترية.. المستحيل بات ممكناً

منذ البدايات، واجهت حديد تحديات عديدة عندما بدأت -منذ الثمانينيات- باقتراح تصميماتها المتمردة، وكان كثيراً ما يتم عدم تقبّل جرأة طرحها، والتشكيك بقابلية تصاميمها للتنفيذ، وهو ما اضطّرها في البداية إلى إبداء نوع من التبسيط والتنازل في التصميم، كما نجد في تصميمها لمركز الفنّ المعاصر في سينسيناتي (بولاية أوهايو)، الذي اقتصرت فيه على الجدران المائلة والكتل المتداخلة.

اقرأ أيضاً: خالد عزب: العمارة الإسلامية ثمرة اشتباك السياسة والفلسفة والدين

ولكن التحوّل الأبرز جاء بعد إدخال أجهزة الحاسوب إلى مكتبها في لندن العام 1990، وهنا بدأت حديد بإدخال تصميماتها المرسومة على برامج حاسوبية وتمكنّت من إخضاع التصاميم عبرها لمعادلات (بارامترات) لوغاريتمية، ما سهّل إنجاز الحسابات الإنشائية لها، وبذلك بدأت التصميمات "الخيالية" التي كانت حديد ترسمها على الورق تتحول لتصبح قابلة للتطبيق والتنفيذ. ساهمت حديد بذلك بتطوير ما بات يُعرف لاحقاً بـ "العمارة الرقمية" (Digital Architecture). تتوّجت جهود حديد عندما فازت - نهاية التسعينيات - في مسابقة تصميم متحف الفن المعاصر في روما (ماكسي)، والذي تمكّنت زها فيه من تطبيق المبادئ التصميمية التي تخيلتها وآمنت بها، وتجسيدها على أرض الواقع.

العمارة السائلة.. والعضوية

أطلقت صحيفة "الغارديان" البريطانية لقب "ملكة الانحناء" (Queen of the curve) على زها حديد، وهي السمة التصميمية البارزة في كُلّ أعمالها. تخلّت زها عن الخطوط المستقيمة والزوايا القائمة التي استخدمها واعتمدها المعماريون عبر تاريخ التصميم المعماري، وبذلك رفضت الأشكال الكلاسيكية غير المرنة. لم تتوقف ثورتها عند العناصر، وإنما تجاوزتها إلى المبادئ، فلم تعتمد المبادئ التقليدية كالتكرار، والتناظر، والتماثل، وإنما تميّزت أعمالها باللاتماثل وعدم الاتساق.

مبنى برج الإبداع في جامعة هونغ كونغ التقنية

وفي تصميمها للمنحنيات، كانت حديد تستلهم من الأشكال العضوية الطبيعية، كما نجد مثلاً في تصميمها لدار المسارح والفنون في أبو ظبي، وهو العمل المُستوحى من عناصر الطبيعة؛ حيث تبدو الصالات الداخلية محمية كاللؤلؤ، أما من الخارج فيبدو المبنى أشبه بأوراق نبتة بحرية.

دار المسارح والفنون في أبو ظبي

ومن الأمثلة على التصميمات العضوية المستوحاة من الطبيعة، تصميمها لملعب الوكرة في قطر -الذي سيستضيف نهائيات كأس العالم القادمة- على شكل قارب شراعي من النوع التقليدي والمعروف في الخليج العربي. ومثال آخر على هذا الاستيحاء، نجده في جسر الشيخ زايد في أبوظبي؛ حيث تحاكي أقواسه المنحنية أشكال الكثبان الرملية المتموّجة، بما يتناسب مع الطبيعة الصحراوية للإمارة.

ملعب الوكرة في الدوحة، استوحت حديد شكله من القوارب الشراعية

جسر الشيخ زايد في أبو ظبي تصميمه مستوحى من الكثبان الرملية

التكامل.. الدهشة مستمرة

تميّزت أعمال حديد بتكاملها من الداخل والخارج، فزَها حديد لم تكن مصممة معمارية فقط، وإنما هي متمكنة أيضاً من التصميم الداخلي وأعمال الديكور، وهي مصممة أثاث كذلك، وقد وضعت كُلّ إمكاناتها من أجل تحقيق هذا التكامل في المباني، بحيث لا يشعر مُستخدم المبنى بوجود انقطاع وانفصال بين الداخل والخارج، وإنما تتواصل الدهشة التي تصيبه في الخارج عندما يرى مفاجآت جديدة في الداخل، مع استمرار بصمة زها البادية في المنحنيات والأشكال غير التقليدية.

تصميم زها حديد للأدراج الداخلية في متحف ماكسي (روما)

تصميم المدرج الداخلي في مركز حيدر علييف في أذربيجان

توفيت زها حديد في العام 2016، ليفقد عالم العمارة بذلك مخيلة إبداعية لم تعترف بأي حدود أو حواجز، وبقيت أعمالها تفتح مخيلة المعماريين وتعزز إيمانهم بإمكان خلق وابتكار ما هو جديد دائماً.

الصفحة الرئيسية